جورج عيسى
إذا عاد المرء بضعة أعوام إلى الوراء وحسب، فقد يستنتج، وليس بدون وجه حق، أن العلاقات التركية-الروسية تميل عادة إلى التعاون والإيجابية. أغضبت تركيا “الأطلسية” حليفها الأميركي بسبب شرائها منظومة “أس-400” الروسية، كما شريكها الأوروبي بسبب استخدامها قضية اللاجئين السوريين رافعة أساسية لانتزاع تنازلات منه. هذا إلى جانب سلوكيات “منفّرة” للغرب من بينها ما يتعلق بالحوكمة في الداخل والتعاون مع إيران وروسيا في سوريا.
لكن هذا التعاون لا يخفي القلق التاريخي المتبادل بين الطرفين تجاه مناطق نفوذهما المتشابكة. أراد الروس استخدام البحر الأسود ممراً للوصول إلى سواحل المتوسط حيث “المياه الدافئة” بالتوازي مع ترسيخ نفوذهم بنسب متباينة في جنوب القوقاز. بينما شجعت تركيا دول آسيا الوسطى الناطقة إلى حد كبير باللغة التركية على تحقيق الاستقلالية عن النفوذ الروسي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. يساعد كل ذلك في فهم نظرة تركيا إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا، والتي تبدو في بعض الأحيان أقرب إلى كييف.
في الأسابيع القليلة الأولى على انطلاق الغزو الروسي الواسع النطاق، تمكن الجيش الأوكراني من إلحاق خسائر كبيرة بالقوات الروسية بعد استخدام طائرات “بيرقدار” التركية من دون طيار قبل أن تتكيف الدفاعات الروسية معها إلى حد كبير. وبدأت تركيا أيضاً تدريب أوكرانيين في منشأة لتصنيع المسيّرات بحسب بعض التقارير الأوكرانية. وجهت “بيرقدار” رسالة مفادها أن أنقرة قادرة على تأدية دور مستقبلي في أوكرانيا. كان ذلك واضحاً في المفاوضات التي استضافتها تركيا في نيسان/أبريل 2022 بالرغم من انهيارها لاحقاً.
بين التكبيل والتمويل
تخدم أوكرانيا تركيا كمنصة لمنع التوسع الروسي في البحر الأسود. من هنا، إن أوكرانيا مستقلة، لكن أيضاً قوية، تعبّر عن هدف أساسي لأنقرة في جوارها القريب. ليس أدل على ذلك من ميل تركيا إلى القبول، ولو المتردد قليلاً، بأوكرانيا عضواً في حلف شمال الأطلسي. في شباط/فبراير الماضي، حث وزير الخارجية هاكان فيدان على اعتماد “الواقعية” لدى دراسة هذا الطلب، بالرغم من إشارته إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان سبق أن قبل بانضمام أوكرانيا إلى الناتو؛ “لذلك، إنه موقفنا الرسمي”. في هذا الإطار، وإن كان يصعب تصنيف تركيا في خانة الدول الأكثر حماسة للقبول بعضوية أوكرانيا الأطلسية كدول أوروبا الشرقية، فبالتأكيد، لا يمكن تصنيفها في خانة الدول الأكثر تردداً مثل المجر وسلوفاكيا وألمانيا.
وفيما كانت الإدارة الأميركية قد بدأت بتوجيه رسائل مقلقة بشأن أمن أوروبا وأوكرانيا، استقبل أردوغان نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 18 شباط مظهراً للأوروبيين أن ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي قادر على التعويض ولو جزئياً عن تراجع الدور الأميركي الضامن. وفي 6 آذار، نقلت “رويترز” عن مصدر في وزارة الدفاع التركية قوله إن تركيا ستنشر جنوداً ضمن مهام حفظ السلام إذا تبين أن هناك “ضرورة” لهذه الخطوة. جاء ذلك في اليوم الذي عقد الاتحاد الأوروبي قمة تتصل بملف أوكرانيا.
وتستطيع أنقرة استغلال نفوذها من وراء تطمين أوروبا الخائفة. مقابل رافعتها العسكرية والجغرافية لاحتواء روسيا، ستطالب تركيا بتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي بين أنقرة وبروكسل والاستفادة من الاستثمارات والتكنولوجيا الأوروبية في أسواقها وتسهيل حصول مواطنيها على تأشيرة شنغن، كما كتب مدير مركز الدراسات الأوروبية في جامعة سانت أنتوني ديميتار بيشيف في “فورين بوليسي”.
ولا يقتصر الموضوع فقط على استفادة تركيا من الخبرات الأوروبية. فالمخاطر الأمنية على أوروبا، وبشكل لافت حالياً، مخاطر الحروب التجارية، تنعكس سلباً على الوضع الاقتصادي التركي الصعب، كما نقلت “دي دبليو” عن سفير تركيا الأسبق إلى الناتو فاتح جيلان.
مع ذلك، لم ولن تقطع أنقرة علاقتها بموسكو. على العكس، هي تقوم بتعزيزها في أكثر من مجال. يعارض الأتراك فرض عقوبات على روسيا بينما تمثل ملكية موسكو لمحطة “أكويو” للطاقة النووية، تحديداً في دولة “أطلسية”، مشكلة محتملة للناتو بحسب تقرير في “فايننشال تايمز”، خصوصاً أن الملكية قد تدوم لنحو 100 عام وأن المنشأة قريبة من قاعدة إنجرليك. وذكرت تقارير أخرى أن روسيا حاولت تأسيس احتياطي من العملات الصعبة في تركيا متذرعة بأنها مجرد استثمار في المنشأة.
توازن… غير متوازن تماماً
يريد الأتراك تعزيز ورقتهم مع إمكانية استعادة موقعهم كوسيط موثوق لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وبالتالي، الحفاظ على لعبة التوازن الطويلة المدى في العلاقة مع الغرب والروس. لكن قد تفضل تركيا ألا يكون التوازن دقيقاً تماماً. إذا كانت اللعبة أكثر ميلاً لإضعاف روسيا في البحر الأسود وجنوب القوقاز فسيكون ذلك أفضل من وجهة نظر تركية. لهذا السبب، وبحسب الخبير في الشؤون التركية ألپير كوشكون، لم تتراجع أنقرة عن تمسكها باتفاقية مونترو، فرفضت طلبات روسيا بمنحها الضوء الأخضر لنقل سفنها الحربية عبر البوسفور والدردنيل.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار