آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » لا تجعلوا إرث الأسد ذريعة

لا تجعلوا إرث الأسد ذريعة

فراس علاوي

 

أصبح من الدارج منذ سقوط نظام الأسد، الحديث عن بلد مدمر مرهق لا يملك مقومات الحياة بجميع أشكالها، وهذا أمر طبيعي في بلد خرج من حرب استمرت لما يقارب الخمسة عشر عاماً، دُمرت فيها مقدرات البلاد وبناها التحتية، إضافة لسنوات من الاستبداد والنهب شبه المنظم لخيراتها حتى اضمحلت الطبقة الوسطى فيها وتآكلت، وهي ميزان الحكم على المجتمع.

فكلما زادت مساحة هذه الطبقة وتوسعت على حساب الطبقات الأخرى، سواء الأكثر فقراً أو الأكثر غنى، بدا المجتمع أكثر توازناً. فهذه الطبقة هي التي تحمل على كاهلها مسؤولية بناء الدولة، لما تشكله من جسم تكنوقراطي وجهاز بيروقراطي يدير الدولة.

كل ما ذكر صحيح لكن، ولكن هنا تأتي للاستدراك والتساؤل بذات الوقت، هل الركون لمقولة إننا ورثنا بلداً مدمراً تبرر البطء في التحول إلى مرحلة البناء؟ هل مقولة أن عاماً أو عدة أشهر لا تكفي لبناء بلد تعرض للاستبداد، ولحرب دامت أعواماً؟

قد يكون ذلك صحيحاً لو أن المجتمع السوري بقي واقفاً في مكانه طيلة الأعوام على الأقل العشر الأخيرة، وأن الفوارق المجتمعية زادت عما كانت عليه، وهو كلام غير دقيق، إذ إن المجتمع السوري سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد أو حتى الذين بقوا في مناطقه ولم ينخرطوا في عمليات الفساد الواسعة، إضافة إلى أولئك الذين توزعوا في معظم دول العالم، لم يتوقفوا عن بناء أنفسهم وتطوير مهاراتهم، وبالتالي نستطيع القول إن المجتمع أعاد بناء طبقته الوسطى وإن كانت في أماكن ومناطق مختلفة، وإن ما يلزم هو فقط إعادة توليفها والاستفادة من مقدراتها وإمكاناتها.

إن تجارب الدول التي خرجت من هزات اجتماعية وحروب لم تتوقف على العامل الاقتصادي رغم أهميته، وإنما انطلقت من عوامل ذاتية أهمها رغبة المجتمع في ترميم نفسه، وهذا ما حدث في دول مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لم يراهن قادتها على الدعم الاقتصادي وإنما على قدرة المجتمع على ترميم ذاته، وهذا ما قاله السوريون بعيد سقوط النظام من خلال تبرعاتهم لإعادة بناء مدنهم وقراهم وتطوعهم لوضع قدراتهم ومعارفهم في خدمة الوطن.

كذلك الحديث عن الحاجة لوقت طويل، بناء على الأمثلة السابقة، لا يلحظ تطور المعلومات والأدوات وطرق البناء، فما كان يتم ترميمه في عام لا يحتاج الآن سوى أيام لإعادة ترميمه، نتيجة تقدم التقنية وتوافر الإمكانات البشرية والمادية. لعل العائق “المادي” كأحد أشكال الدعم الاقتصادي هو الوحيد الذي قد يحتاج لبعض الوقت لتوفيره في ظل العقوبات التي كانت مفروضة، لكن هذا العائق لا يمنع من أن تكون عجلة البناء أسرع مما هو عليه الآن.

ففي ظل وجود خبرات في معظم المجالات، فإن بناء بنية قانونية وإدارية وإيجاد داتا تخدم الاحتياجات الإدارية والقانونية والمشاركة في البناء وإعادة الإعمار، تصبح الخطوات أكثر سهولة ومرونة وأقل احتياجاً، إذ يحتاج الأمر إلى الثقة بالآخر بصورة أساسية ومن ثم تقديم التسهيلات له، وعدم إقصاء أي كفاءة من شأنها تحقيق مشاركة ما في إعادة البناء.

إذا العائق أمام المشاركة هو عملية الثقة بالدرجة الأولى، أما العائق الآخر أمام عملية البناء، وهو مهم ايضاً، فهو تحقيق الأمن والاستقرار، لكن هذا العائق ليس من تركة النظام بالكامل، بل تدخل به عوامل آنية أهمها عدم إعطاء الكفاءات دوراً في عملية ضبط وإعادة الأمن وضعف الثقة والمشاركة من أفراد المجتمع.

إن الركون لمقولة أو نظرية وراثة بلد مدمر، تبطئ من عملية البناء وتؤخر عملية الانطلاق، وهي بمثابة هروب إلى الأمام وتبرير للأخطاء بذريعة التجريب والبحث عن المعرفة والخبرة. لم تكن سوريا في عهد نظام الأسد دولة بمعنى الدولة التي تملك مقومات النجاح، وإنما كانت تدار عبر شبكة من المصالح والمنفعة لأصحاب السلطة ومن يدور في فلكهم من المنتفعين.

وبالتالي فإننا أمام بلد أعاد إنتاج طبقته الوسطى من خلال جيل تعلم في الجامعات ودخل سوق العمل ويملك تجربة جيدة، تختصر كثيراً من خطوات إعادة البناء، مما يعني أننا بحاجة فقط لبيئة قانونية ورغبة في إشراك أفراد المجتمع في إدارته، والسماح بنقل التجارب الذاتية والخبرات التي امتلكها السوريون وإعطاء التسهيلات لهم، بدلاً من إصدار قوانين قد تعيق إدماجهم واستقطابهم.

من السهل القول إن سوريا بلد مدمر ومتهالك ويحتاج إلى عقود لبنائه، لكن علينا أن نستذكر، أن دول الخليج، والتي لا تملك ما تملكه سوريا من مقومات، كانت قبل عدة عقود صحراء قاحلة لا تملك خبرات محلية ولا أدوات بناء ذاتية، ومع ذلك نهضت من تحت رمال الصحراء لتبني حواضر، دافعها إلى ذلك رغبة ذاتية في البناء في وقت كانت التكنولوجيا أقل حضوراً، وهو ما يملكه السوريون، إضافة لخبراتهم التي تراكمت عبر سنوات، وفي جميع المجالات.

إن عملية البناء تبدأ من عملية المشاركة وتهيئة البيئة القانونية وإعطاء التسهيلات للانطلاق في عملية البناء، دون التمترس خلف مواقف مسبقة أو محاولة تقييد المشاركة تحت أي ذريعة كانت. إن الركون لنظرية عدم جاهزية البلد لكي تبدأ عملية التحول تجعل من خطواته متثاقلة وتجعل من تبرير الأخطاء واقعاً، فقد ورث السوريون مرحلة استعمار مدمرة بعد قرون من التغييب لكنهم استطاعوا خلال سنوات بناء ووضع أسس لدولة عصرية وإن لم تستمر طويلاً.

فقد شهدت مرحلة الخمسينيات عملية انفتاح سياسي اقتصادي وضع أسسه الآباء المؤسسون، ولولا انتكاسة الانقلابات وتدخل الجيش في السياسة، لكانت سوريا الدولة في مكان آخر بين البلاد التي شهدت نهضة اقتصادية كبيرة لاحقاً.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الساعة الثامنة… فاصلة بين تاريخين في حرب تُخاض بمعادلات صفرية

  سميح صعب   تُخاض حرب إيران بمعادلةٍ صفرية: الفوز بكل شيء أو لا شيء. وهذا ما يُعقّد مهمة الوسطاء ويجعلها شبه مستحيلة، ويُضعف الآمال ...