مها سلطان
العديد من الجهات الإعلامية خلال الآونة الأخيرة، من بينها وسائل إعلام لبنانية ترتبط بـ “حزب الله” اللبناني، تعمل على نشر أخبار عن وجود نية لدى الحكومة السورية للتدخل عسكريا في لبنان، وبالتنسيق مع “إسرائيل” لضرب “حزب الله” اللبناني، كما حاولت بعض الحسابات الرقمية التابعة لأطراف عراقية محسوبة على “الحشد الشعبي” العراقي بث أخبار مماثلة عن نية للتدخل في العراق من قبل الجيش العربي السوري.
كما تداولت صفحات، خلال وقت سابق، ادعاء منسوبا إلى هيئة البث “الإسرائيلية”، بأن الرئيس أحمد الشرع ينسق مع الاحتلال “الإسرائيلي”، وأنه سيضرب مواقع “حزب الله” على طول الحدود في منطقة سهل البقاع، فيما نفت مواقع تعمل على متابعة الأخبار وجود مثل هذا الادعاء، أو أن يكون صادرا عن هيئة البث “الإسرائيلية”، وأنه لا يعدو كونه ادعاء ملفقا لخلق الفتنة والبلبلة بين سوريا ولبنان.
ومع تصاعد الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” ضد إيران وضد “حزب الله” اللبناني، أعيد نشر العديد من التقارير عن قيام الجيش السوري بنشر تعزيزات عسكرية سورية قرب الحدود، ونشر قاذفات صواريخ قصيرة المدى، فيما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري، الأربعاء الفائت، توسيع انتشار وحداته على طول الحدود مع لبنان والعراق، عبر إشراك وحدات من حرس الحدود وكتائب الاستطلاع.
يمكن القول إن الحكومة السورية أدت ما عليها كاملا من واجب التوضيح والتطمين لكل من لبنان والعراق، حول الانتشار العسكري على الحدود معهما، والذي بدأ عمليا منذ يوم الأربعاء الماضي، وقد يتعزز بصورة أوسع وفقا لتطورات الحرب بين أميركا و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة ثانية.
كذلك، ووفقا لسياقات ميدانية محددة متعلقة بتوسيع ميليشيا “حزب الله” قرار دخول الحرب عبر جر “إسرائيل” إلى حرب برية وجوية موسعة على لبنان، فقد لا تكون سوريا بمنأى عنها وعن تداعياتها. والأمر نفسه يقال عن الحشد الشعبي في العراق إذا ما اتخذ تحركا مماثلا.
منذ إعلان ميليشيا “حزب الله” ما سمته حرب إسناد إيران، ومع استمرار الحزب في إطلاق الصواريخ على “إسرائيل” التي ترد بضربات عنيفة جدا على مختلف الأراضي اللبنانية، بدا محتما على الدولة السورية التحرك ميدانيا وفق خريطتين، الأولى متعلقة بدائرة الاستهداف الإيراني للجوار، وصولا إلى العراق ولبنان والأردن، ومراقبة وتائر التصعيد. صحيح أنه لم يتم استهداف سوريا بشكل مباشر بعد، إلا أن إيران لا تكف عن إرسال إشارات بأنها تمتلك بنك أهداف على الأراضي السورية وفقا لتطورات الحرب.
أما الخريطة الثانية، فمتعلقة بالحرب نفسها، وسعي إيران إلى توسيع دائرتها باتجاه جميع دول المنطقة، وهذا يرتب مخاطر ميدانية مضاعفة على سوريا التي ستجد نفسها محاصرة بين معارك على جانبيها اللبناني والعراقي، على قاعدة أن التصعيد الإيراني، وما تسعى إليه إيران من أهداف، لن يتحقق إلا في حال تفعيل ذراعها في العراق، من جهة، ومن جهة ثانية دفع حزب الله إلى توسيع دائرة الميدان باتجاه توريط سوريا. فالهدف الإيراني هنا هو “إسرائيل” وتشديد الضغط عليها عبر (حزب الله والحشد الشعبي) إذا تيقنت أنها تتجه نحو الهزيمة.
ولنأخذ مثلا الإنزال “الإسرائيلي” في بلدة النبي شيت، في بعلبك شرقي لبنان، وما تلاه من اشتباك قد لا يبقى في المرات المقبلة ضمن الأراضي اللبنانية. فكل من “حزب الله” و”إسرائيل” قد يعمد إلى توريط سوريا في لحظة انحشار ميداني يكون المهرب منها مد الاشتباك إلى الأراضي السورية.
سوريا توضح
الحكومة السورية تتحدث بوضوح شديد عن أهداف الانتشار العسكري على الحدود، وتؤكد أنه ليس من دون تنسيق مع لبنان والعراق.
ففي تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أكدت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع أن الانتشار الحالي للجيش العربي السوري هو إجراء سيادي دفاعي ووقائي يهدف إلى تعزيز السيطرة على الحدود وحماية الأمن القومي، دون استهداف أي دولة شقيقة، مع ضبط المعابر ومنع أي أنشطة غير قانونية، مشددة على أن هذا الانتشار يساهم في ترسيخ الاستقرار، ويضمن أمن المنطقة والحدود مع لبنان والعراق.
وحرصت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع على التوضيح بأن هناك تنسيقا مستمرا مع العراق ولبنان عبر القنوات العسكرية والأمنية لضمان إدارة الحدود بصورة منظمة، بما يعكس التعاون والاحترام المتبادل للسيادة، مؤكدة أن الانتشار يقتصر على الجانب السوري من الحدود، وهو حق سيادي ضمن الأراضي السورية، وليس له أي أهداف أخرى غير المذكورة.
وأضافت أن الانتشار يأتي في إطار إجراء وقائي تنظيمي يهدف إلى ضبط الحدود وتنظيم الحركة عبرها في ظل التطورات الإقليمية الجارية. وعليه، فهو إجراء دفاعي سيادي لا يستهدف أي دولة أو جهة، بل يهدف حصرا إلى حماية الحدود السورية ومنع أي أنشطة غير قانونية قد تستغل الأوضاع القائمة في بعض المناطق الحدودية.
ويمكن إجمال الأهداف، وفقا لتصريح إدارة الإعلام والاتصال، ضمن عدة نقاط تتركز في تعزيز الاستقرار في المناطق الحدودية، بما ينعكس إيجابا على أمن المجتمعات المحلية في سوريا ولبنان والعراق على حد سواء، ويعزز حالة الانضباط الميداني على امتداد الشريط الحدودي.
كما تتركز في الحد من عمليات التهريب والأنشطة غير المشروعة والجريمة المنظمة، ومنع استغلال الظروف الأمنية في بعض المناطق الحدودية لتنفيذ أعمال خارجة عن القانون.
وتشمل أيضا تعزيز أمن القرى والبلدات الواقعة على الحدود، للحد من محاولات استغلالها من قبل شبكات التهريب أو المجموعات الخارجة عن القانون، بما يوفر حماية إضافية للمدنيين في تلك المناطق.
وتعتمد الوحدات المنتشرة على مهام الاستطلاع والمراقبة الميدانية المستمرة لضبط الحركة على الحدود، ورصد أي نشاط قد يشكل تهديدا أمنيا قبل تطوره، ضمن إجراءات منظمة ومتابعة ميدانية مباشرة.
كما يأتي ضبط الحدود السورية أيضا في سياق دعم الاستقرار الإقليمي، والحد من أي نشاطات قد تؤثر في أمن الدول المجاورة أو في أمن المنطقة عموما، بما يعزز مستويات التنسيق المرتبطة بأمن الحدود.
ويؤكد ذلك مسؤولية الدولة السورية في حماية حدودها الدولية وصون سيادتها الوطنية، وفقا للقوانين والأعراف الدولية، وبما ينسجم مع واجبها في حفظ الأمن والاستقرار.
ما يجري هو وفق الإدارة، انتشار تنظيمي للقوات، وليس تصعيدا عسكريا أو تحركا موجها ضد أي طرف، وإنما خطوة ميدانية هدفها ضبط الحدود في ظل الظروف الراهنة.
وتحمل هذه الإجراءات رسالة طمأنة إلى سكان المناطق الحدودية، وتؤكد حرص الجيش العربي السوري على أن تبقى الحدود مناطق أمن واستقرار، بما يطمئن الأهالي على جانبي الحدود ويحول دون أي توترات غير مبررة.
تنسيق واتصالات
مضمون ما سبق كان عنوان الاتصال الهاتفي يوم الجمعة الماضي بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، حيث أكد الشرع تضامن سوريا مع لبنان وشعبه، وحرصها على استقراره وأمنه في هذه المرحلة الحساسة، مشددا على أهمية استمرار التنسيق والتواصل بين البلدين.
وأوضح الرئيس الشرع أن تعزيز الوجود العسكري على الحدود السورية – اللبنانية يأتي في إطار إجراءات تهدف إلى تشديد ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي في سوريا، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات مماثلة لتلك المعتمدة على الحدود السورية مع العراق، حيث تهدف إلى منع أي خروقات أمنية وضبط حركة العبور غير الشرعية، بما يسهم في حماية الاستقرار في المناطق الحدودية.
وشكر رئيس الوزراء اللبناني الرئيس الشرع، مؤكدا بدوره أهمية استمرار التشاور والتعاون بين لبنان وسوريا في مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك.
وكان سلام قد كشف، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، أنه تلقى اتصالا من وزير الخارجية أسعد الشيباني، إضافة إلى زيارة من القائم بالأعمال السوري في بيروت. وكان التركيز من قبل المسؤولين السوريين على أن الانتشار العسكري لا يتجاوز إجراءات تعزيز ضبط الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي السوري، وهي خطوات مشابهة لتلك التي اتخذتها دمشق على الحدود السورية مع العراق.
وأشار سلام إلى أن سوريا أكدت خلال الاتصالات المتبادلة حرصها على أفضل العلاقات مع لبنان، فيما أكد الجانب اللبناني رغبته في بناء
علاقات تقوم على الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
قنوات أمنية وعسكرية
بدوره، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، في وقت سابق، أن العلاقات اللبنانية السورية جيدة، وأن الاتصالات والتنسيق الأمني والعسكري بينهما مستمران، فيما أشار الجيش اللبناني في بيان إلى أن وحداته عززت انتشارها عند الحدود الشرقية بالتنسيق مع السلطات السورية المعنية.
وكانت مصادر حكومية لبنانية قد أكدت أن التنسيق قائم مع سوريا بشأن الانتشار العسكري الحدودي، مشيرة إلى أنه يتم عبر قنوات أمنية وعسكرية بهدف الاطلاع على طبيعة التحركات العسكرية السورية وتفادي أي “التباس” قد ينشأ في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.
وأضافت المصادر أن الجانب السوري أبلغ المسؤولين اللبنانيين بأن الانتشار الجاري يندرج في إطار خطة لتعزيز تحصين الحدود وضبطها أمنيا، ومنع استخدام الأراضي السورية منصة لأي نشاط عسكري أو أمني مرتبط بالصراعات الإقليمية والدولية الدائرة حاليا في المنطقة.
وحسب المصادر، فإن الجانب السوري أكد أنه لا توجد أي نية عدائية أو إجراءات تستهدف لبنان، وأن هذه التدابير العسكرية تهدف بالدرجة الأولى إلى تثبيت الاستقرار على جانبي الحدود، وأن ضبط المعابر والانتشار العسكري يسهمان في تحصين كل من سوريا ولبنان ومنع أي محاولات لاستغلال الحدود في سياق التطورات الأمنية الإقليمية.
وفي وقت سابق، تلقى الرئيس الشرع اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جرى خلاله بحث التطورات الراهنة، حيث شددا على ضرورة احتواء التصعيد في المنطقة ومنع انزلاقها إلى مزيد من التوتر، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وأكد الرئيسان الشرع وماكرون إدانتهما للاعتداءات الإيرانية على بعض دول المنطقة، وضرورة احترام سيادة الدول وعدم المساس بأمنها واستقرارها. واتفقا على مواصلة التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك في ظل المستجدات المتوالية.
حجم المخاطر وحدود المواجهة
ووفقا لمحللين، فإن سوريا تدرك تماما موقعها في هذه الحرب، ليس بالضرورة عبر الدخول فيها، ولكن عبر حجم المخاطر القائمة إذا توسعت، وفي حال لم تكن سوريا مستعدة لمواجهة التداعيات. ولا يخفى أن لسوريا وضعا جيوسياسيا معقدا، إلى جانب طبيعة الملفات الداخلية التي تتصدى لها الحكومة، في سبيل تحقيق الاستقرار والنهوض الاقتصادي في مرحلة انتقالية تسعى لأن تكون قادرة على الإمساك بمساراتها وضوابطها، فلا تكون عرضة للتأثر المباشر بما تفرزه هذه الحرب من تطورات لاحقة.
وفي حديثه لـ”الثورة السورية” يقول المحلل السياسي عبد الله الحمد: منذ اليوم الأول سعت إيران إلى زج دول المنطقة في الحرب، بما فيها سوريا، مستغلة موقعها بين ذراعين إيرانيين في لبنان والعراق، بحيث تكون سوريا محكومة ومشدودة إلى الخيوط التي تتحكم بحركة الذراعين، حزب الله والحشد الشعبي. صحيح أن الأول كان سابقا للثاني في إعلان “إسناد إيران”، لكن الأذرع الإيرانية لا تقتصر فقط على الحشد الشعبي في العراق، فهناك عدة فصائل أعلنت دخولها، وكان من شأن ذلك أن يحول العراق إلى ساحة ضربات متبادلة، من “إسرائيل” وأميركا، ومن إيران نفسها، وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى إصدار قرارات صارمة ضد كل من يصادر قرار العراق الأمني والسيادي.
لكن لبنان يبقى خطرا مباشرا قبل العراق، في ظل سيناريوهات الحرب التي تعدها “إسرائيل” ضد حزب الله، وفي ظل أن الضربات “الإسرائيلية” لم تحقق أهدافها، فإن المخاطر تتركز باتجاه أن “إسرائيل” قد تعمد إلى اتباع قاعدة تفكيك مناطق الحزب بين جنوب نهر الليطاني وشماله وقطع التواصل بينها، وهذا يتطلب أن تتوغل في أراض سورية مجاورة، وفقا لخبراء عسكريين يتتبعون مسار العمليات “الإسرائيلية” في لبنان، ومنها الإنزال “الإسرائيلي” في بلدة النبي شيت.
ويوضح الحمد أن سوريا تقرأ هذه المعطيات الميدانية، وعلى أساسها يتم التحرك، وتقرأ معها حدود الفعل الرسمي اللبناني لناحية أن تكون الدولة في مواجهة مع ميليشيا حزب الله، وعدم القدرة على احتواء التداعيات السياسية والأمنية. ومن هنا تأتي حتمية التحرك السوري في تعزيز الانتشار على الحدود مع لبنان والعراق، باعتبارهما يتقاطعان في المعادلات الميدانية والفصائلية، وأن إيران تراهن عليهما في المرحلة الأخيرة، مع نفاد أوراقها، لتكونا وقودا لاستمرار التصعيد.
وكانت وسائل الإعلام قد تداولت أمس تقارير، نقلا عن مصادر استخباراتية عربية، تفيد بأن حزب الله يعمل على توسيع عملياته ضد “إسرائيل” انطلاقا من الأراضي السورية بالتوازي مع العمليات داخل لبنان. ويرى مراقبون أن من شأن ذلك إقحام سوريا في مواجهة مباشرة، سواء مع الحزب أو مع “إسرائيل”. وسبق للدولة السورية أن عملت على تفكيك البنية العسكرية التي أنشأها حزب الله داخل الأراضي السورية، خصوصا الحدودية، إلى جانب ضبط كل التحركات التي يقوم بها الحزب سواء على مستوى تسلل الأفراد أو تهريب السلاح أو تجارة المخدرات.
حتى الآن نجحت سوريا في إبعاد التداعيات، لكن الحرب طويلة كما تعلن أميركا و”إسرائيل”، وقد تتجاوز مدة الأسابيع الستة التي تحدث عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل تحقيق هدف استسلام إيران. بمعنى أن أمامنا شهرا ونصف الشهر، وهي مدة كافية لتطورات دراماتيكية قد لا تكون في مصلحة أي من دول المنطقة، وليس سوريا فقط. ولا بد أن تكون سوريا على كامل الاستعداد لكي تستطيع النجاة من تداعياتها.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
