تقدّم مجلة التراث الشعبي في عددها الجديد المزدوج (36–37) مرجعاً بحثياً متكاملاً للدارسين والمهتمين بالتراث غير المادي، عبر باقة من الدراسات والمقالات التي تتناول الحكاية والفنون والعادات والعمارة والنصوص الشفوية، بوصفها ركائز أساسية في حفظ الهوية والذاكرة الجمعية.
التراث الشعبي ذاكرة السوريين الحية ووحدة هويتهم
وبين وزير الثقافة محمد ياسين الصالح في مقالته التي جاءت بعنوان /التراث الشعبي وروح المكان وذاكرته الحية/، أن التراث الشعبي ليس مجرد إرث عن الآباء والأجداد، بل هو أسلوب حياة وشيفرة روح ومفتاح لفهم حاضرنا وصياغة مستقبلنا، وأن الأمم إذا كانت تقاس بما تبنيه من مصانع ومعاهد فإنها تخلد بما تحفظه من موروثها وتورثه للأجيال، واعتبر أن مسؤوليتنا جميعاً صون التراث من الاندثار ونقله بحب ووعي كنبع حي يتجدد ويعطي.
وكتب رئيس التحرير الدكتور إياد خالد الطباع في افتتاحية العدد التي جاءت بعنوان تقاليد.. إن التراث اللامادي السوري يمثل تجسيداً حياً لوحدة الشعب وتاريخه الممتد عبر آلاف السنين، إذ أفرز النصر الذي حققه السوريون على الطغيان تقاليد فريدة تجلت في الأهازيج والأغاني والأناشيد التي عبّرت عن فرح التحرير والحرية بعد زمن من العتمة والظلم، فاستعاد السوريون من ذاكرتهم ما يجسد روحهم الأصيلة وأضافوا قصصاً وحكايا عن المعاناة والصمود والاغتراب لتغدو جزءاً من الإرث الشعبي الوطني.
دمشق وريفها
كتب الباحث نبيل تللو في هذا العدد مقالين، الأول بعنوان أماكن التعليم العالي بدمشق، والثاني عن مكتب عنبر، بينما كتب هشام عدرا مقالاً بعنوان نداءات الباعة، وجاء مقال الباحث الموسيقي أحمد بوبس عن أهازيج الأولاد في دمشق أيام زمان، وجاء مقال سمر حميدي بعنوان القطيفة نسيج من تراث لا يذبل.
رحلة مع تراث المحافظات
عن إدلب، كتب عبد الحليم مشلح عما يقال من أهازيج بولادة النفساء في هذه المحافظة، وعن حماة كتب سلوم سلوم عن أغاني العرس الشعبية في بلدة كفر بهم بالماضي، ونحاتو حماة والتراث الشعبي للباحث الدكتور راتب سكر، وفي الجزيرة كتب أحمد الحسين عن الصناعات التراثية لدى نساء الجزيرة الفراتية وتقاليد العيد في الجزيرة الفراتية لعايش كليب.
وعن جبل العرب جاء مقال كمال الشوفاني عن آثار هذه المنطقة في متاحف العالم، وشعراء المحكية في جبل العرب والعيد لنصر أبو إسماعيل.
النصوص الشفوية والزخارف والعمارة
ضم باب الدراسات في التراث الشعبي مجموعة من الأبحاث التي تتناول الحكاية الشعبية بوصفها سجلاً للذاكرة الجماعية، فتقف عند أنماط السرد وبناء الشخصيات والرموز والدلالات الاجتماعية والنفسية، وتربط بين النصوص الشفوية والتحولات والدراسات التاريخية التي عاشتها المجتمعات المحلية، منها صفحة من حياة البارودي والتراث السوري لرولا عقيلي، والعمارة الطينية في سوريا لزياد ميمان، ومن أمثال العامة والمولدين في التراث للدكتور محمد قاسم.
وتناولت دراسات أخرى الفنون الشعبية والعمارة التقليدية في علاقتها بالبيئة وبنمط العيش، مضيئةً على الرموز الجمالية في الزخارف واللباس والعمارة الريفية والحضرية، وانتقال هذه العناصر من جيل إلى آخر، ودورها في تثبيت الإحساس بالانتماء والهوية، ومنها علم النفس والأمثال الشعبية لربا ياسين، ونماذج تطبيقية في جمع الروايات الشفاهية القطرية لعلي عفيفي غازي، وليلة في البيت العربي لمنى تاجو، بينما كتبت ميساء ناجي عن الديكاميرون والموت الأسود.
القيمة العلمية للمجلة ودورها في صون الهوية
في باب آخر الكلام، استعاد الدكتور نزار أباظة صورة من جماليات الحياة الدمشقية القديمة، حيث كانت السيدات الشاميات يجتمعن في بهو البيوت العربية الرحبة، بين الليمون والياسمين، لتدور جلسات الصباح المفعمة بالقهوة ورائحة الريحان والورد الجوري، يتبادلن الأحاديث الطريفة وقراءة فناجين القهوة، في مشهد يجسد روح دمشق الإنسانية والاجتماعية الأصيلة التي تختزنها تفاصيل البيوت القديمة وعاداتها الساحرة.
ويؤكد هذا العدد المزدوج مكانة التراث الشعبي كمنبر علمي يسهم في بناء أرشيف موثق للتراث غير المادي، عبر نصوص مدعمة بالهوامش والمراجع والصور، ما يجعلها مرجعاً رئيسياً للباحثين والطلاب والمهتمين بقضايا الفولكلور والذاكرة الثقافية.
يشار إلى أن العدد الأول من مجلة التراث الشعبي ظهر عام 2011 كإصدار دوري عن وزارة الثقافة يعنى بعناصر ومكونات التراثين المادي واللامادي في سوريا، من خلال دراسات ومقالات بأقلام باحثين وخبراء مختصين.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
