علي عبود
شكّل دونالد ترامب ظاهرة فريدة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي منذ ظهوره للمرة الأولى كمرشح رئاسي ضد منافسته العريقة والمحترفة في عالم السياسة هيلاري كلينتون!
وما كان يكرره في حملته الإنتخابية الأولى بأن الحكومة العميقة تتآمر عليه لمنعه من الوصول إلى البيت الأبيض لم يكم من فراع أو لتجييش مناصريه ولدفع الأمريكيين المترددين والصامتين لانتخابه ضد منافسته كلينتون التي تلقت دعما كبيرا من زوجها “بيلي” ومن الرئيس السابق “أوباما”، بل اتضح سريعا أنه حقيقة، بدليل محاولات اغتياله أكثر من مرة!
لقد كان ترامب، ولا يزال يُشكّل ظاهرة فريدة واستثنائية “وهذا ليس مديحا بالرجل” فهو لم يأت من عالم السياسة، ولم ينتسب قبل سباق الرئاسة الأولى في عام 1916 إلى أيٍّ من الحزبين الجمهوري أو الديمقرطي، فقد أتى من عالم رجال الأعمال، ونجح سريعا بتكوين كتلة صلبة من المناصرين المتعصبين لايقل عددها عن 50 مليون يوجهها كما يريد، شعارها “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، وهذه الكتلة المتراصة هي التي اضطرت الحزب الجمهوري لترشيحه للرئاسة للمرة الثالثة في عام 2024.
نعم، لايزال ترامب يُشكل ظاهرة منفلتة للحكومة الأمريكية العميقة، فهو ليس خارج السيطرة عليه فقط، بل شكّل تحالفا أشبه بحكومة عميقة ثانية تتصارع مع الأولى التي تتحكم بمسار سياسات أمريكا منذ تأسيسها!
والمسألة لم تعد في معارضة الحكومة العميقة كما كان عليه الحال في رئاسة ترامب الأولى (2016 ـ 2020) والتي أطاحت به في سباق الرئاسة (2020)، وإنما فيما يجري منذ وصول ترامب للبيت الأبيض في كانون الثاني 2025، حيث اكتشفت هذه الحكومة أن ترامب ينفذ خطة محكمة للإطاحة بها، او لتقزيم دورها إلى الحدود الدنيا!
والمحللون ومديرو مراكز الدراسات الأمريكيون حذروا منذ عام 2016 من السماح للمرشح دونالد ترامب من الوصول إلى البيت الأبيض وأكدوا أنه إذا نجح في سباق الرئاسة ضد كلينتون فسيؤسس لحرب أهلية ثانية، وبالفعل كادت أن تندلع هذه الحرب بعد اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكونغرس، بل أن ترامب هدّد الأمريكيين خلال سباق الرئاسة في عام 2024: أما أنا أو الحرب الأهلية!
السؤال: ماالمشروع الذي يُنفذه ترامب للإطاحة بالحكومة العميقة أو مايُسمّى بـ “الثورة الأمريكية الثانية”؟
بات من المؤكد إن ترامب وجد في “مشروع 2025” الذي أعدته مؤسسة “هيريتبج” الفكرية المحافطة الأمريكية ضالته لتحقيق هدفه بإنهاء الحكومة العميقة أو تقزيم دورها على الأقل، وقد تعاون بإنجاز هذا المشروع الذي يبلغ ألف صفحة 400 باحث وخبير ينتمون جميعهم إلى التيار المحافظ.
يرسم التقرير الأساس النظري لما ينبغي أن يكون عليه شكل الحكم في ظل إدارة يمينية محافظة، وتشير كل الوقائع الى إن المشروع مرتبط إرتباطاً عُضوياً بترامب منذ كان مرشحا للرئاسة، ويعمل على تنفيذه تدريجييا، ومن أبرز أهداف المشروع تغيير الحكومة الفدرالية وإصلاحها، وإحداث تحوّل جذري في أنظمة الحكم، وتطهير الوكالات من “الليبرالية الراديكالية” عبر استبدال الموظفين الحكوميين في مؤسسة الرئاسة وباقي مؤسسات الدولة والوزارات السيادية بآخرين محافطين وموالين للرئيس يتم اختيارهم وتدريبهم على تنفيذ خطط المشروع حرفيا تقريبا!
وتؤكد قرارات ترامب باختيار فريقه ومساعديه وكل الموظفين في مؤسسة الرئاسة أنه يترجم ماأعلنه رئيس مؤسسة “هيريتيج” كيفين روبرتس بعد إنجاز “مشروع 2025) في عام 2023: الولايات المتحدة الأمريكية على أعتاب “ثورة أمريكية ثانية غير دموية إذا سمح اليسار بذلك!”.
الخطير بالأمر بالنسبة للمحللين أن المشروع ليس قائمة أمنيات خيالية، بل هو خطة وضع تصوّرها الأولي قاضي المحكمة العليا الأمريكية لويس باول الذي أنشأ الأساس النظري لـ “مواطنون متحدون”، وتُعدّ الخطة جاهزة للتنفيذ كونها تُفصّل السياسات المصممة لتمكين الحركة المحافظة وأصحاب المليارات والمانحين الجمهوريين في اللحظة التي يؤدي فيها ترامب اليمين الدستورية لولاية ثانية، أليس هذا مايحدث منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض؟
لقد جاء في مقدمة “مشروع 2025” الذي شارك بإعداده 140 مسؤولاً سابقا في إدارة ترامب حرفيا: لايكفي أن يفوز المحافظون بالإنتخابات إذا أردنا إنقاذ البلاد من قبضة اليسار الراديكالي، فنحن بحاجة إلى أجندة حاكمة وأشخاص مناسبين في أماكنهم، وعلى استعداد لتنفيذ هذه الأجندة في اليوم الأول الذي تتسلّم فيه الإدارة المحافظة المقبلة “أيّ ترامب” مقاليد السلطة!
الخلاصة: إذا كان من المؤكد إن ترامب يُنفّذ الخطة تحت شعار يتجاوب معه أنصاره الذين لايقل عددهم عن 50 مليون من الأمريكيين اليمينيين المتعصبين..، فإن السؤال: هل ستسمح الحكومة العميقة واليسار الأمريكي لإدارة ترامب المحافظة بتتفيذ “ثورة أمريكية ثانية سلمية” تُطيح بنفوذها خلال السنوات الثلاث القادمة؟
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
