يوسف فارس
تسير «لجنة التكنوقراط الإدارية» المنوط بها إدارة قطاع غزة وسط حقل من الألغام، حيث تتكشّف يوماً بعد آخر، العقبات التي تعترض عملها، ليس على الصعيد الداخلي الفلسطيني فحسب، وإنما لجهة تعاطي الإسرائيليين معها. ففيما أبدت «حماس» استعدادها لتوفير المناخ اللازم لتمكين اللجنة من ممارسة مهامها، وتسليمها المؤسسات الحكومية كافة، تنظر إليها السلطة في رام الله وحركة «فتح» بعين الريبة، ولا سيما بعد تلقّي رئيسها، علي شعث، دعوة شخصية من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للمشاركة غداً في الإعلان عن تشكيل «مجلس السلام» على هامش «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، الأمر الذي يجسّد أول مظاهر الانسلاخ التام لإدارة غزة عن المؤسسة الرسمية الفلسطينية المتمثّلة في «منظمة التحرير».
وعلى المقلب الإسرائيلي، يمثّل إعلان رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، رفض تشكيلة «مجلس السلام»، وقبله «اللجنة الإدارية»، الملمح الأبرز للمرحلة المقبلة، إذ كشفت صحيفة «هآرتس» عن وجود نية لمنع أعضاء اللجنة من دخول قطاع غزة عبر معبر رفح البري – الذي كان من المُفترض أن تعود عبره لممارسة أعمالها في القطاع في نهاية الشهر الجاري -، ما يعني إجبارها على ممارسة مهامها من القاهرة. ومع أن هذا الإعلان يُبقي مجالاً محدوداً للمناورة، تحسّباً، على ما يبدو، لردة فعل أميركية – بحيث يمكن عندها السماح بعبور اللجنة إلى القطاع من معبر كرم أبو سالم -، غير أن هذه المناورات تكشف عن مسارٍ إسرائيلي سيدوم طويلاً، عنوانه الأبرز تعطيل عمل أيّ كيان من شأنه تحطيم سقف الطموحات اليميني العالي، المتمثّل بالعودة إلى الحرب ونزع سلاح المقاومة بالقوة، وصولاً إلى تهجير الغزيين إلى خارج القطاع.
وفي السياق ذاته، يصرّ نتنياهو على رفع «كرت أحمر» أمام مشاركة كل من قطر وتركيا في «مجلس السلام»؛ إذ اعتبر أن إشراكهما «خط أحمر»، مؤكّداً أنه يدرس خطوات تصعيدية تجاه الولايات المتحدة، بما في ذلك التلويح باستخدام حق النقض الإسرائيلي، بحسب صحيفة «معاريف». ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن انضمام تركيا وقطر تطوّر خطير، قد يؤدّي إلى تعزيز «حماس» فعلياً، حتى وإن لم يكن ذلك رسمياً. وفي تعليقه على الموقف الإسرائيلي، قال رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في تصريحات في دافوس، إن «الأمور في المنطقة يمكن أن تنفجر إذا لم يتمّ التعامل معها»، مضيفاً أن «المرحلة الأولى من اتفاق وقف الحرب في غزة تمّت، لكن هذا لا يعني أن الاتفاق نُفّذ»، معتبراً أن «مجلس السلام يجب أن يكون فعّالاً وعنصر استقرار، وأن الوضع الإنساني في غزة ما زال يحتاج إلى كثير من التدخّل ويجب أن يتم رفع القيود».
من جهتها، تتوقّع الإدارة الأميركية من إسرائيل الموافقة على جميع الخطوات المتعلّقة بغزة، وذلك كجزء من مفهوم أوسع لإدارة «المرحلة الثانية». وتفرض هذه الوقائع على نتنياهو اتّباع سياسة شديدة التناقض والغموض، إذ إن عليه أن يتمسّك بالمواقف الأمنية وشعارات «النصر المطلق» التي رفعها طوال عامي الحرب، في الوقت نفسه الذي سيكون فيه عليه تجنّب المواجهة مع ترامب، والمحافظة على علاقة استراتيجية بواشنطن، فضلاً عن مراعاة التوافق الداخلي مع حلفائه اليمينيين لكي يضمن بقاء حكومته.
وإذ تنعكس هذه المسارات المتناقضة بشكل مباشر على سلوكه في إدارة شؤون القطاع، فإن التلويح المستمر بالعودة إلى الحرب، والموافقة على الانتقال إلى «المرحلة الثانية» مع تعطيل كلّ استحقاقاتها، يشكّلان الواقع المعيشي في غزة، والذي لم يشهد ما بين المرحلتَين الأولى والثانية أي تغيير جذري في الملفات المهمة، وفي مقدّمتها الانسحاب من مناطق «الخط الأصفر»، وإدخال مواد البناء، وتمكين عمل «اللجنة الإدارية».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
