عاصم الزعبي
لا تزال محافظة السويداء تعاني، منذ سقوط النظام المخلوع، من حالة من الاستعصاء وعدم الاستقرار نتيجة تفرد مجموعة بمصير المحافظة وأبنائها، ورفض هذه المجموعة للدولة الحالية والحكومة منذ البداية، وحتى قبل الأحداث التي جرت في المحافظة في شهر تموز من عام 2025.
أحداث تموز أدت إلى بروز مجموعات خارجة عن القانون تتبع لحكمت الهجري، الذي تفرد بالقرار عبر دعم هذه المجموعات التي تحوي في صفوفها العديد من ضباط النظام المخلوع من خارج السويداء، وهم مطلوبون للعدالة على خلفية ارتكابهم جرائم بحق السوريين، وتحت ذريعة الأحداث التي وقعت فيها أخطاء من جميع الأطراف، ازداد تسلط هذه المجموعات على الأهالي في المحافظة، ما أدى إلى تدهور الأوضاع على كافة المستويات من جهة، وإبعاد كل الأصوات السياسية والمدنية وإسكاتها من جهة أخرى.
إلا أنه، ومع طول مدة هذا الاستعصاء، خرجت أصوات تنادي بعودة المحافظة إلى الدولة، مع محاسبة كل من يثبت تورطه في أحداث تموز، وهذا ما دفع بعض الشخصيات إلى مغادرة المحافظة والعودة إلى الدولة، والدعوة إلى مبادرات يكون الحوار أساسها للحل.
الأمير الأطرش والتيار الثالث
يوم الأحد الفائت، أعلن أمير دار عرى في السويداء، حسن الأطرش، على حسابه الشخصي على منصة “فيسبوك”، أنه يتبنى موقف التيار الثالث الذي دعت إليه مجموعة من أبناء محافظة السويداء للوصول إلى حل في السويداء، يقوم على أساس أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا.
موقف الأطرش جاء في بيان أكد فيه أنه، بعد ثمانية أشهر من المعاناة التي يعيشها أهل السويداء، ومع استمرار حالة الجمود واحتكار القرار وغياب أي رؤية جدية للحل، بات من الواضح أن من عطل الحلول لم يقدم سوى الوعود، وترك أبناء المحافظة يواجهون وحدهم أعباء الأزمة ومخاطر الانزلاق إلى صراع طويل.
وقال الأطرش: “انطلاقا من مسؤوليتنا تجاه أهلنا، نعلن دعمنا وتبنينا لمسار “التيار الثالث”، كخيار سياسي واقعي يعيد النقاش إلى منطق العقل والحوار، ويهدف إلى حماية المجتمع من الانقسام والمغامرات غير المحسوبة”.
والتيار الثالث هو مبادرة عمل مدنية تضم سياسيين ومثقفين وأكاديميين من كافة مكونات محافظة السويداء، وهدفهم محاولة تنظيم الموقف المجتمعي وبلورة مطالبه لمعالجتها عبر الحوار بعيدا عن العنف.
ويأتي هذا التيار، بحسب فكرته، للتمييز بين مسارين: الأول يخلط بين السلطة والدولة، ويريد السلطة بكل ما فيها، أما الثاني فهو يقف ضد الدولة الجديدة الناشئة بكل ما فيها، حتى قبل الأحداث التي جرت في تموز من العام الماضي، والتيار الثاني هو الذي يحتكر اليوم قرار المحافظة، والمتسبب في حالة الاستعصاء.
وأكد التيار رفض الصمت حيال ما يجري من استعصاء في السويداء، فالصمت لم يعد يحمي المجتمع فيها، والصدام لا يمثل حلا أيضا، لذلك جاء هذا المسار تجنبا للحلول القسرية التي قد يفرضها الواقع.
السويداء فوق أي احتكار للقرار
بحسب بيان حسن الأطرش، فإن مصلحة السويداء وأهلها فوق أي احتكار للقرار، ولم يعد من المقبول إبقاء المجتمع رهينة التعطيل والانتظار، ودعا إلى دعم المسار السلمي الذي يحمي المجتمع ويمهد لحل عادل يفضي إلى سوريا موحدة تصون حقوق جميع أبنائها.
وفي هذا السياق، قد لا يختلف ما يدعو إليه الأطرش ومسار التيار الثالث عن المبادرة للحل في السويداء التي أطلقها محافظ السويداء، مصطفى البكور، مؤخرا، تحت عنوان “نحو مستقبل آمن للسويداء”، والتي حملت شعار “خيار مصيري بين استمرار الأزمة وحل يحفظ ظل المستقبل”.
وأكد البكور في مبادرته أن السويداء على مفترق طريق مصيري، إما استمرار يزيد الجراح عمقا، أو مخرج يحفظ ما تبقى ويحمي المستقبل، وأن الأزمة في السويداء باتت أزمة شعورية أكثر مما هي أزمة خلاف، فالبعض يشعر أنه أمام خيار وحيد، وهذا الشعور هو أصل العداء، حيث يحول النقاش إلى صدام والحل إلى الاستحالة.
وشدد البكور أن كسر هذه الصورة يحتاج إلى الشجاعة من الجميع، من خلال المبادرة التي يقوم جوهرها ليس على التصالح والمسامحة، بل على نقل كل ما جرى إلى القضاء والقانون ليكون الحكم بين الجميع، وتكون المساءلة الأساس الذي يتم البناء عليه، وهو ما أكده التيار الثالث، وهو إدانة ما حدث، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وجبر الضرر، وعودة الأهالي ممن نزحوا إلى قراهم.
وحثت مبادرة البكور أيضا على أن استمرار المواجهة لن يؤدي إلا إلى خلق غضب موروث وإضعاف النسيج الاجتماعي بين السوريين، كما أن استمرار رفض الحلول يعيق دور الدولة الحقيقي في احتواء الأزمات وفتح باب الحل للجميع، تحت سقف القانون وفي إطار المؤسسات، وهو ما أكده التيار الثالث بأن الصدام لا يمثل أي حل.
انسجام المبادرات مع الجهود السياسية
أكد الأطرش في بيانه أن أي مسار جدي للحل يجب أن ينسجم مع الجهود السياسية الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها المسارات التي انطلقت من اجتماعات عمان، بما يفتح الطريق أمام حل يخفف معاناة السوريين.
وكان اتفاق قد جرى التوصل إليه في العاصمة الأردنية عمان، في شهر أيلول الماضي، حول السويداء، يفضي إلى حل مسألة المحافظة، وضم الاتفاق الحكومة السورية، والأردن، والولايات المتحدة.
والخطة النابعة عن الاتفاق تتعهد بمحاسبة الضالعين في التجاوزات، وتتكفل بالحقوق، وتدعم العدالة، وتتطلع إلى إنجاز مصالحة مجتمعية بمشاركة كل الفئات في المحافظة، وتقوم على المبادئ التالية:
إن محافظة السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، ولا مستقبل لها خارجها، وأبناء المحافظة مواطنون سوريون متساوون في الحقوق والواجبات مع جميع السوريين.
إن ردم فجوة الثقة بين الحكومة السورية والمحافظة يتطلب نهجا تدريجيا ومدروسا يبدأ بإجراءات لإعادة بناء الثقة، واعتماد حلول انتقالية تؤدي في النهاية إلى إعادة دمج المحافظة بالكامل في الدولة السورية، بما يعزز الوحدة الوطنية، ويؤكد الأردن والولايات المتحدة أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية والالتزامات التي أعلنتها بعد جولتي المحادثات في عمان، ويرحبان بتأكيد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني التزامه بإنهاء الأزمة من خلال حل يضمن وحدة سوريا ويحفظ حقوق جميع أبناء محافظة السويداء كمواطنين سوريين.
واتفقت الدول الثلاث على التعاون لتنفيذ الخطوات التالية بشكل عاجل، وفي إطار الاحترام الكامل للسيادة السورية:
تدعو الحكومة السورية لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية إلى إجراء تحقيق في الأحداث المؤسفة التي وقعت مؤخرا في محافظة السويداء. وتلتزم الحكومة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات وفق القانون السوري. وستتخذ الحكومة السورية الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل من تشير الأدلة إلى ارتكابه انتهاكات أو مشاركته في اعتداءات على المدنيين وممتلكاتهم.
كما ستعمل الحكومة السورية، بدعم من الأردن والولايات المتحدة، على ضمان استمرار إيصال كميات كافية من المساعدات الإنسانية والطبية إلى المحافظة، بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والدول الأخرى ذات الصلة، كما تنشر الحكومة السورية قوات مؤهلة ومدربة تابعة لوزارة الداخلية على طريق السويداء – دمشق لضمان حركة المواطنين والتجارة بحرية وأمان، بدعم من المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأميركية للمساعدة في تجاوز العقبات العملية.
هل تنجح المبادرات في الوصول إلى حل؟
تكشف عودة الحديث عن «التيار الثالث» في السويداء، مع إعلان الأمير حسن الأطرش تبني هذا المسار، أن ملف المحافظة دخل طورا سياسيا مختلفا، عنوانه انتقال جزء من النخبة الاجتماعية من موقع الاعتراض الصامت أو التكيف القسري مع الأمر الواقع إلى موقع محاولة كسر احتكار القرار داخل المحافظة، وإعادة تعريف الأزمة من أنها أزمة سلطة محلية معطلة للحياة العامة ضمن الدولة السورية. وهذه النقلة تكتسب وزنها لأن السويداء، منذ أحداث تموز 2025، عاشت داخل معادلة مغلقة جمعت السلاح، والخوف، وتعطيل المؤسسات، وإقصاء الأصوات المدنية، في وقت ثبتت فيه خريطة الطريق الأردنية السورية الأميركية أن مقاربة الحل الرسمية والإقليمية تنطلق من مبدأ واحد: السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا، والأزمة فيها تُعالج بالقانون وإعادة الدمج التدريجي في الدولة.
هذا المعنى برز بقوة بعد الاشتباكات الدامية التي شهدتها المحافظة في تموز 2025، فمنذ تلك اللحظة، تحولت أزمة السويداء إلى بنية استعصاء كاملة، لأن السلاح صار أداة تنظيم للمجال العام، وإنتاجا لمراكز نفوذ، ووسيلة ضغط على المجتمع نفسه، وهو ما يفسر كيف انزاحت المحافظة تدريجيا من ساحة المطالب السياسية إلى ساحة الإدارات الموازية والقرارات المفروضة.
ضمن هذا السياق يبرز «التيار الثالث» كونه محاولة لانتزاع النقاش من الثنائية التي حكمت المشهد طوال الأشهر الماضية: ثنائية سلطة تختزل الدولة في صورتها التنفيذية المباشرة، ومجموعة محلية تختزل المجتمع في خطاب الرفض الشامل وتحتكر تمثيله. أهمية التيار لا تتصل فقط بشعاراته، بل بالبنية التي يقترحها للنقاش العام، فهو، بحسب الشروحات التي قدمها القائمون عليه، مبادرة مدنية أطلقها سياسيون وأكاديميون ومثقفون من أبناء المحافظة بهدف تحويل حالة الانسداد إلى مطالب قابلة للتفاوض والمعالجة ضمن جدول واضح، مع إدانة الانتهاكات، والمطالبة بالمحاسبة، ورفض الصدام بوصفه طريقا لإدارة الخلاف. وفي هذا المستوى تحديدا تبدو المبادرة تعبيرا عن رغبة في إعادة المجتمع إلى مركز السياسة بعد أشهر من هيمنة السلاح على تعريف المصالح والمخاوف. ومن هذه الزاوية، يحمل التيار قيمة تفسيرية لأنه يفصل بين المجتمع وبين البنى المسلحة التي ادعت التحدث باسمه، ويعيد الاعتبار لفكرة التمثيل المدني المنظم، ولحق الأهالي في صياغة مطالبهم خارج منطق الوصاية وخارج اللغة التعبوية التي غذت الانقسام وأبطأت أي تسوية قابلة للتنفيذ في المجالين الأهلي والسياسي المحلي الداخلي.
إعلان حسن الأطرش دعمه لهذا المسار منح الفكرة بعدا رمزيا يتجاوز القيمة التنظيمية للمبادرة نفسها، لأن المسألة في السويداء صارت تدور حول من يملك الحق المعنوي في كسر خطاب الاحتكار وفتح باب الكلام العلني في مسائل كانت تُدار تحت ضغط التخوين أو التهديد. والبيانات المتداولة عن الأطرش، كما غطتها منصات محلية وصفحات عامة وتقاطعت معها نقاشات علنية حول «التيار الثالث»، وضعت جوهر الأزمة في موقعه الفعلي من خلال جمود طويل، واحتكار للقرار، وغياب رؤية جدية للحل، وترك المجتمع يواجه وحده أعباء الأزمة ومخاطر الانزلاق إلى صراع ممتد. وهذه الصياغة تشخص البنية التي أنتجت الاستعصاء، أي الفصل بين من يدّعي الحماية ومن يدفع المجتمع كلفة هذه الحماية في معيشته وأمنه وتمثيله.
وفي المدى نفسه جاءت مبادرة محافظ السويداء مصطفى البكور، التي أُعلنت في كانون الثاني 2026 تحت عنوان «نحو مستقبل آمن للسويداء»، لتعيد صوغ العقدة الأساسية بلغة الدولة والقانون، حين وضعت الأزمة في إطار شعوري وسياسي يولد من تحويل الصدام إلى قدر وحيد، ثم نقلت نقطة الحسم إلى القضاء والمساءلة وجبر الضرر وفتح باب عودة النازحين. هذه المقاربة تلتقي مع «التيار الثالث» في البنية والمضمون؛ فكلتاهما تنزع الشرعية عن استمرار المجال الرمادي بين السلاح والمجتمع، وتدفع باتجاه استعادة المؤسسة كأداة تنظيم. كما أن تقارير محلية عن محاولة اختطاف الشيخ يحيى الحجار ثم تحريره من قبل مقاتلين تابعين لحركة رجال الكرامة أظهرت أن التوتر بات يتصل أيضا بصراع داخلي على من يملك القرار الأمني داخل المحافظة نفسها.
هذا كله يفسر لماذا استعاد مسار عمّان أهميته السياسية في الأشهر الأخيرة. ففي 16 أيلول 2025 أقر الأردن وسوريا والولايات المتحدة خريطة طريق لحل أزمة السويداء واستقرار الجنوب، ونصت بوضوح على وحدة الأرض السورية، وفتح تحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المرتكبين وفق القانون السوري، وضمان المساعدات الإنسانية، وتأمين طريق السويداء دمشق بقوات مؤهلة تابعة لوزارة الداخلية. ثم عاد الأردن والولايات المتحدة في كانون الثاني 2026 إلى تأكيد العمل على تنفيذ هذه الخريطة. وأعطت عملية تبادل المحتجزين في 26 شباط 2026، التي شملت 61 موقوفا من أبناء المحافظة مقابل 25 عنصرا من القوات الحكومية، إشارة إضافية إلى أن باب التفاوض المفتوح على إجراءات جزئية ما يزال قائما، وأن الاستعصاء نتيجة ميزان قوى محلي يعطل الانتقال من التهدئة إلى المعالجة المنظمة.
في هذا الإطار، تبدو أهمية الأصوات الجديدة في السويداء كامنة في أنها تعيد ترتيب معنى الصراع نفسه. فالمحافظة تواجه أزمة تمثيل ومرجعية ومسار، حيث يبرز مجتمع يريد الخروج من سلطة الخوف ومن اقتصاد الفوضى ومن ادعاء التفويض الأحادي، في مقابل بنية نفوذ تستمد استمرارها من إبقاء الأزمة مفتوحة. ومن هنا يكتسب دعم الأطرش، وصياغات «التيار الثالث»، ومبادرة البكور، وخريطة عمّان، قيمتها التحليلية الحقيقية كلها تدفع باتجاه نزع الصفة القدرية عن استعصاء السويداء، وإعادته إلى حجمه السياسي الفعلي بوصفه ملفا سوريا قابلا للمعالجة داخل الدولة، بالقانون والمساءلة وإعادة بناء الثقة العامة.
حتى الآن، لم تفلح أي من المبادرات التي تم طرحها، حتى خارطة الطريق التي أعلن عنها في اجتماعات عمان في أيلول الماضي، في كسر الجمود الذي يسود ملف السويداء، والاستعصاء القائم نتيجة رفض أي حلول، على الرغم من حدوث تبادل للموقوفين من كلا الطرفين مؤخرا، والذي أوحى بأنه يمكن أن يشكل المدخل إلى الحل.
إلا أن الرهان اليوم متوقف على أبناء السويداء أنفسهم، خاصة في ظل الانتهاكات التي يتعرضون لها من قبل المجموعات الخارجة عن القانون، والتي طالت حتى شخصيات مهمة في المحافظة، من أبرزهم القائد السابق لحركة رجال الكرامة، يحيى الحجار، الذي تعرض للاختطاف مؤخرا على يد هذه المجموعات، ما دفع بمقاتلي الحركة إلى إعادته وسط توتر، كما أن التجاوزات بدأت تبرز في مواجهة المؤسسات المدنية وما تسمى القضائية في المحافظة وغيرها.
لا يمكن أن يستمر الجمود إلى ما لا نهاية، على الرغم من العوائق الداخلية والإقليمية التي تؤثر في قرارات محتكري القرار في السويداء، فخروج أصوات بشكل مستمر تنادي بالحل وعودة المحافظة إلى الدولة السورية كفيل بخلق مسار جديد يفضي إلى حل مقبول من الجميع.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
