عبد اللطيف شعبان
يحكى أن شيخ أحد التجمعات السكانية في زمن ما ومكان ما ، أوهم من هم حوله أنه يعلم ما لا يعلمه غيره وما على من هم حوله إلا الطاعة له بما يامر والاقتداء به بما يفعل، وذات يوم بلغ الشيخ خبرا مفاده أن أحد الطلاب من أبناء البسطاء حصل على شهادة علمية، وأن السرور بذلك عمَّ الكثيرين وبعضهم تلفَّظ بأن الشيخ لا يحمل مثل هذه الشهادة، فأغتاظ الشيخ ودعا لأن يلتقي بحامل الشهادة أمام الجمهور ويسأله سؤال ليثبت للحضور أنه هو الأفهم، وأن حامل الشهادة قصير الفهم، وعندما تم اللقاء قال الشيخ لحامل الشهادة؟ إن كنت تدَّعي أن شهادتك تؤهلك المعرفة أسألك وتجيبني، فأجابه أنا لا أدَّعي أنني أعلم كل شيء ولكن اسألني فقال له ما هو المخرمِشُ؟ فأجابه من الجائز القول أنه كل جسم خشن الملمس يتحسس منه لامِسُه، وأعطاه أمثلة عديدة فقال له لا لم تجب، إن المخرمِشُ هو الجربوع الذي يقرض كل شيء، وفضَّ اللقاء قائلا للحضور ألم أقل لكم أن حامل الشهادة قليل المعرفة، وبعد سنوات حصل الطالب على شهادة ثانية فدعا الشيخ إلى اللقاء به، على غرار اللقاء السابق ليثبت له ضعف معرفته، وسأله ماهو المُطوَّل؟ فأجاب الطالب قائلا قد ينطبق ذلك على الكثير مما هو طويل، وأعطاه أمثلة عديدة فرد عليه الشيخ لا لم تجب، إن المُطوَّل هو البيت الطويل الذي توضع فيه مادة التبن التي هي مؤونة الحيوانات الزراعية وفضَّ اللقاء كسابقه، وبعد سنوات أخرى حضل الطالب على شهادة ثالثة فدعا الشيخ إلى اللقاء به على غرار اللقائين السابقين، ليثبت له ضعف معرفته وسأله ما هو الفرحُ الأعظمُ؟ فأجابه قائلا إن الفرح الأعظم ينطبق على الكثير من النجاحات وتحقق الآمال، وأعطاه عدة أمثلة، فردَّ الشيخ قائلا لا لم تجب، فالفرح الأعظم هو اشتعال النار التي يعبر إشعالها عن الفرح الكبير، وانفضَّ اللقاء والشيخ يعلم تمام المعرفة أنه هو المخطىء وأن لاصحة لما قاله، ولكن أراد أن يوهم من حوله أن ما من أحد يرقى إلى المعرفة التي يعرفها، ليطمس تألُّق من هم أهل معرفة حقيقية.
وذات عام لاحق سافر الشيخ إلى منطقة اعتاد أن يسافر لها عدة أيام كل عام، وخلال سفره حدث أن أحد الأهالي اصطاد جربوعا في الصيادة، ونتيجة تضايقه الكبير مما عاناه من أذى الجربوع قرر أن يحرقه فوضع عليه مادة الكاز وأشعلها وفتح الصيادة، وخرج الجربوع من الصيادة مسرعا وهو يحترق ودخل بيت مؤونة الشيخ، ما تسبب باشتعال النار في البيت واحتراقه، وهنا ارتأى الجميع إبلاغ الشيخ بما حدث في بيته واتفقوا على إرسال رسالة له إلى المكان الذي هو فيه، وتمَّ الاتفاق على أن يكتب الرسالة الطالب حامل الشهادات الثلاثة، فكتب له عمِّي الشيخ: لقد دخل المخرمِشُ في المطوَّل وحدث الفرحُ الأعظمُ، وقال لحامل الرسالة سلِّمها للشيخ ولا تحدِّثه عن شيء وعُدْ سريعا، وعندما فتح الشيخ الرسالة وقرأها لم يفهم ما ذا تعني، واستمهل العودة عدة أيام وعندما عاد وجد بيته محترقا، فتألَّم كثيرا وبغضب كبير قال لمن حوله: لماذا لم تخبرونني باحتراق بيتي؟ فاجابوه لقد بعثنا لك رسالة وكتبها لك الطالب حامل الشهادات، فا ستدعاه وقال له، أنت لم تكتب لي بأن بيتي احترق، فأجابه قائلا تمهَّلْ تمهَّلْ بل قلت لك ذلك بوضوح، فلقد كتبت لك الرسالة بكلمات موجزة تتفق تماما مع الكلمات الثلاثة التي قلتها لي سابقا في لقاءاتك الثلاثة معي، وما عليك إلا أن تتذكَّرْ وتتفكَّرْ وتتدبَّرْ، فاكفهَرَّ وجهُ الشيخ وتحسَّرَوتذمَّرْ، ولكن لم يجد بمقدوره أن يتنمَّرْ، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
(موقع:أخبار سوريا الوطن_2)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
