آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » كيف يمكن تلمّس الأسس الفكرية لدونالد ترامب؟

كيف يمكن تلمّس الأسس الفكرية لدونالد ترامب؟

 

محمد سيد رصاص

 

في الحرب الأهلية الأميركية (1861-1865)، وقف اليمين الإنكليزي مع مالكي العبيد الجنوبيين، حيث كانت المادة الخام للصناعة النسيجية في بريطانيا تأتي من الجنوب الأميركي المتمرّد على واشنطن، ضد أبراهام لنكولن والحزب الجمهوري الذي كان مع تحرير الزنوج وضد انفصالية ولايات الجنوب.

 

في تلك الحرب، توحّد المحافظ الإنكليزي مع الليبرالي، وهو أمر وجدنا مثيله في البرّ الأميركي ولكن ضد بريطانيا التي رأت في حرب انفصال الجنوب انتقاماً ولو متأخّراً من حرب الاستقلال الأميركية قبل تسعين عاماً. كان الحزب الجمهوري الأميركي (تأسّس عام 1854، فيما الديمقراطي عام 1828) على يمين الديمقراطيين، وكان أكثر ما يميّزه هو النزعة الانعزالية عن مشاكل القارة الأوروبية وفق مبدأ مونرو الذي وضع عام 1823 لمنع التدخلية الأوروبية في قضايا العالم الجديد.

 

كان الجمهوريون مع حرية السوق وتقييد تدخلية الدولة في حياتَي المجتمع والأفراد، وكان تأييدهم لتحرير الزنوج من العبودية تعبيراً عن الحاجة إلى يد عاملة للصناعة بدلاً من عبيد في مزارع يملكها مزارعون هم أقرب للنمط الإقطاعي، وقد اجتمع هذا مع عدائية موروثة عندهم ضد البريطانيين.

 

كانت الانعزالية هي أكثر ما ميّز اليمين الأميركي في القرن التاسع عشر، وقد ظلّ صدى هذه النزعة قوياً عندما كانت الرحم في توليد مقاومة أميركية مجتمعية قوية ضد الانخراط في الحربين العالميتين الأولى والثانية. عندما وضع الرئيس من الحزب الديمقراطي فرانكلين روزفلت في الثلاثينيات برنامجه للإصلاح الاقتصادي: (نيوديل)، بما يتضمّنه من تدخّلية الدولة في العملية الاقتصادية، كانت معارضة يمين الحزب الجمهوري لذلك ضارية، وقد تركّزت قواعد هذا اليمين الجمهوري في ولايات الوسط، فيما كان هناك جمهوريون أكثر اعتدالاً في الساحل الشمالي الشرقي ضد روزفلت. إضافة إلى هذين الملمحين الجمهوريين، يمكن تلمّس ملامح أخرى في اليمين الأميركي ما قبل عام 1945: تقليدي في القيم الاجتماعية، متديّن، صناعي أو تاجر مصاب بكره لرجال المصارف وهو ما أنتج نزعة عداء لليهود كانت تظهر بهذا الشكل أو ذاك، فيما الديمقراطي الأميركي هو ليبرالي ليس فقط في الاقتصاد بل في القيم الاجتماعية وأكثر ميلاً لحرية الأفكار والتشريعات الحديثة.

 

مع فوز دوايت أيزنهاور بترشيح الحزب الجمهوري عام 1952، ضد اليميني التقليدي روبرت تافت الذي كان معادياً لمشروع مارشال 1948 وحلف الأطلسي 1949 والاشتراك الأميركي في الحرب الكورية 1950-1953، ظهرت يمينية جديدة عند الجمهوريين تتجاوز الانعزالية نحو الانخراط التجابهي ضد السوفيات في الحرب الباردة، ولكن كان التقليديون الجمهوريون هم المسيطرين على الوزارات المحلية في إدارة أيزنهاور.

 

مع باري جولدووتر الذي جابه لندون جونسون في انتخابات 1964 ظهرت نزعات محافظة جديدة عند الجمهوريين جمعت نزعة حرية السوق مع عداء شديد للقيم الليبرالية في الثقافة والأفكار والاجتماع، وهو ما كان حلّه عند ليوشتراوس وميلتون فريدمان، مؤسّسي الليبرالية الجديدة في الفلسفة والاقتصاد، لما كانا الإرهاص لتيار «المحافظين الجدد» حيث تمّ الجمع بين تيار فلسفي مُعاد لتراث غربي عقلاني (يبدأ من ديكارت) مع نزعة ليبرالية في الاقتصاد ترى المحدد للقيمة الاقتصادية ليس في «السلعة» بل في «النقد».

 

كان ميلتون فريدمان ملهماً لسياسات رونالد ريغان الاقتصادية وكان بعض المحافظين الجدد في إدارته مثل بول فولفوفيتس، ولكن سيطرة «المحافظين الجدد» لم تبن ملامحها إلا في إدارة بوش الابن، حيث كانوا هم أصحاب نزعة جديدة في اليمين الأميركي هي نزعة تدخلية خارجية لنشر «الديمقراطية» و«اقتصاد السوق» و«إعادة صياغة الخارج».

 

كان «المحافظون الجدد» خارج سياق مسار اليمين الأميركي خلال قرنين من الزمن: أدّى فشلهم في العراق إلى استيقاظ اليمين الأميركي الجديد، وقد ساعدت على هذا أزمة 2008 المالية-الاقتصادية، ويبدو أن دونالد ترامب كان حتمياً بعد الفاصل الذي كان اسمه باراك أوباما.

يمكن تلخيص هذا اليمين الأميركي الجديد من خلال شخص ستيف بانون الذي لعب دوراً رئيسياً في فوز ترامب عام 2016 ثم كان كبير استراتيجيّي البيت الأبيض حتى يوم 18 آب 2017 عندما استقال أو أُجبر على الاستقالة: دخل السياسة إثر صدمة 11 سبتمبر 2001 وكانت صدمته الثانية لما فقد والده المتقاعد كل مدّخراته إثر أزمة 2008.

 

في عام 2007 كتب مقالاً بعنوان: «تدمير الشيطان الأعظم: صعود الفاشية الإسلامية»، وفي عام 2014 قال في خطاب في الفاتيكان الكلمات التالية عن تجربته في بنك غولدمان ساكس: «ناس يعيشون في نيويورك ولكن يشعرون بالقرب من أمثالهم في لندن وبرلين، من قربهم من الناس العاديين في كنساس وكولورادو، وهم يحملون ذهنية نخبة تتجه لإملاء ما يجب أن يسير عليه العالم من فوق رؤوس البشر».

 

تجتمع هنا «الشعبوية» ومعاداة النخب البيروقراطية والمصرفية مع نزعة انعزالية في الاقتصاد ضد «العولمة» ومع الحمائية الجمركية وضد استثمارات الأميركيين خارج الولايات المتحدة وضد اتفاقيات التجارة العالمية واتفاقيات المناخ وضد فتح الحدود الأميركية أمام السلع والأشخاص في نزعة حمائية اقتصادية يلخّصها بانون بمصطلح «القومية الاقتصادية».

 

هو ضد التساهل في قبول المهاجرين وكان هو القوة الدافعة لقرار ترامب بتقييد السفر والهجرة من سبعة بلدان مسلمة. لا يقتصر عداؤه على المسلمين بل يشمل مهاجري آسيا الجنوبية وجنوب شرق آسيا الذين يشكلون ثلاثة أرباع العاملين في وادي السيليكون، عاصمة التكنولوجيا المعلوماتية الأميركية.

 

بانون كان يطمح لإرجاع الشركات الأميركية ورأس المال الأميركي من أوروبا وشرق آسيا إلى الولايات المتحدة الأميركية. هو كان ضد الانخراط العسكري في الخارج، في العراق وأفغانستان، وضد استعمال القوة العسكرية الأميركية في الخارج، ويرى في الدولار «جنرالاً كافياً للسيطرة على العالم من دون الحاجة إلى القوة العسكرية»، وهو معجب ببوتين، ويراه قومياً معادياً للنزعات العالمية، ومعجب بماري لوبن، ويكره الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي. يرى الخطر على الولايات المتحدة من مصدرين: «الإسلام» و«الصين»، ويدعو لوضع الخطط لمواجهتهما وهزيمتهما.

 

كان هذا هو برنامجه الذي قاد ترامب إلى البيت الأبيض لمّا فاز المرشح اليميني الرئاسي بانتخابات 2016 بالولايات الوسطى الأميركية حيث اليد العاملة البيضاء والفئات الوسطى التي تضرّرت من أزمة 2008. كان فوز ترامب مبنياً على برنامج سمّاه بانون «برنامج اليمين الأقصى» في اتجاه شعبوي ضد المؤسسات القائمة وضد الفئة السياسية الأميركية في واشنطن وضد رجال المصارف. لم تتحمّل المؤسسة الحاكمة (أو: الدولة العميقة) في واشنطن ستيف بانون خلال سبعة أشهر من وجوده في البيت الأبيض، فأخرجته إخراجاً وهو الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» يوم 25 شباط 2017 بأنه «موضوع الكراهية» عند خصوم ترامب.

 

كان لافتاً أن يظهر اليمين بمظهر الثوري في واشنطن، وبانون معجب بلينين بالمناسبة، وأن تكون قاعدة اليمين الاجتماعية من الطبقة العاملة البيضاء ومن فئات وسطى مُفقرة حديثاً، فيما الليبراليون واليساريون قد أعطوا أصواتهم لهيلاري كلينتون التي كانت أصواتها متركّزة عند الأغنياء والفئات الوسطى غير المتأثّرة بأزمة 2008 والزنوج والذين هم من أصول لاتينية ومن الأقليات.

 

هذا ليس بعيداً عن اتجاه عالمي، مع بدء انحسار الموجة اليسارية العالمية في السبعينيات، حيث قاد اليمين الثورات والحركات الاحتجاجية منذ بابا الفاتيكان الذي كان راعياً لحركة التضامن البولندية عام 1980 ضد الحزب الشيوعي ومن ثم حركات خريف 1989 في دول الكتلة السوفياتية التي كانت كلها تحت قيادات يمينية أو أعقبتها حكومات يمينية.

 

عندما فاز جو بايدن على ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2020، كان التعليق التالي لصحيفة «واشنطن بوست»: «الديمقراطية صحّحت خطأ 2016»، ولكن بالتأكيد صاحب ذلك التعليق كان مصدوماً بفوز ترامب في انتخابات 2024 على كامالا هاريس وبأغلبية شعبية غير مسبوقة، وعلى الأرجح أن اليساريين يشاركون «واشنطن بوست» الليبرالية في تلك الصدمة، من دون أن يبحث هؤلاء وهؤلاء عن الجذور الفكرية لترامب ولا عن القاعدة الاجتماعية القوية لليمين الأميركي، وهو ما يجعل الولايات المتحدة مقسومة اجتماعياً بين خندقين أيديولوجيين يختلفان في الفكر والسياستين الداخلية والخارجية وفي مواضيع الاقتصاد والاجتماع ومواضيع الثقافة.

 

ومَن يراقب ما قاله ترامب عن أشخاص مثل جو بايدن وكامالا هاريس ونانسي بيلوسي يدرك عمق هذين الخندقين وحجم المجابهة بينهما، مع ملاحظة أن ترامب في ولايته الثانية أكثر أيديولوجية وأكثر تمسّكاً بأفكار ستيف بانون وأكثر هجومية على خصومه وأكثر صراحة تجاه ما يريد داخلياً وخارجياً، وهو في واشنطن 2017-2021 وجد نفسه غريباً فيها، ولكن في المرة الثانية نجده ليس كذلك، رغم أن السيف الذي تم تسليطه فوق رأسه في الولاية الأولى لم يكن فعّالاً أو قليل الأثر، وهو ملف «التدخل الروسي في انتخابات 2016»، فيما يتم الآن تسليط سيف أكثر حدّة فوق رأس ترامب، ممثّلاً في «قضية إبستين»، وهو ما يوحي بأن طريق ترامب في المكتب البيضاوي يمكن أن يواجه حفراً كثيرة، وخاصة إن تجاوز «الخطوط الحمر» المرسومة عند «الدولة العميقة» في السياستين الداخلية والخارجية.

 

* كاتب سوري

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سمعة الغرب وقوّته بعد غزّة وإبستين

  هادي قبيسي   نحن أمام تحوّل معرفي/ثقافي هائل، بدأ في غزة وانتقل إلى جزيرة النخبة الغربية التي يديرها «الموساد» من خلال جيفري إبستين. نحتاج ...