آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » لأول مرة رسمياً.. عيد “نوروز” محطة اجتماعية وثقافية في المشهد السوري

لأول مرة رسمياً.. عيد “نوروز” محطة اجتماعية وثقافية في المشهد السوري

عمار عبد اللطيف

يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله.

ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي، هذه المناسبة بوصفها محطة ثقافية واجتماعية تعكس جانباً من التنوع التاريخي في المجتمع السوري، ويحمل “نوروز”، الذي يتزامن مع بداية فصل الربيع في الحادي والعشرين من آذار، دلالات رمزية عميقة لدى الكرد، إذ يُنظر إليه على أنه عيد للتجدد والانبعاث وبداية دورة جديدة من الحياة.

ويُعد العيد من أقدم الأعياد في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ويعود تاريخه إلى آلاف السنين، إذ عرفته شعوب عدة مثل الفرس والكرد وبعض شعوب آسيا الوسطى بوصفه عيداً لبداية سنة جديدة وفق التقويم الشمسي. ومعنى اسم “نوروز” هو “اليوم الجديد”، في إشارة إلى بداية دورة جديدة من الطبيعة والحياة.

وترتبط بـ”نوروز” أساطير وقصص شعبية عديدة، أبرزها الأسطورة الكردية التي تتحدث عن الحداد “كاوا”، الذي قاد ثورة ضد الملك الظالم “الضحاك”، الذي كان، وفق الرواية الشعبية، يقتل الأطفال لإطعام أفاعٍ تنمو على كتفيه.

وتروي الأسطورة أن “كاوا” تمكن من قتل “الضحاك” وإشعال النيران على قمم الجبال لإعلان النصر وبداية عهد جديد من الحرية، ومنذ ذلك الحين أصبح إشعال النار في ليلة “نوروز” رمزاً للانتصار على الظلم وبداية الحياة الجديدة.

الاعتراف دلالة معنوية مهمة

يرى كثير من السوريين الكرد الذين تحدثوا لصحيفة “الثورة السورية” أن الاعتراف الرسمي بعيد “نوروز” يحمل دلالة معنوية مهمة، إذ يُنظر إليه على أنه خطوة نحو الاعتراف بالتنوع الثقافي في سوريا وتعزيز حضور المكونات المختلفة في الحياة العامة.

وتقول ليلى حمو، وهي امرأة كردية من سكان مدينة الرقة، إن إقرار عيد “نوروز” عطلة رسمية في سوريا يُعد خطوة حكيمة لاقت قبولاً وتفاعلاً لدى كثير من المواطنين، معتبرة أن هذا القرار يعكس توجهاً إيجابياً نحو تعزيز التعايش بين مكونات المجتمع السوري المختلفة.

وأوضحت حمو، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن عيد “نوروز” يمثل بالنسبة للكرد رمزاً لثورة الحياة والتعايش والتكافل الاجتماعي، كما أنه جزء أصيل من التراث الكردي ومن التنوع الثقافي الذي يضفي جمالاً وغنىً على المجتمع السوري.

وبيّنت أن الاعتراف الرسمي من قبل الدولة السورية بعيد “نوروز” أضفى شعوراً إيجابياً لدى الأكراد، معتبرة أن هذا القرار يمثل تصرفاً حكيماً وخطوة يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاهم والتعايش بين السوريين.

وأشارت حمو إلى أن المقارنة مع السنوات الماضية صعبة، موضحة أن النظام المخلوع كان يتعامل مع الكرد وكل ما يرتبط بثقافتهم بطريقة قاسية، وأن كثيراً من الأكراد فقدوا حياتهم في هذا اليوم بعد تحدّيهم للسلطات واحتفالهم بـ”نوروز”.

وأضافت أن الثقافة الكردية كانت مهمَّشة إلى حد كبير، حتى إن سياسات ذلك الوقت ساهمت، بحسب قولها، في نشر مشاعر سلبية تجاه عيد “نوروز” وإثارة الفتنة بين مكونات المجتمع، واعتبرت أن تغطية وسائل الإعلام الرسمية، بما فيها صحيفة “الثورة السورية”، لعيد “نوروز” تمثل تحولاً ملحوظاً في السياسات الإعلامية الرسمية تجاه المجتمع السوري وتنوعه الثقافي.

وفي منتصف كانون الثاني الماضي، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية.

ونصّ المرسوم على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم وتطوير لغتهم الأم، كما اعتبر اللغة الكردية لغة وطنية يُسمح بتدريسها في المدارس في المناطق التي يشكّل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان.

وقضى المرسوم بإلغاء جميع التدابير الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، ومنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في البلاد، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم في الحقوق والواجبات.

ونصّ أيضاً على اعتبار عيد “نوروز” في 21 آذار عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء سوريا، إلى جانب التزام المؤسسات الإعلامية والتربوية بتبنّي خطاب وطني جامع يحظر أي تمييز أو تحريض على الفتنة القومية.

ورحّب محمد سيدو، وهو مواطن كردي من مدينة عفرين، بقرار إقرار عيد “نوروز” عطلة رسمية في سوريا، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل دلالة مهمة بالنسبة للكرد وتعكس توجهاً إيجابياً نحو الاعتراف بالتنوع الثقافي في البلاد.

وقال سيدو لصحيفة “الثورة السورية” إن عيد “نوروز” يشكّل بالنسبة للكرد مناسبة رمزية تعبّر عن التجدد وبداية حياة جديدة مع حلول الربيع، كما يمثّل فرصة لتعزيز الروابط الاجتماعية وإحياء التقاليد الشعبية التي توارثتها الأجيال.

وأضاف أن الاعتراف الرسمي بهذه المناسبة يمنحها بعداً وطنياً أوسع، ويعزّز شعور المواطنين الكرد بأن ثقافتهم جزء من الهوية السورية الجامعة، مشيراً إلى أن “نوروز” لم يكن مناسبة احتفالية وحسب، بل كان أيضاً رمزاً للصمود والحفاظ على الهوية الثقافية، لافتاً إلى أن الاحتفال به اليوم، في ظل الاعتراف الرسمي، يمكن أن يشكّل بداية مرحلة جديدة من الانفتاح الثقافي والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع السوري.

النظام المخلوع و”نوروز”

ارتبط الاحتفال بعيد “نوروز” في سوريا لعقود طويلة بظروف سياسية وأمنية معقدة، إذ كانت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام المخلوع تتعامل مع هذه المناسبة بحساسية شديدة، وغالباً ما كانت تمنع التجمعات والاحتفالات المرتبطة بها، باعتبارها تعبيراً عن الهوية القومية الكردية.

وخلال تلك السنوات، تعرّض عدد من الكرد للملاحقة أو الاعتقال بسبب مشاركتهم في احتفالات “نوروز” أو رفع الرموز الثقافية الكردية، ما جعل هذه المناسبة تتحول في بعض الأحيان إلى مساحة للتعبير عن الهوية والاحتجاج على سياسات التهميش الثقافي.

وبعد سقوط النظام، برز تحوّل واضح في التعاطي الرسمي مع هذه المناسبة، تجسّد في الاعتراف بعيد “نوروز” وإقراره عطلة رسمية، وتقول هازار أحمد، وهي صحفية من مدينة عين العرب (كوباني)، إن المرسوم الذي أقر عيد “نوروز” عطلة رسمية في سوريا منح الكرد شعوراً بالأريحية غير المسبوقة، مشيرة إلى أن هذه الخطوة تُعد تحوّلاً مهماً في طريقة تعاطي الدولة مع الحقوق الثقافية الكردية.

وأوضحت أحمد، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن القرار يعكس نوعاً من الدعم الذي تقدمه الدولة السورية للحقوق الثقافية للكرد، معتبرة أن الاعتراف بعيد “نوروز” وإدراجه ضمن العطل الرسمية يمثّل إشارة إيجابية إلى الاعتراف بالتنوع الثقافي في المجتمع السوري، ويعزّز شعور المواطنين الكرد بأن ثقافتهم وتقاليدهم جزء من الهوية الوطنية للبلاد.

وأضافت أن تطبيق المرسوم على أرض الواقع يبقى عاملاً أساسياً في تقييم أثره الحقيقي، مؤكدة أن نجاح هذه الخطوة مرهون بمدى تنفيذها بشكل فعلي، ولا سيما من خلال توفير الظروف المناسبة للاحتفال بهذه المناسبة.

وأشارت، في هذا السياق، إلى ضرورة قيام قوى الأمن الداخلي بتأمين مواقع الاحتفالات والتجمعات التي تُقام في عيد “نوروز”، خصوصاً في ظل المخاوف الأمنية التي تسود بعض المناطق، ولفتت أحمد إلى أن القلق بين الأهالي يتزايد بسبب ما وصفته بنشاط خلايا تابعة لتنظيم “داعش” خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى التردد في المشاركة في التجمعات الكبيرة.

وأكدت أن هذه المخاوف تجعل مسألة تأمين الاحتفالات مسؤولية مهمة تقع على عاتق الجهات المعنية، داعية الدولة السورية إلى إظهار اهتمام خاص بتأمين فعاليات “نوروز” بما يمنح المواطنين الكرد شعوراً بالطمأنينة والأريحية أثناء الاحتفال.

وأشارت إلى أن عيد “نوروز” يتجاوز كونه مناسبة قومية للكرد، موضحة أنه يحمل دلالات رمزية وثقافية عميقة لدى المجتمع الكردي، إذ يمثّل بالنسبة للكثيرين تعبيراً عن الانتماء للشعب الكردي والاعتزاز بالأصول والهوية الثقافية.

وبيّنت أن الاحتفال بـ”نوروز” يشكّل جزءاً من التقاليد المتوارثة لدى الكرد، حيث يرتبط بطقوس رمزية أبرزها إشعال النيران التي تعبّر عن التجدد وبداية الحياة الجديدة مع قدوم الربيع، وأن كثيراً من الكرد يرون في المشاركة في هذه الطقوس واجباً ثقافياً يعكس ارتباطهم بتاريخهم وتراثهم.

وختمت أحمد بالقول إن الكردي، أينما كان، يشعر بواجب الاحتفال بعيد “نوروز” وإحياء رمزيته، حتى لو كان ذلك بإشعال نار صغيرة أو حتى شمعة، لأن هذه الشعلة تمثّل بالنسبة لهم رمزاً للهوية والتجدد والاستمرار.

احتفال يعكس التعدد

مع اقتراب موعد العيد، تبدو المدن التي تستعد للاحتفال بـ”نوروز” على موعد مع مشاهد احتفالية تجمع بين الطابع الشعبي والتراثي، في مناسبة يأمل كثيرون أن تعكس صورة عن التعدد الثقافي في سوريا، وأن تسهم في ترسيخ قيم التعايش والاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع.

وقالت معاونة مدير الثقافة في الرقة، حميدة الشيخ، إن الاحتفال بعيد “نوروز” هذا العام في مدينة الرقة سيُقام لأول مرة بشكل رسمي ودون أي قيود، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي تقديراً للشعب الكردي، الذي يملك جذوراً عميقة في سوريا، وقد تعرّض في زمن النظام المخلوع إلى ظلم واضح، من حظر تعلّم لغتهم إلى منع ممارسة شعائرهم والاحتفال بأعيادهم.

وأضافت الشيخ، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن إقرار الدولة السورية عيد “نوروز” يعكس الاعتراف بوجود الشعب الكردي واحترام هذا المكوّن من مكونات المجتمع السوري، مشيرة إلى أن سوريا لوحة فسيفسائية يفقد جمالها عند محو أي جزء منها.

وأكدت أن الاحتفال هذا العام يأتي في إطار التعايش السلمي بين كافة مكونات الشعب السوري، مشيرة إلى أن الاحتفالات في محافظات أخرى مثل حلب واللاذقية (جبل الأكراد) شهدت العام الماضي حضور مسؤولي الحكومة السورية، على عكس ما كان يحصل في عهد النظام المخلوع الذي كان يجند عناصر الأمن لمنع هذه الاحتفالات.

وقالت حميدة الشيخ إن هذه المشاركة الرسمية في احتفالات “نوروز” تؤكد أن الثورة قد حققت أهم أهدافها، وهو ضمان الحرية لكل مواطن، وأهم مظاهرها الشعائرية والثقافية.

وأضافت أن مديرية الثقافة في الرقة، بصفتها مؤسسة حكومية معنية بالجانب الثقافي، على استعداد لإقامة كافة الفعاليات التي يرغب بها الكرد في المحافظة برعاية رسمية، بما يضمن حقهم في الاحتفال، ويعكس نهج الحكومة في احتواء كل المكونات السورية، ويضمن التنوع الثقافي للشعب السوري.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمعية مزرعة الحنفية تنفذ مبادرتين إنسانيتين للطلاب وكبار السن 

  برعاية مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل، نفذت جمعية مزرعة الحنفية الخيرية مبادرتين إنسانيتين لدعم الفئات الأكثر احتياجاً في المنطقة. تضمنت المبادرة الأولى توزيع حقائب مدرسية ...