آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » ماذا ينتظر سوريا بعدما نجت من التورط في الحرب؟

ماذا ينتظر سوريا بعدما نجت من التورط في الحرب؟

عبدالرحمن الحاج

نجت سوريا حتى الآن من تداعيات مباشرة من الحرب الإيرانية المندلعة منذ الهجوم الأميركي- الإسرائيلي يوم 28 شباط/فبراير الفائت، بالرغم من أن التحديات لا تزال قائمة. حتى الآن لم تتحقق معظم أهداف العملية العسكرية، وما تحقق منها لا يبدو حتى الآن أنه يساعد على تنازل الإيرانيين أكثر مما قدموه في مفاوضات ما قبل الهجوم، بل ربما يصبحون أكثر تشدداً.

طول الحرب بلا نتائج استراتيجية يجعل تكلفتها أكبر سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وثمة مؤشرات على ميل الولايات المتحدة إلى وضع حد لنهاية الهجوم وإيجاد سيناربو للخروج يحول الحرب إلى نصر أميركي-إسرائيلي.

كما عملت إيران على استراتيجية توزيع الكلفة على الجميع، لجعل الإقليم يعاني أولاً ثم العالم. أطلقت الصواريخ على دول الخليج المجاورة ضد أهداف مدنية بحتة ووصلت صواريخها إلى كل دول الإقليم غرباً وشمالاً، أرادت إيلام حلفاء واشنطن في المنطقة للضغط عليها لإيقاف الحرب، ولكن الأهم محاولتها توسيع نطاق الحرب وإدخال دول الإقليم فيها.

فشلت الاستراتيجية هذه في تحقيق هذه الأهداف، لكنها نجحت في توليد أزمة عالمية على النفط والطاقة آخذة بالتنامي، بعد إغلاق مضيق هرمز والبدء بتلغيم البحر، ووقف حركة الملاحة البحرية  في الخليج، ويبدو أن مسار الضغط على الطاقة سيؤثر في قرار استمرار الحرب أو إيقافها أو توسعتها، فمن الصعب توقع أن يترك الأميركيون المضيق بيد دولة معادية تتحكم فيه وقتما تشاء. هذا ممر يؤثر على الولايات المتحدة وعلى العالم، وستكون سابقة إن أدى التصرف الإيراني في إغلاق المضيق إلى إيقاف الحرب فعلاً.

الارتدادات الأولى للحرب في إيران تأتي من هنا، أولاً في الطاقة، حيث أدى تعطيل سلاسل التوريد للنفط والغاز إلى رفع أسعار النفط عالمياً بشكل كبير، وأوقف تدفق الغاز المصري إلى سوريا. وجدنا في سوريا على الفور آثارها في ظاهرة طوابير الغاز التي عولجت سريعاً. صحيح أن سوريا منتجة للنفط لكن النفط السوري لا يزال في مراحل مبكرة من الإنتاج، وبنيته التحتية متهالكة أو مدمرة كلياً وعاجز عن تلبية الاحتياج المحلي، وأزمة الغاز بدورها أدت إلى انخفاض القدرة على توفير الكهرباء، وظهر بشكل ملحوظ تزايد ساعات انقطاع الكهرباء.

الارتداد الثاني هو النازحون، وما يمثله ذلك من خطر أمني محتمل بتسرب عناصر من حزب الله إلى سوريا، بعد أن نجحت قوات الأمن والاستخبارات في استئصال خلايا حزب الله والخلايا المرتبطة به من فلول نظام الأسد، وآخرها خلية المزة في نهاية شباط/فبراير.

موضوع النازحين المدنيين موضوع أخلاقي وسياسي وأمني معاً، لكن أزمة النازحين يمكن استيعابها في لبنان، فليس لبنان كله تحت القصف، الواقعون تحت القصف هم الساكنون في الضاحية وفي قرى الجنوب الشيعية أو بتعبير لبناني “بيئة حزب الله”، بمعنى آخر ليس على سوريا أن تتحمل عبء هؤلاء اللاجئين ما دامت لديهم فسحة في الأراضي اللبنانية، يمكن لسوريا استقبال حالات إنسانية استثنائية، هذا واجب الدولة، ولا يلقى اعتراضا شعبياً عموماً، لكن من حيث المبدأ يجب تفادي أزمة النزوح وحصرها داخل الأراضي اللبنانية.

القصف الإسرائيلي الأخير للبنان يأتي في سياق رد على محاولة إيران تحريك حزب الله في معركة “إسناد” لها، وقد بدأ بالفعل ذلك، لكن فائض القوة الإسرائيلي الكبير دفعها لرد فعل (مدروس مسبقاً) لعملية عسكرية واسعة النطاق في الجنوب والضاحية. أثار تصرف حزب الله انقساماً واسعاً بيئته وغضباً في عموم لبنان لأن حزب الله جعلهم يدفعون ثمن معركة ليست معركتهم، لماذا يدفع لبنان ثمن معركة إيرانية؟ من الذي خول حزب الله أن يدفع لبنان لدفع هذا الثمن؟

الطبقة السياسية استغلت اللحظة وأصدرت الحكومة قراراً بسحب سلاح حزب الله بالقوة وحصره بيد الدولة. الواقع كانت إيران تتوقع رد فعل مثل هذا، فوضعت نصب عينيها منذ البداية محاولة توريط سوريا وتوسيع رقعة التهديد، فروجت قبل الحرب لإشاعة تقول إن القوات السورية (تستخدم في التعبئة وصف “الأموية” بهدف الشحن الطائفي) ستدخل العراق ولبنان لإنهاء الحشد الشعبي وحزب الله.

الغرض واضح من التعبئة بهذه الإشاعة، وهو جر سوريا إلى فوضى عبر الحدود بما يسمح لحزب الله وربما الميليشيات الشيعية العراقية (الحشد) المرتبطة بإيران باستغلال الهشاشة الأمنية لتحويل سوريا إلى ساحة حرب امتداداً للحرب الإيرانية. لا شك أن حزب الله يسعى للوصول إلى الجنوب السوري لاستخدامه لإطلاق صواريخه، لكن الإجراءات التي قامت بها الحكومة السورية والانتشار العسكري على الحدود لضبطها ومراقبتها أدى إلى منعه من الوصول. لكن الحزب يبدو أنه يسعى لاستدراج رد فعل من القوات السورية للتدخل لإثبات إشاعة أن أنها ستدخل إلى لبنان. في 10 آذار الجاري أطلق حزب الله قذائف على مدينة سرغايا الحدودية بهدف استجلاب رد فعل.

لكن الحكومة السورية عملت على التنسيق مع الحكومة اللبنانية لاحتواء الأمر وضبط الحدود، والواقع أن سردية حزب الله عن  نية الرئيس الشرع التدخل في لبنان لها ثلاثة أغراض: شد عصب الطائفة بعد الانقسام في بيئته، وإضعاف التوافق اللبناني حول نزع سلاح حزب الله بإظهار أنه حامي الحدود اللبنانية من أي هجوم سوري، مستفيداً من الذاكرة اللبنانية المؤلمة عن تدخل القوات السورية في عهد الأسدين، وتبرير توسيع عمليات حزب الله على الحدود السورية. ويدرك المسؤولون السوريون أهمية أن تكون الردود عن أية انتهاكات محسوبة، ولا تسمح لحزب الله بالوصول إلى هدفه.

التداعي الرابع قد يكون تباطؤ إعادة الإعمار، فالرؤية الحكومية كما أعلنها الرئيس الشرع تعتمد على استثمارات ضخمة في القطاع العقاري والبنية التحتية، ولكن تبدل الأحوال في الخليج بعد الحرب قد يؤخر الاستثمارات خصوصاً كلما طالت الحرب، ولأن الخليج يمثل المصدر الرئيسي للتمويل الاستثماري.

بنهاية الحرب الإيرانية سيكون الشرق الأوسط قد تغير، فقد أصبحت مسألة أمن الخليج على الطاولة كما لم تكن من قبل، وستكون سوريا جزءاً من أية ترتيبات تتعلق بأمن المنطقة. وهذا يعني أن الظروف لا تزال تخدم الاستراتيجية التي ينتهجها الشرع في العلاقات الدولية، حيث ستكون سوريا رهان الاستقرار في المنطقة وستزداد أهميتها في المرحلة المقبلة، وعلى عكس بعض التوقعات فإن موقع سوريا الجيو-استراتيجي سيفرض اهتماماً متزايداً بدعم استقرارها.

من جهة أخرى، يصادف انتهاء الحرب شبه إغلاق لمعظم الملفات العسكرية الداخلية، باستثناء جيب جبل العرب في الجنوب في محافظة السويداء، هذا يعني أن الملفات الداخلية يفترض أن تأخذ معظم الجهد، وفي شكل خاص الملفات الرئيسية الأربعة: الاقتصاد، العدالة الانتقالية، إعادة الإعمار، المجلس التشريعي، وهي ملفات مترابطة بقدر ما تبدو منفصلة، والنجاح في التقدم فيها في السنة الحالية هو نجاح لها، وسيبقى تنظيم داعش وحزب الله أبرز خطرين للسنوات القادمة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل دخلت الحرب مرحلة اشتداد الضغط العسكري المتبادل لفرض شروط وقف النار؟

  حسن حردان     مع اقتراب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من نهاية اسبوعها الثاني من الاستنزاف المتبادل، هل دخلنا في مرحلة السعي لفرض ...