كريم حداد
منذ نهاية القرن العشرين، اكتسبت فكرة «الهيمنة الثقافية» موقعًا شبه مركزي في تفسير استقرار الرأسمالية المعاصرة. لم يعد النظام يُفهم بوصفه بنية تُفرض بالقوة أو الحاجة، بل باعتباره منظومة تُعاد إنتاجها عبر اللغة، والرموز، وأنماط التمثيل، وصناعة الرضى. صار يُقال إن الناس يخضعون لأنهم يقتنعون، ويقبلون لأنهم مُقنَعون، وإن المعركة الحاسمة هي معركة الخطاب قبل أي شيء آخر. في هذا السياق، ظهرت سياسات كاملة تراهن على «تفكيك السرديات» و«فضح الخطاب» بوصفها الطريق الأقصر إلى التغيير الاجتماعي.
غير أن هذا التصوّر، كما يبيّن عالم الاجتماع Vivek Chibber، ينطوي على خلط خطير بين مستويين مختلفين: مستوى تبرير النظام، ومستوى استمراره الفعلي. فالرأسمالية، في تحليله، لا تستمر لأن الخاضعين لها يقتنعون بها، بل لأنهم لا يملكون القدرة الواقعية على الانفلات منها. ليست الهيمنة، إذًا، مسألة إيمان، بل مسألة عجز. هذا التحوّل المفهومي من «القبول» إلى «الاستسلام» يفرض إعادة نظر شاملة في كثير من المسلّمات النظرية والسياسية السائدة.
يستعيد تشيبر، في نقده لما يُسمّى «المنعطف الثقافي»، سؤالًا قديمًا طرحه ماركس بصيغة مختلفة: لماذا يعيد الناس إنتاج نظام يضرّ بهم؟ لكنّه يرفض الإجابة التي تحوّل هذا السؤال إلى لغز وعي. فماركس لم يقل يومًا إن العمال يقبلون الاستغلال لأنهم مخدوعون، بل لأنهم خاضعون لما سمّاه «الضغط الصامت للعلاقات الاقتصادية». العامل يبيع قوة عمله لا لأنه يرى في ذلك تحقيقًا لذاته، بل لأن شروط وجوده المادي تجبره على ذلك. الإكراه هنا ليس بوليسيًا، بل بنيوي؛ ليس استثنائيًا، بل يومي.
ما يلفت تشيبر الانتباه إليه هو أن كثيرًا من القراءات الثقافوية للرأسمالية، رغم ادّعائها الراديكالية، تنتهي إلى موقف نخبوي مبطّن. فهي تفترض أن المنظّر يرى ما لا يراه الفاعل الاجتماعي، وأن العامل «يقبل» وضعه لأنه واقع تحت سحر الإيديولوجيا. لكن هل يحتاج العامل إلى نظرية كي يدرك اختلال ميزان القوة في مكان عمله؟ هل يحتاج إلى تحليل خطابي ليعرف أن أجره لا يكفي، وأن عمله مُنهك، وأن البدائل شبه معدومة؟ المشكلة، وفق تشيبر، ليست في الوعي، بل في القدرة. ما يمنع التمرّد ليس الخداع، بل الكلفة.
هنا تتقاطع أطروحة تشيبر مع نقد كارل بولاني لليبرالية السوقية. وهو يبين في تحليله لتحوّل السوق إلى مبدأ منظِّم للمجتمع أن إخضاع العمل والأرض والنقود لمنطق السوق لا يمرّ عبر الإقناع، بل عبر نزع الحماية الاجتماعية وتفكيك البدائل. «التحوّل العظيم» لم يكن انتصارًا ثقافيًا للسوق، بل فرضًا مؤسسيًا له. وما سمّاه بولاني «الحركة المزدوجة» – أي مقاومة المجتمع لتفكيكه الذاتي – لا ينبع من وعي ثقافي مجرد، بل من صدمة مادية. حين تتآكل شروط العيش، يتحرّك الناس، لا لأن الخطاب تغيّر، بل لأن الحياة نفسها صارت مهددة.
غير أن تشيبر يذهب أبعد من بولاني في نقطة أساسية. فبينما يرى الأخير أن تدمير الحماية يولّد تلقائيًا ردّ فعل اجتماعيًا، يلاحظ تشيبر أن النيوليبرالية المعاصرة قد نجحت، إلى حدّ بعيد، في تفكيك شروط هذا الردّ. تراجُع النقابات، تفتيت مواقع العمل، فردنة المخاطر، وارتفاع كلفة التنظيم الجماعي، كلّها عوامل جعلت المقاومة أقل احتمالًا، حتى في ظل تدهور الشروط المادية. هنا لا يعود الاستقرار دليل رضى، بل علامة شلل.
أما أنطونيو غرامشي، الذي يُستدعى كثيرًا لتبرير مركزية الثقافة، فيُعاد تأويله عند تشيبر ضد هذا الاستخدام الشائع. فغرامشي نفسه شدّد على أن الهيمنة، إن كانت أخلاقية-سياسية، فهي اقتصادية أيضًا. لا يمكن للطبقة المهيمنة أن تحافظ على قيادتها إن لم تستطع تقديم مكاسب مادية – ولو محدودة – لحلفائها الاجتماعيين. غير أن كثيرًا من القراءات اللاحقة اختزلت الغرامشية في بعدها الثقافي، وحوّلتها إلى نظرية خطاب، متناسية أن غرامشي كان يتحدّث عن توازن قوى مادي قبل أن يتحدّث عن سرديات.
في هذا الإطار، يميّز تشيبر بين نوعين من «القبول». هناك قبول فعلي، نشط، وهو سمة الطبقات المهيمنة التي ترى في النظام تعبيرًا عن مصالحها وعن «الطبيعة» نفسها. وهناك تكيّف قسري، سلبي، يخصّ الطبقات الخاضعة، وهو ما يسمّيه تشيبر استسلامًا. العامل الذي يواصل العمل رغم كراهيته له ليس دليلًا على نجاح الهيمنة الثقافية، بل على غياب بديل واقعي. وهنا تنقلب وظيفة الإيديولوجيا: بدل أن تكون مصدر الإذعان، تصبح أداة عقلنة لاحقة لما فُرض ماديًا.
تتلاقى هذه الفكرة مع نقد نانسي فريزر لما تسمّيه «النيوليبرالية التقدمية». ففريزر تبيّن كيف جرى، في العقود الأخيرة، فصل النضالات الرمزية (الاعتراف، الهوية، التمثيل) عن النضال ضد الاستغلال الاقتصادي. النتيجة كانت سياسات ثقافية متقدّمة متعايشة مع اقتصاد يزداد افتراسًا. غير أن تشيبر يضيف بعدًا حاسمًا: هذا الفصل لا ينجح فقط لأن النخب تفضّله، بل لأن البنية الاقتصادية تجعل من الصعب تحويل السخط الاجتماعي إلى قوة منظّمة. السياسة الرمزية تزدهر حيث تتراجع السياسة المادية، لا لأنها أقوى، بل لأنها أقل كلفة.
من هنا، فإن نقد تشيبر لا يستهدف الثقافة بوصفها مجالًا، بل يستهدف تحويلها إلى بديل عن الصراع الاجتماعي الفعلي. فالمعركة الثقافية، حين تُفصل عن تغيير الشروط المادية، تتحوّل إلى إدارة للخيبة. تفكيك الخطاب من دون بناء قوة اجتماعية يترك البنية على حالها، بل قد يخدمها، عبر توفير وهم الفعل في غياب القدرة على التأثير.
سياسيًا، يفضي هذا التحليل إلى نتيجة غير مريحة: لا يمكن الرهان على الوعي وحده، ولا على «كشف الحقيقة»، ولا على تغيير اللغة، ما لم تُعاد صياغة شروط التنظيم والعمل الجماعي. الرأسمالية لا تحتاج إلى أن تُصدَّق كي تستمر؛ يكفي أن تجعل الانسحاب منها مستحيلًا. لذلك، فإن استعادة السياسة تمرّ عبر إعادة بناء المصالح المشتركة، والمؤسسات القادرة على تمثيلها، لا عبر الاكتفاء بالصراع الرمزي.
في زمن تُقدَّم فيه الرأسمالية بوصفها قدرًا طبيعيًا، وتُختزل السياسة في أخلاقيات الخطاب، يعيد تشيبر فتح سؤال بسيط وجذري في آن: ليس المهم لماذا يقتنع الناس بالنظام، بل لماذا يعجزون عن تغييره. والإجابة، كما كان يعرف ماركس وبولاني وغرامشي، لا تُكتب في النصوص وحدها، بل في بنية الحياة اليومية ذاتها.
*كاتب
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
