علي فرحات
لم يكن اعتقال الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، هو العنصر الأسوأ في مشهدية أحداث فجر السبت الفائت في البحر الكاريبي؛ فالرجل صمد حتى اللحظات الأخيرة، على رغم التهديدات المتصاعدة والتحشيد العسكري الذي جمع أكثر من ثلث القوّة الأميركية. لكنّ الواقع الجديد الذي يسعى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى فرضه في المنطقة، يشي بما هو أكبر من محاولة إسقاط التشافيزية في فنزويلا، وسرقة ثرواتها وأصولها بشكل علني ووقح؛ فالمشروع الأميركي لن يرضى بأقلّ من استسلام شامل يعيد الأطماع التاريخية للسيّد الأبيض في تسيُّد القارة اللاتينية والسطو على مقدّراتها وقرارها السياسي، وذلك إيذاناً بمرحلة جديدة من العبودية المُستحدثة التي لا تعترف بالسيادة – ولو بصورة شكلية – لتلك الدول. والواقع أن ترامب لم يتردّد في الإعلان عن نيّة بلاده إعادة سياسة الهيمنة، مجدّداً الحديث عن «عقيدة مونرو» التي تتيح للجانب الأميركي التصرُّف كوصيّ على أُمّة لا يعترف بحقّها في تسيير مصالحها وتقرير مصيرها. وتقوم رؤية واشنطن لمرحلة ما بعد مادورو، المُستنبطة من العقيدة المُشار إليها، على تنصيب إدارة سياسية جديدة لفنزويلا، يتبعها فرض انتداب سياسي واقتصادي، توازياً مع التلويح باستخدام القوّة ضدّ أيّ دولة تحاول مقاومة التغوّل الأميركي في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
هكذا، حالها حال فنزويلا، انضمّت كوبا ومعها كولومبيا والمكسيك إلى لائحة التهديدات الأميركية، بعدما عقد البيت الأبيض وصقوره العزم على «حسم الملفّات» التي أهملتها الإدارات المتعاقبة، والتي سمحت، بحسب رؤية ترامب، بتعاظم الخطر على الولايات المتحدة من بوابة فنائها الخلفي – الذي تحوّل إلى تكتُّل معادٍ لمصالحها -، وفتْح باب النفوذ والاستثمار أمام خصومها الاستراتيجيين، في إشارة إلى الصين وروسيا وإيران.
وفي الأصل، فإن الحشد العسكري الأميركي في الكاريبي لم يكن مجرّد رسالة ترهيب إلى فنزويلا، بل رسالة حرب إلى كلّ دول المنطقة. على الأقلّ، هكذا قرأها الرئيس البرازيلي، لويس ايناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى في السلوك الأميركي عودةً إلى التاريخ الأسود الذي عاشته دول المنطقة بفعل التدخّلات الأميركية، ودعمها الانقلابات العسكرية والسيطرة على الثروات؛ ولاقاه في ذلك كلّ من رئيس تشيلي غابريال بوريك، والرئيس الكولومبي غوستافو بييترو، ورئيسة المكسيك كلاوديا شينباوم، والرئيس الكوبي ميغيل دياس كانيل.
إلا أن استنفار الزعماء اليساريين في أميركا اللاتينية لم يردع المسؤولين الأميركيين عن الاستمرار في رفع سقف الخطابات والتهديدات، وصولاً إلى نشر ترامب صورة مادورو مُقيّداً، والذي استهدف، إلى جانب إظهار الجبروت والقوّة والبعث بالرسائل القاسية إلى الخصوم، رسم مصير كل مَن يتمرّد على دخول بيت الطاعة الأميركي. وإذ يدرك أولئك الزعماء أن الميزان العسكري بين الطرفين مختلّ، وأن جنون العظمة الذي يحكم عقلية ترامب قد يدفعه إلى المزيد من المغامرات العسكرية في منطقتهم، فقد أصبحت دولهم، والحال هذه، أمام خيارَين فقط: إمّا الاستسلام، أو المواجهة مهما كانت التكلفة.
ووفقاً لمسؤول برازيلي مقرّب من الرئيس دا سيلفا، فإن الأخير استشعر خطورة الأزمة حين كان يدير الوساطة مع الأميركيين لإيجاد حلول سلمية بين واشنطن وكاراكاس، «لكنّ ترامب رفض أيّ حوار في ظلّ بقاء مادورو في السلطة»، حتى لو كانت الصفقة ترضي الأميركيين، وهو قالها صراحة: «مستعدّ للتعاون مع جزء من النظام الحالي، لكن على مادورو الرحيل». وحينها، تأكَّد الزعيم العمّالي أن المسألة لا تتعلّق بمكافحة المخدّرات، ولا بالديمقراطية ولا حتى بمراعاة مصالح واشنطن في الاستثمار النفطي، خصوصاً أن الخطاب الأميركي بكامله يدور حول السيطرة المطلقة والتطويع التامّ. وعلى هذه الخلفية، وفي ظلّ تضخّم الأطماع والطموحات الأميركية، أصبحت إدارة الأزمة مع واشنطن بحلول متوازنة شبه مستحيلة. وكان الزعماء اللاتينيون لجأوا إلى رفع السقوف في مواجهة ترامب، مع الإبقاء على مساحة الحوار في حال اكتفى الرئيس الأميركي بالتقديمات التي يمكن أن تعطيها إيّاه هذه الدول في مقابل الحفاظ على استقلالها وسيادتها. لكنّ تحدّيات أساسية تعيشها تلك الدول، بدا واضحاً أنها أضعفت وما زالت قدرتها على المناورة أمام التوحّش الأميركي؛ وأبرز هذه التحدّيات ما يلي:
أولاً: الغياب الكامل للمؤسسات الدولية التي وضعت الأمن اللاتيني تحت مطرقة فائض القوّة الأميركي، فضلاً عن التأييد العلني والضمني الغربي للحملة الأميركية، وذلك في مقابل مواقف ضعيفة لحلفاء اليسار اللاتيني، أثارت شكوكاً في وجود مقايضات وحسابات مصلحية.
ثانياً: الانقسام الحادّ داخل أميركا اللاتينية، خصوصاً بعد موجة فوز اليمين المتطرّف في تشيلي والأرجنتين والإكوادور وهندوراس، والتي واكبتها الإدارة الأميركية بتهديد شعوب هذه الدول بالعقوبات والإفقار إذا لم تلتزم باختيار مرشّحي واشنطن. ولعلّ هذا الانقسام حدّ من فعّالية المؤسسات اللاتينية، كـ»منظمة الدول الأميركية» و»مركسور»، وشتّت مواقفها تجاه الأزمة.
ثالثاً: لا تمتلك هذه الدول جيوشاً مقاتلة، على الرغم من ضخامة عديدها السكاني الذي يتجاوز 800 مليون نسمة (من بينهم 213 مليوناً في البرازيل وحدها)، ومساحاتها الشاسعة وثرواتها الطبيعية الهائلة. كما أنها لم تسعَ إلى تخصيص موازنات عسكرية دفاعية؛ إذ كانت تعيش هذه المنطقة على الدوام متلازمة التباعد بين السياسة والأمن الذي بأغلبية فروعه تربطه علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، إلى جانب ارتباطه استخباريّاً وتدريبيّاً بالمؤسسات الأميركية. ولم ينجح اليسار في الدول الكبرى في أميركا اللاتينية في التوفيق بين أيديولوجيا الحكم والعقيدة العسكرية، بل على العكس تماماً؛ ظلّ التباعد بينهما يصل إلى حدّ التناقض.
على الرغم من ذلك، لا يبدو أن الغطرسة ستحقّق للولايات المتحدة طموحاتها الجامحة؛ فشعوب المنطقة لن تقبل بعودة التاريخ الاستعماري، فيما صورة مادورو
لن ترضي حتى من شكّكوا في شرعيته. أمّا تصريحات ترامب عن «امتلاك» هذه البلاد، فلا يقبلها حتى أشدّ المعارضين للنظام الفنزويلي أو لليسار اللاتيني. وإذ يؤكد المسؤول البرازيلي أن داسيلفا وحلفاءه ليسوا في وارد الاستسلام لواشنطن، بل في صدد النقاش الجدّي لحفظ مصالح الطرفَين إذا ارتضت الولايات المتحدة ذلك، فإن رهان الأخيرة على فائض القوة العسكري، لن يحقّق لها – على ما يبدو – سوى انتصارات استعراضية وآنية، لا بل قد يحوّل دولاً بأسرها إلى أعداء يشكلون خطراً حقيقيّاً ليس على المصالح الأميركية في المنطقة فقط، بل على الأمن الأميركي برمّته.
اخبار سورية الوطن 2_الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
