الرئيسية » إقتصاد و صناعة » كيف يُعاد تعريف هوية الاقتصاد السوري؟

كيف يُعاد تعريف هوية الاقتصاد السوري؟

عبد العظيم المغربل

 

تُعدّ محاولة تحديد الهوية الاقتصادية لأي بلد عملية دقيقة، لأن الهوية هنا ليست بطاقة تعريف جاهزة نُلصقها بتوصيفات مختصرة مثل اقتصاد زراعي أو صناعي أو خدمي، إنها أقرب إلى بصمة تاريخية تتشكّل عبر الزمن، وتتكشّف من خلال الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الجوهرية: من أين تعيش هذه الدولة فعلياً؟ هل تعيش من إنتاج يخلق قيمة، ويُراكم معرفة وفرص عمل، ثم يُصدَّر إلى الخارج؟ أم تعيش من ريع يأتي من خارج عملية الإنتاج؟ والأهم من ذلك، من يملك حق الإجابة عن الأسئلة الاقتصادية الأساسية التي تتمحور حول: ماذا ننتج؟ وكيف ننتج؟ ولمن ننتج؟ هل تُجاب هذه الأسئلة عبر الدولة بمؤسساتها وقواعدها، أم عبر السوق بآلياته التنافسية، أم عبر شبكة من الفواعل الاقتصادية التي تتحكم بالموارد والفرص؟

 

ثم يأتي سؤال لا يقل أهمية: كيف يندمج الاقتصاد في العالم؟ هل يندمج بوصفه منتجاً ومصدّراً داخل سلاسل القيمة، أم بوصفه مستورداً يعتمد على الخارج بدرجة أكبر؟ كما يصبح سؤال نمط العمل السائد جزءاً من فهم الهوية الاقتصادية: هل يغلب عليه القطاع العام أم القطاع الخاص أم صيغ مشتركة؟ وهل توجد حماية اجتماعية فعّالة ضد البطالة والهشاشة أم لا؟ وأخيراً، كيف تُحلّ المعضلات الاقتصادية المرتبطة بالندرة وتوزيع الموارد وأولويات الإنفاق: هل عبر قواعد شفافة وآليات مساءلة، أم عبر ترتيبات غير معلنة تعيد توزيع الندرة بدل إدارتها؟

 

لذلك، لم يعد سؤال ما هي هوية الاقتصاد السوري؟ سؤالاً نظرياً يُجاب عليه بشعار من نوع اشتراكي أو سوق حر، بل أصبح سؤالاً عملياً وملحّاً بعد التحوّل السياسي والاقتصادي الذي فتح نافذة جديدة للبلاد، ولا سيما مع رفع العقوبات وما يرافقه من توقّعات حول إعادة الاتصال بالأسواق والتمويل والتجارة.

 

طبيعة الإنتاج كمحدِّد رئيسي في الهوية الاقتصادية السورية

تبدأ هوية أي اقتصاد من الفرد، والمصنع، والمزرعة، والورشة، قبل أن تبدأ من الخطط والوثائق، فطريقة الإنتاج، لا حجمه فقط، هي التي تحدد ما إذا كان الاقتصاد يميل إلى خلق قيمة قابلة للتراكم والتصدير، أم إلى إعادة توزيع ندرة قائمة عبر التجارة والوساطة، وفي الحالة السورية، أعاد التبدّل السياسي الذي أعقب سقوط نظام الأسد، وما تلاه من ترتيبات عام 2025، فتح سؤال الإنتاج: هل يمكن استعادة اقتصاد منتج، أم أن البنية ستبقى تميل إلى أنشطة سريعة الدوران وقليلة القيمة المضافة؟

 

عملياً، يتحدد الإنتاج اليوم بشروطه أكثر مما يتحدد بالرغبة فيه، وهذه الشروط مرتبطة بالطاقة، والتمويل، والاستقرار التنظيمي، واللوجستيات، والأمن، وعندما تصبح هذه الشروط مكلفة أو غير مضمونة، تنكمش الصناعة المنظّمة لمصلحة ورش صغيرة وإنتاج متقطع، وتتحول الزراعة إلى نشاط عالي المخاطر بسبب كلفة المدخلات وتذبذب توافر المياه والطاقة والنقل، في المقابل، تتمدّد الخدمات التجارية وأنشطة الوساطة لأن أرباحها أسرع وأقل اعتماداً على استثمار طويل الأجل.

 

لذلك، لا يكفي القول إن الاقتصاد السوري زراعي أو خدمي أو صناعي، الأهم هو ملاحظة أن مركز الثقل ينتقل، عند ضعف شروط الإنتاج، من القطاعات التي تخلق قيمة إلى القطاعات التي تؤمّن السلع وتعيد توزيعها، وهنا تبدأ ملامح الهوية الاقتصادية بالظهور: اقتصاد يميل إلى التجارة والوساطة كلما ضعف الإنتاج، ويعود إلى التصنيع والزراعة كلما استقرت شروطهما.

 

مصادر الدخل والقطع الأجنبي.. من أين يعيش الاقتصاد السوري فعلياً؟

إذا كانت طبيعة الإنتاج تكشف قدرة الاقتصاد، فإن مصادر الدخل تكشف منطقه، فهناك فرق كبير بين اقتصاد يعيش من قيمة يصنعها ويصدرها، وبين اقتصاد يعتمد على تدفقات تأتي من خارج عملية الإنتاج أو من أنشطة وسيطة سريعة الدوران، وفي سوريا، لا يهم فقط سؤال: كم ننتج؟ بل أيضاً: من أين يأتي المال الذي يحرّك الإنتاج والسوق، ويغطي الاستيراد، ويحدد اتجاه سعر الصرف؟

 

يمكن النظر إلى مصادر الدخل على مستويين مترابطين، الأول دخل إنتاجي ناتج عن عوائد الزراعة والصناعة والخدمات القابلة للبيع داخلياً وخارجياً، هذا النوع من الدخل، حين يكون هو الغالب، يمنح الاقتصاد هوية أكثر استقراراً، لأنه يبني دورة تبدأ بالإنتاج، وتؤدي إلى زيادة الدخل، ثم الاستثمار، وصولاً إلى توسيع عملية الإنتاج، أما المستوى الثاني فهو دخل ريعي أو شبه ريعي، عبر التحويلات من الخارج، والمساعدات، وعوائد ورسوم العبور والمعابر، وحين يغلب هذا النمط، يميل الاقتصاد إلى دورة مختلفة تبدأ بتدفق نقدي، يؤدي إلى زيادة الاستهلاك عبر الاستيراد، وينتهي بالتضخم، مع قدرة أضعف على خلق فرص عمل منتجة.

 

العلاقة بين الدولة والسوق: من يضع قواعد اللعبة؟

تحدد العلاقة بين الدولة والسوق قواعد اللعبة التي يتحرك ضمنها الإنتاج والدخل والتوزيع، فالتحول نحو اقتصاد السوق لا يعني تلقائياً تراجع دور الدولة، بل انتقالها من دور مباشر في الامتلاك والتسعير والتخصيص إلى دور أكثر حساسية يتمثل في التنظيم وبناء القواعد، هنا تتحدد الهوية الاقتصادية بحسب طبيعة الدولة، لا بحسب حجمها فقط، فالدولة التي تضع قواعد واضحة للملكية والعقود والمنافسة، وتوحّد المعايير الضريبية والجمركية، وتبني قضاءً تجارياً فعالاً وأجهزة رقابية، تخلق سوقاً يعمل بمنطق الاستثمار والإنتاجية، أما الدولة التي تكتفي بإدارة الندرة عبر الاستثناءات والامتيازات والقرارات المتبدلة، فتنتج سوقاً شكلياً تحكمه شبكات الفاعلين الاقتصاديين، وتتحول فيه الأرباح إلى نتيجة للنفاذ لا للكفاءة.

 

إضافة إلى ذلك، لا يتغير الاقتصاد بقرار تحرير أو خصخصة فقط، بل حين تُحسم مسألة من يمنح الوصول إلى الموارد، ومن يحصل على التراخيص، وكيف يُفتح باب الاستيراد، ومن يحدد شروط التمويل، ومن يسيطر على منافذ الطاقة والنقل، فإذا بقيت هذه المفاتيح موزعة وفق ترتيبات غير شفافة، يتحول السوق إلى قناة جديدة لإعادة إنتاج الريع، أما إذا جرى ضبطها بقواعد عامة قابلة للمساءلة، فإن التحول نحو السوق يصبح انتقالاً حقيقياً نحو اقتصاد منتج، وتبدأ الهوية الاقتصادية بالتشكل حول المنافسة الفعلية.

 

الاندماج في الاقتصاد العالمي ودوره في تشكيل الهوية الاقتصادية

لا تتشكل الهوية الاقتصادية السورية من الداخل فقط، بل أيضاً من طريقة اتصال البلاد بالعالم، فرفع العقوبات يفتح الباب أمام إعادة بناء روابط كانت مقطوعة أو مشوهة، لكنه في الوقت نفسه يفرض على الاقتصاد السوري نمطاً جديداً من الاندماج الخارجي، فهل يعود إلى العالم كسوق للاستهلاك والاستيراد فقط، أم كاقتصاد قادر على إنتاج سلع وخدمات تدخل المنافسة وتبحث عن موقع داخل سلاسل القيمة الإقليمية والدولية؟

 

في مرحلة ما بعد سقوط النظام، يظهر ميل طبيعي إلى ارتفاع الاستيراد، نتيجة الحاجة إلى تعويض نقص طويل في السلع والمدخلات، غير أن هذا المسار، إذا تحول إلى قاعدة دائمة، يرسم هوية اقتصاد تجاري-استهلاكي يعتمد على الخارج أكثر مما يصنع قيمة في الداخل، ويجعل ميزان المدفوعات وسعر الصرف والعجز التجاري محددات أساسية لمسار النمو، في المقابل، إذا استُخدمت نافذة الانفتاح لتأمين مدخلات الإنتاج والتكنولوجيا والتمويل طويل الأجل، وربط القطاعات المحلية بمعايير الجودة والامتثال والتنافسية، فإن الاندماج الخارجي يتحول إلى أداة لإعادة بناء اقتصاد منتج يقوم على التصدير أو الإحلال الإنتاجي وتوسيع الطاقة الإنتاجية.

 

نمط العمل السائد ودوره في تشكيل الهوية الاقتصادية

تظهر الهوية الاقتصادية بوضوح في نمط العمل السائد، وفي الجهة التي تمتلك القدرة الفعلية على الإجابة عن الأسئلة الاقتصادية اليومية، فاقتصاد يغلب عليه العمل المنظم، بعقود واضحة وحماية اجتماعية، يميل إلى الاستقرار وتراكم المهارات ورفع الإنتاجية، في المقابل، اقتصاد يغلب عليه العمل غير الرسمي، كالمياومة والورش الصغيرة والوساطة، يتكيف بسرعة، لكنه يدفع كلفة ذلك هشاشة عالية، وتدنياً في الإنتاجية، وصعوبة في الاستثمار طويل الأجل، وليست المسألة قطاعاً عاماً أم خاصاً فقط، بل نوع القطاع الخاص نفسه، إذ إن وجود قطاع خاص منتج يخلق وظائف مستقرة ويزيد القيمة المضافة هو ما يرسم ملامح اقتصاد إنتاجي وهوية اقتصادية أكثر تماسكاً.

 

بشكل عام، لا تُفهم هوية الاقتصاد السوري كتسمية قطاعية فحسب، بل بوصفها منظومة تتحدد ببنية الإنتاج الفعلية، ومصادر الدخل والقطع الأجنبي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، وشكل الاندماج في الاقتصاد العالمي، ونمط العمل والحماية الاجتماعية، وتتبلور هذه الهوية بقدر ما يستعيد الاقتصاد وظيفته الإنتاجية عبر الاستثمار، وبناء قواعد واضحة للمنافسة والملكية والعقود، وتعزيز مؤسسات المساءلة، بما يتيح خلق قيمة مضافة وفرص عمل أكثر استقراراً، وتتطلب هذه المرحلة انتقالاً من إدارة الندرة إلى توسيع القدرة الإنتاجية، ومن الاعتماد على تدفقات سريعة إلى استثمار منتج، ومن ترتيبات غير شفافة إلى قواعد عامة قابلة للقياس والمحاسبة.

 

أخبار سوريا الوطن١-الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ارتفاع أسعار النفط والمعادن النفيسة عالمياً

    واصلت أسعار النفط ارتفاعها اليوم الإثنين في ظل تصاعد المخاوف من أن تؤدي الاحتجاجات في إيران إلى تعطيل إمدادات الخام من الدولة العضو ...