علي إسماعيل
يعرف المؤرخ الأميركي تشارلز تيلي أن عملية بناء الدولة هي مقدمة لظهور موظفين متخصصين، والسيطرة على أراضي الدولة، والولاء والاستمرارية، ومؤسسات دائمة مع دولة مركزية ومستقلة تحتكر استخدام العنف.
ووفقا لمعهد الأمم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية، فإن قدرات الدولة الأساسية تتمثل في المساعدة في الحصول على التكنولوجيا الجديدة، وتعبئة الموارد وتوجيهها إلى القطاعات الإنتاجية، وفرض المعايير واللوائح، وإنشاء المواثيق الاجتماعية، وتمويل الخدمات والبرامج الاجتماعية وإيصالها وتنظيمها.
وترتبط بداية استخدام المفهوم بظهور الدول القومية في أوروبا الغربية، الذي ركز على إنفاذ سلطة الدولة في المجتمع، ومنه جاء المصطلح السياسي الجامع “بناء الأمة” المستند إلى الهوية القومية، لأن مفهوم بناء الأمة هو إنشاء الهوية القومية وهيكلتها اعتمادا على سلطات الدولة.
ويهدف بناء الأمة إلى توحيد الشعب ضمن الدولة بغية بقائه مستقرا سياسيا على المدى الطويل، لذلك ووفقا لأستاذ العلوم السياسية الأميركي هاريس ميلونا، فإن شرعية السلطة في الدول الوطنية المعاصرة متصلة بحكم شعبي لدى الأغلبية، حيث يعد بناء الأمة العملية التي تبني تلك “الأغلبيات” خلالها.
ومن هنا فإن بناة الأمة هم أعضاء الدولة الذين يبادرون إلى تطوير المجتمع الوطني بواسطة برامج الحكومة، كانتشار مدارس المضمون الوطني، حيث يمكن أن يتمثل بناء الأمة في اللجوء إلى الدعاية وتنمية البنية التحتية الأساسية لتعزيز التآلف الاجتماعي والنمو الاقتصادي.
وفي هذه المرحلة تحديدا يبدأ دور النخب الفكرية، حيث تلعب دورا أساسيا في بناء الدولة الحديثة من خلال صياغة الرؤى الحضارية، ونقل المجتمعات من الولاءات التقليدية إلى مفهوم الدولة – الأمة بشكل مقنن ومنظم بعيدا عن العشوائية.
كما تعمل هذه النخب على تصدير القضايا الوطنية الكبرى للتفاعل البناء، وصنع التوافقات الفكرية بين مكونات المجتمع الواحد أولا، ثم بين المجتمع والدولة، خاصة في مجال توحيد المفاهيم وتقريب البيئات الثقافية في الإطار الوطني الجامع.
وعلى الرغم من وجود تحديات حقيقية يواجهها المثقف النخبوي، فإن دوره الأساسي يكمن في تذليل الصعوبات التي تحول دون تحقيق أهدافه الوطنية في خدمة الإنسانية ضمن الإطار السياسي لمفهوم الدولة، وبالتالي انتقاله من التلقي إلى المبادرة والإنتاج الفكري الفعال القابل للتطبيق.
نظرية النخبة ودور النخبويين في بناء الدولة
لم يكن مفهوم النخبة منتشرا في العلوم الاجتماعية والكتابات السياسية إلا بعد أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث ساد استخدامه في النظريات الاجتماعية التي تناولت موضوع التفاضل الاجتماعي، وظهر ذلك بصورة خاصة في كتاب “ازدهار وانحدار النخبة.. تطبيق لعلم الاجتماع النظري”، الذي نشر لأول مرة في عام 1920، للعالم فيلفريدو باريتو، الذي يعد من أوائل الذين أعطوا مفهوم النخبة اهتماما كبيرا.
وهنا تبرز نظرية النخبة التي تسعى إلى وصف وشرح علاقات القوة في المجتمع المعاصر، وهي نظرية تفترض أن أقلية صغيرة، تتكون من نخب اقتصادية وشبكات تخطيط السياسات، تشكل سلطة مستقلة في الدولة، بعيدا عن عملية انتخابات ديمقراطية، وهذه النظرية مرتبطة بقوة مع مفاهيم بناء الدولة وبناء الأمة.
وأثرت المدرسة النخبوية الإيطالية، التي تضم ثلاثة علماء كبار، في نظرية النخبة في التقاليد الغربية لاحقا، من خلال فكرتين، هما أن النخبة تقع في موقع السلطة وفي المؤسسات الاقتصادية والسياسية الرئيسية، وأن الاختلاف الذي يميز النخب هو أن لديهم موارد شخصية، مثل الذكاء والمهارات واهتمامات خاصة بالحكومة، في حين أن الباقين غير أكفاء وليس لديهم القدرة على حكم أنفسهم، حيث إن النخبة واسعة الحيلة وتسعى جاهدة لجعل الحكومة تعمل.
وأبرز علمائها فيلفريدو باريتو، الذي شدد على التفوق النفسي والفكري للنخب، معتبرا أنها كانت أعلى الإنجازات في أي مجال، وناقش وجود نوعين من النخب، هما النخب الحاكمة والنخب غير الحاكمة، كما وسع فكرة أن النخبة بأكملها يمكن استبدالها بنخبة جديدة.
وأشار أيضا عالم الاجتماع غايتانو موسكا إلى الخصائص الاجتماعية والشخصية للنخب، وقال إن النخب هي أقلية منظمة، وإن الجماهير أغلبية غير منظمة، حيث تتكون الطبقة السائدة من النخبة الحاكمة والنخب الفرعية، ويقسم العالم إلى مجموعتين، هما الطبقة السياسية والطبقة غير السياسية، حيث يؤكد موسكا أن النخب لديها تفوق فكري وأخلاقي ومادي، يحظى بتأثير وتقدير كبيرين.
أما روبرت ميشيلز، فقد كان يعتقد أن جميع المنظمات نخبوية، وأن للنخب ثلاثة مبادئ أساسية تساعد في الهيكل البيروقراطي للتنظيم السياسي، هي الحاجة إلى القادة والموظفين المتخصصين والمساعدين، والاستفادة من التسهيلات من قبل القادة داخل منظمتهم، وأهمية الصفات النفسية للقادة.
وفي هذا السياق، يرى رئيس قسم الأبحاث والدراسات في تيار المستقبل السوري، الباحث جمعة محمد لهيب، في حديثه لصحيفة “الثورة”، أن الدولة السورية المعاصرة تمر “بمخاض بنيوي” يتطلب أكثر من مجرد ترميم مادي، ويقول: “إنها تستوجب إعادة صياغة العقد الاجتماعي والفكري، وهنا تظهر “النخبة” كضرورة وجودية لإدارة الانتقال من حالة الأزمة إلى استدامة الدولة الحديثة. ففي سوسيولوجيا النخبة لم تعد النخبة الفكرية، وفق منظور فيلفريدو باريتو، مجرد فئة مهيمنة، بل يمكن اعتبارها في السياق السوري “كتلة تاريخية”، بتعبير غرامشي، مطالبة بردم الفجوة بين التخطيط الاستراتيجي والواقع الشعبي، لذلك فإن دور النخبة في بناء الدولة الحديثة يتجاوز “الوعظ” إلى “الهندسة الاجتماعية”، حيث يتحول المثقف من مراقب للمشهد إلى شريك في إنتاج أدوات الحكم الرشيد وتطوير المؤسسات”.
ويدور الحديث في المراكز الثقافية العربية عموما، والسورية خصوصا، حول أسئلة مهمة عن دور النخب الفكرية في بناء الدولة الحديثة، وكل الإجابات التي تطرح تدور حول مسؤولية النخب في تحفيز التغيير الإيجابي، وتنوير المجتمع، والمشاركة الفاعلة في نشر المعرفة والثقافة العقلانية، ومحاربة الفساد، ورفض التبعية، وتقديم القناعات العلمية والموضوعية لخدمة المصلحة العامة.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور طلال المصطفى، أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق والباحث في الشؤون السياسية والاجتماعية، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”: “إن نظرية النخبة تعد من المقاربات الأساسية في علم الاجتماع السياسي، وقد ارتبطت بأعمال مفكرين مثل روبرت ميشيل، وتنطلق هذه النظرية من فرضية أن كل مجتمع، مهما كان ديمقراطيا، تحكمه أقلية متميزة تمتلك المعرفة أو السلطة أو الموارد”.
ويضيف أنه “في سياق بناء الدولة الحديثة، تؤدي النخب الفكرية عدة أدوار محورية، منها صياغة الأيديولوجيات المؤسسة للدولة، مثل مفاهيم المواطنة والشرعية والدستور، وتوجيه القرار السياسي من خلال التأثير على صناع القرار أو المشاركة المباشرة في الحكم، وإنتاج المعرفة الاستراتيجية التي تساعد في التخطيط طويل المدى، في التنمية والتعليم والاقتصاد، وتأطير المجال العام عبر الإعلام والجامعات ومراكز البحث”.
وتشير المقالات البحثية إلى أن المثقف الحقيقي يعمل على تحليل الصراعات الاجتماعية، وتفكيك العقبات الداخلية التي تمنع تطور المجتمع، وصياغة هوية وطنية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، والمساعدة في بناء مؤسسات تعزز الوعي الوطني.
التحول الثقافي وتحديث المفاهيم
النخب الفكرية، بكل مجالاتها الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية وحتى الدينية، معنية بالعمل على تحديث المفاهيم المجتمعية والثقافية تحت مظلة الدولة الوطنية وفي الإطار المفاهيمي للوطنية الجامعة، حيث تتداخل المفاهيم ومعها ساحات العمل من الثقافة وصولا إلى السياسة.
يقول الباحث محمد نبيل الشيمي، في دراسته البحثية التي حملت عنوان “النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر”، التي نشرها المركز الديمقراطي العربي، إن العلاقة بين المثقف والسياسي تأخذ منحى إشكاليا حين يحاول المثقف، في أغلب الأحيان، ولا سيما في مناطق الاضطراب السياسي أو الحراك السياسي العنيف، الدخول إلى منطقة السياسي ومزاحمته في التأثير على مسار الحدث وعلى قناعات المجتمع.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور المصطفى لصحيفة “الثورة السورية” إن “النخب الفكرية تسهم في إحداث التحولات الثقافية من خلال إعادة تعريف القيم والمفاهيم السائدة، وهو ما يعد شرطا أساسيا لقيام الدولة الحديثة، ويتجلى ذلك في تحديث المفاهيم السياسية والاجتماعية، مثل إعادة صياغة مفاهيم الدولة والأمة والحرية والديمقراطية، والانتقال من الولاءات التقليدية، كالقبيلة والطائفة، إلى مفهوم المواطنة، ونشر العقلانية والنقد من خلال تعزيز التفكير النقدي بدل التسليم بالموروث، وإصلاح البنية الثقافية من خلال تطوير التعليم والمناهج ودعم الفنون والآداب كوسائل لتغيير الوعي الجمعي، إضافة إلى الوساطة بين المحلي والعالمي من خلال نقل الأفكار العالمية، كالحداثة وحقوق الإنسان، وتكييفها مع السياق المحلي، وتقليل الصدام بين الأصالة والمعاصرة”.
لذلك يقول الباحثون إن على النخب أن تقود تحولا نوعيا يعتمد على تحديد الدور بالعمل، وعلى إعادة ربط العقل العربي بجذوره المعرفية والتاريخية، للانطلاق منها في حوار خلاق مع منجزات العصر. فالنخب عليها أن تكون الجسر بين ثوابت الأمة ومتغيرات العصر، وأن تبني منهجية تكاملية مركبة تجمع بين دقة العلوم وروح النقد التاريخي والحكمة الإنسانية. كما يجب على النخب أن تتحول إلى مختبرات لاستكشاف التقنيات الحديثة وفهمها وتوظيفها، خاصة الذكاء الاصطناعي، والعمل بجد لتعدد الروابط المعرفية وتنوعها، وتحرير الفكر من ثنائية الشرق والغرب.
ويرى الباحث لهيب، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن المهمة الأشق للنخب الفكرية تكمن اليوم في “تحديث المفاهيم” دون الاغتراب عن الهوية الوطنية، حيث إن الانتقال من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع منتج للمعرفة يتطلب قراءة موضوعية في رأس المال الفكري، إذ تشير البيانات الصادرة عن مؤشر المعرفة العالمي وتقارير اليونسكو إلى فجوة تستوجب تدخل النخب، حيث واجه قطاع البحث العلمي في سوريا تحديات بنيوية نتيجة الأزمة، تمثلت في تراجع الإنفاق على البحث والتطوير ليكون دون المعدلات الإقليمية، التي تقارب 1 بالمئة من الناتج المحلي، وهو ما يضع النخبة أمام مسؤولية ابتكار حلول “منخفضة التكلفة وعالية الأثر” تزاوج بين الأصالة والحداثة.
ويقول الباحث لهيب: “تأسيسا على ما تقدم، فأعتقد أن هناك مجموعة من الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة من وجهة نظري، ويمكن اعتبارها توصيات. وهي أولا العمل على مأسسة “المشورة النخبوية”، وتكون عبر إنشاء مجالس استشارية تخصصية تتبع لمؤسسات الدولة، مهمتها تقديم “دراسات أثر” علمية قبل إقرار السياسات العامة، وإطلاق “منصة الكفاءات السورية” من خلال إنشاء قاعدة بيانات رقمية وطنية تربط النخب في الاغتراب بمشاريع التنمية في الداخل، لتحويل “نزيف العقول” إلى “تداول معرفي” مستدام”.
وأضاف أن “من بين الركائز أيضا الاستثمار في “نخبة الظل”، أي الشباب، وهذا قد يكون بتفعيل دور الجامعات السورية كحواضن للأعمال والابتكار، مع التركيز على “توطين التكنولوجيا” لسد الفجوة الرقمية، وتطوير “الميثاق الثقافي الجديد”، والذي يتجلى بقيام النخب بصياغة خطاب وطني يفكك مفاهيم الأزمة ويستبدلها بمفاهيم “المواطنة الرقمية” و”الاستحقاق المعرفي”، حيث إن بناء الدولة الحديثة في سوريا “فعل إرادي معرفي”، وإن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بمدى قدرة النخبة على التحول من “توصيف الواقع” إلى “صناعة البدائل”، لتكون البوصلة التي تقود السفينة نحو شاطئ الحداثة الوطنية الشاملة”.
الانتقال من “متلقي معرفة” إلى “منتج معرفة”
تقول الدراسات والأبحاث العربية المتخصصة بقضايا الفكر والبحث إن الزمن الذي كانت فيه مراكز الفكر العربية، التي تجمع النخب الفكرية، مجرد نوافذ نطل من خلالها على إنتاج المعرفة في الغرب، أو ورشا لتكييف هذه المعرفة مع واقعنا المعقد، قد انقضى.
وفي صحيفة “المثقف” المصرية، نشر الدكتور عبد السلام فاروق مقالا بحثيا بعنوان “تأملات في دور النخب الفكرية العربية من التلقين إلى التجديد الحضاري”، قال فيه: “نحن اليوم أمام واقع جديد، واقع تعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم المعرفة ذاتها، وتحيل فيه التحولات الجيوسياسية الكبرى الكثير من المسلمات الفكرية السابقة إلى تاريخ”.
وحدد الدكتور فاروق ثلاث تحديات وجودية تواجه مراكز الفكر العربية. أولها تحدي الهوية في عالم الذوبان، وبحسب تعبيره يتحدث فيه عن كيفية مشاركة النخب في صياغة النظام العالمي الجديد دون أن تفقد بوصلة ذاتها، ودون أن تظل أسيرة الثنائيات العقيمة التي شغلت العقل العربي طويلا، وهي الأصالة والمعاصرة، والتراث والحداثة، والدين والعلمانية. وحدد سؤالا جوهريا هو: كيف ننتقل من موقع المتلقي للفكر إلى موقع المشارك في إنتاجه وصياغته؟
أما ثاني التحديات، فتحدث فيه عما أسماه تسونامي التقنية، أي انقلاب إمكانيات الذكاء الاصطناعي وثورة البيانات على قواعد اللعبة الفكرية برمتها، ليتساءل حول القيمة المضافة التي يقدمها الباحث والمفكر البشري في عصر الخوارزميات الخارقة.
وثالثها تحدي التحول الفلسفي، الذي يتحدث فيه عن أزمة النموذج الغربي التي تتجلى في التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي، وبروز النموذج الآسيوي الذي يقدم الجماعة والتنمية والاستقرار بديلا، متسائلا عن نموذجنا العربي الذي يقف في ملتقى الطرق، ليستلهم من تراثه ويستوعب معطيات العصر، دون أن يكون نسخة طبق الأصل من أي نموذج وارد.
وهنا يرى الدكتور المصطفى أن النخب الفكرية، رغم أهمية دورها، تواجه عدة تحديات تعيق انتقالها من موقع استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، وتتمثل في تحديات بنيوية، من ضعف مؤسسات البحث العلمي إلى محدودية التمويل والاستقلال الأكاديمي، وتحديات سياسية تتمثل في القيود على حرية التعبير وتسييس المعرفة، وتحديات ثقافية تبدأ من هيمنة الفكر التقليدي ورفض التجديد إلى ضعف ثقافة البحث والنقد في المجتمع.
ويضيف أن “هناك تحديات تتمثل فيما يعرف بالتبعية المعرفية من خلال الاعتماد على نماذج فكرية مستوردة دون إنتاج نظريات محلية، وما يعرف بـ”الاستلاب الثقافي”، إضافة إلى هجرة العقول وفقدان الكفاءات بسبب غياب البيئة المناسبة للإبداع”.
ويتابع حديثه لصحيفة “الثورة السورية” بالقول إن النخب الفكرية تعد فاعلا مركزيا في بناء الدولة الحديثة، ليس فقط من خلال المشاركة في السلطة، بل عبر إنتاج المعنى وتشكيل الوعي الجمعي، غير أن فعاليتها تبقى رهينة بمدى قدرتها على تحقيق استقلالها المعرفي، والانخراط في إنتاج معرفة نقدية أصيلة تستجيب لخصوصيات المجتمع، وتواكب في الوقت نفسه التحولات العالمية.
لذلك فإن تحول النخب الفكرية من التلقي إلى الإنتاج هو ضرورة حتمية. وهنا يقول الكاتب القطري بدران مسعود بن الحسن، في دراسة بعنوان “النخبة المثقفة ودورها في تحقيق نهضة الأمة”: “إن بعض النخب المثقفة من الباحثين والأساتذة وأهل الفكر، وبالرغم من تميزهم علميا وفكريا، فإنهم لم يستطيعوا الانسجام مع القيم الاجتماعية للمجتمع، ولم يستطيعوا أن يجدوا لهم دورا اجتماعيا فاعلا، بل يلجأ الواحد منهم إلى تبني أطروحات فكرية مضادة للمجتمع الذي يحتويه، بل إنه يتبنى بعض الأفكار المستوردة التي إما فيها ارتكاس في الخرافة والبدع، وإما فيها انضواء تحت توسع مذهبي أو فكري خارجي، أو استقواء بهيمنة سياسية أو حضارية لجهة ما”.
وهنا يرى الباحث لهيب، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن تقديرات المنظمة الدولية للهجرة وتقارير الإسكوا تشير إلى أن سوريا فقدت جزءا مهما من نخبها العلمية التي غادرت البلاد، ليكون دور النخبة “المقيمة” اليوم هو اجتراح آليات لربط هذه الكفاءات المهاجرة بمؤسسات الدولة عبر “الشبكات المعرفية الرقمية”. وتؤكد الإحصائيات أن الدول التي استعادت توازنها بعد النزاعات اعتمدت بنسبة تصل إلى 60 بالمئة على مساهمات نخبها المغتربة في نقل التكنولوجيا وتحديث الإدارة العامة، مما يجعل الانتقال من “متلقي معرفة” إلى “منتج لها” ضرورة سيادية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
