آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب الأسبوع » “محاضرات في الأديان والمذاهب” للدكتور إبراهيم العاتي

“محاضرات في الأديان والمذاهب” للدكتور إبراهيم العاتي

د. عبدالحسين الطائي

تضمن المجلد الثاني(208) من موسوعة الموسم الهولندية كتاب في غاية الأهمية بعنوان:  محاضرات في الأديان والمذاهب للدكتور إبراهيم العاتي، تناول فيه الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام) بشكل دقيق ومفصل، وقدم دراسة علمية منهجية للأديان التوحيدية المختلفة والمذاهب الفكرية مسترشداً بنهج العلماء القدامى: (اهتم علماء المسلمين القدامى بدراسة الأديان والمذاهب اهتماماً كبيراً، حتى نشأ علم خاص بهذا الشأن يمكن أن نسميه علم الملل والنحل أو علم مقارنة الأديان)، العاتي: ص312. فدراسة الأديان والمذاهب والتمعن بمقاربات موضوعية فيما بينها يمثل جسراً معرفياً يربط بين الثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة، وتسهم في تنمية التفكير النقدي وبناء فهم أعمق للتنوع الفكري والديني، مع الحفاظ على الموضوعية والاحترام المتبادل بين المعتقدات. لذلك تُعدّ دراسة الأديان والمذاهب من المجالات المعرفية المهمة في العلوم الإنسانية لما لها من دور بارز في تعميق الفهم المتبادل بين الثقافات، وإثراء البحث العلمي في قضايا الفكر والاعتقاد.

جعل العاتي بحثاً مفصلاً لكل ديانة، بإطار المنهج العلمي الموضوعي، موضحاً فيه المبادىء الأساسية لكل عقيدة والتشريعات المتعلقة بها. خصص الباب الأول بفصوله الخمسة للديانة اليهودية، وأفاض في تقديم سياحة تاريخية بما تقتضيه الضرورة بالعودة إلى الجذور الأولى في التقاليد العبرانية القديمة، وتتبع تطوّرها عبر المراحل المختلفة التي مرّت بها الجماعة الإسرائيلية، بدءاً من العصور التأسيسية المرتبطة بالآباء الأوائل، مروراً بمرحلة التشكّل الديني والتشريعي، ثم العصور التي شهدت تحولات كبرى نتيجة التفاعلات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة. وقد أسهمت هذه التحولات في صياغة البنية الفكرية والطقسية لليهودية، وفي بلورة نصوصها المقدسة وتقاليدها الدينية.

وفي إطار السرد التاريخي تطرق العاتي إلى عقيدة بني إسرائيل كما صورها القرآن الكريم، لأنها إحدى أبرز الديانات التي تناولها القرآن الكريم بالذكر والتحليل في سياق عرضه لتاريخ الرسالات الإلهية ومسار الهداية الربانية للبشر. فقد ورد الحديث عن بني إسرائيل وأنبيائهم وكتبهم في مواضع متعددة من القرآن، ضمن إطار تاريخي وتربوي يهدف إلى بيان سنن الله في الأمم، وإبراز مسيرة الوحي الإلهي عبر العصور. ومن هذا المنطلق، يكتسب تناول الديانة اليهودية في ضوء القرآن الكريم أهمية خاصة في الدراسات الدينية المقارنة، لما يقدمه النص القرآني من رؤية عقدية وتاريخية تتصل بنشأة هذه الديانة وتطورها. وتطرق العاتي بوضوح إلى الفرق اليهودية العديدة مع الإشارة إلى أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، مع بيان واضح لكل مصادر الفكر اليهودي.

تناول العاتي الديانة المسيحية في الباب الثاني، كدين إلهي، مبيناً بأن النصرانية هي الاسم الأصلي، والنصارى هم  أُمة المسيح عيسى ابن مريم، وهي إحدى الديانات التوحيدية التي نشأت في سياقٍ تاريخي وثقافي معقّد في القرن الأول الميلادي ضمن البيئة اليهودية في فلسطين. ترتكز هذه الديانة في جوهرها على رسالة يسوع المسيح، الذي يُنظر إليه في العقيدة المسيحية بوصفه المخلّص وابن الله الأزلي، حيث دعا إلى تجديد العلاقة بين الإنسان والله عبر الإيمان والمحبة والرحمة.

تشكّلت البدايات الأولى للديانة المسيحية في إطار الحركة الإصلاحية داخل الديانة اليهودية، بعد أن استحالت إلى ديانة مادية متطرفة بسبب الكهنة، حيث ظهر يسوع المسيح في بيئة دينية وبشّر بتعاليم روحية وأخلاقية ركّزت على نقاء القلب، والغفران، والإخلاص لله. فاجتمع حوله عدد كبير من الأتباع وأخذت شهرته تتسع واستطاع أن ينفذ للقلوب، غير أن دعوته سرعان ما أثارت جدلاً واسعاً بين القيادات الدينية والسياسية في عصره، وانتهت بصلب الذي شُبه به حسب ما جاء به القرآن الكريم، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ…)، سورة النساء: الآية 157.

بعد حادثة الصلب المفصلية، أخذ أتباع المسيح الأوائل بنشر تعاليمه في أرجاء مختلفة من العالم، كان شاؤول بولس له الدور المحوري في نقل الرسالة المسيحية من إطارها اليهودي الضيق إلى فضاءٍ أوسع شمل الشعوب غير اليهودية، مما أسهم في تحوّل المسيحية من حركة دينية محلية إلى ديانة عالمية آخذة في الانتشار(لا نضيف جديداً لو قلنا أن بولس هو المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية وقد طور فكرة المسيح من الناحية اللاهوتية والناحية الإنسانية وجعلها تتناسب مع فكرة الانقاذ القديمة) العاتي: ص 402. ومع مرور القرون الأولى، تطوّرت البنية الفكرية واللاهوتية للمسيحية عبر النقاشات العقائدية والمجامع الكنسية، وأخذت تتبلور كمؤسسة دينية وثقافية ذات تأثير عميق في تاريخ الحضارة الإنسانية.

 وأوضح العاتي بأن فرق المسيحية الرئيسية الموجودة حالياً إنما هي متفرعة من جذور قديمة باستثناء حركة الإصلاح التي قادها مارتن لوثر في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. نشأت هذه الفرق بسبب الاختلاف العقائدي، ينقسم المسيحيون في الاعتقاد بطبيعة المسيح إلى أربع طوائف: مذهب النسطوريين، مذهب الكنائس الشرقية (الأرثوذكس)، والكاثوليك، وحركة الإصلاح الديني.

تناول الباب الثالث بفصوله الأربعة الديانة الإسلامية بكل أبعادها باعتبارها إحدى الديانات التوحيدية في تاريخ الإنسانية، التي نشأت في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي مع بعثة النبي محمد بن عبد الله (ص)، الذي يُعدّ في العقيدة الإسلامية خاتم الأنبياء والمرسلين. لقد بُني هذا الدين على منظومة عقدية وتشريعية وأخلاقية، تقوم على مبدأ التوحيد الخالص لله، وعلى جملة من القيم التي تنظّم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع.

أكد العاتي في الفصل الأول حالة الأديان والمجتمعات قبل ظهور الديانة الإسلامية، موضحاً بأن الديانة المسيحية قد اكتست الطابع الدنيوي وابتعدت عن الطابع الروحي الذي بشر به المسيح، فضلاً عن التغيير والتبديل الذي مس جوهر العقيدة المسيحية ونقلها من التوحيد إلى التثليث، بالإضافة إلى ما أصاب الجزيرة العربية من تمزق وتناحر قبلي وغيرها من الأمور التي مهدت لبزوغ فجر الإسلام. وتوسع بالفصل الثاني بمفهوم الإمامة والخلاف الدائر حولها وصولاً إلى خلافة الإمام علي ابن أبي طالب التي لم تستمر طويلاً بسبب الاشكالات التي حصلت مع معاوية بن أبي سفيان والخوارج.

خصص العاتي الفصل الثالث إلى فهم مصطلح التشيع وظروف نشأته، وأهم فرق الشيعة والفرق الأُخرى، كالجبرية والقدرية والمرجئة والمعتزلة. أما الفصل الرابع تناول فيه فرق أهل السنة الفقهية ونشأة المذهب العقائدي السني الذي أصبح المذهب العقائدي الرسمي لكثير من الدول على ضوء ما جاء به الحسن الأشعري الذي يرجع نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري.

أسهم قيام الدولة الإسلامية، وتطور مؤسسات الحكم في العصور اللاحقة مثل الخلافة الأموية والعباسية وما تلاها، في ترسيخ حضور الإسلام بوصفه ديناً وحضارةً في آنٍ واحد. كما شهدت الحضارة الإسلامية ازدهاراً علمياً وفكرياً ملحوظاً في مجالات الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والعلوم الإنسانية، ما جعلها إحدى الركائز الأساسية في تشكيل التراث العلمي العالمي.

واليوم يمثل الإسلام ديناً عالمياً يعتنقه ما يزيد على مليار ونصف المليار إنسان موزعين على مختلف القارات والثقافات، أصبح حضوره جزءاً مهماً في عالم النقاشات الفكرية والسياسية والثقافية المعاصرة، سواء فيما يتعلق بقضايا الهوية والتحديث أو بعلاقته بالنظم الاجتماعية والسياسية الحديثة. وفي هذا السياق، تتباين الرؤى حول كيفية فهم النصوص الدينية وتطبيقها في واقع متغير، الأمر الذي أفضى إلى تنوع المدارس الفكرية والاجتهادات داخل العالم الإسلامي. ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم الإسلام لا باعتباره مجرد عقيدة دينية فحسب، بل كإطار حضاري وثقافي أسهم في تشكيل مسارات واسعة من تاريخ الإنسانية.

تنبع أهمية دراسة الأديان الموحدة من كونها تسهم في تحليل البنى الفكرية والنصوص المؤسسة لهذه الديانات، واستجلاء أوجه الاتفاق والاختلاف بينها في قضايا العقيدة والتشريع والأخلاق. كما تساعد المقاربة العلمية الرصينة على تعزيز الحوار بين الأديان. والبحث في الأديان التوحيدية لا يقتصر على البعد المعرفي فحسب، بل يمتد ليؤدي دوراً حضارياً في بناء جسور التواصل الفكري والثقافي بين المجتمعات المختلفة. وبالتالي تسمح بدراسة المفاهيم المشتركة مثل الوحي، والنبوة، والخلاص، والشريعة، كما تتيح تحليل كيفية تشكّل هذه المفاهيم ضمن سياقات تاريخية وثقافية متباينة تُسهم في توسيع آفاق الفهم المتبادل بين التقاليد الدينية المختلفة.

وعليه، فإن المقاربة النقدية بين الأديان التوحيدية لا تهدف إلى التقليل من قيمتها الروحية أو تقويض بنيتها الإيمانية، بقدر ما تسعى إلى فهمها بوصفها تجارب دينية تاريخية. ومن خلال هذا الفهم يمكن إبراز أبعادها المشتركة من جهة، واستجلاء خصوصياتها العقدية والتاريخية من جهة أخرى، بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر عمقاً للتجربة الدينية الإنسانية ولإمكانات الحوار الفكري بين التقاليد الدينية المختلفة.

تتجلّى أهمية المقاربة في توسيع الأفق المعرفي وتتيح فرصة الاطلاع على منظومات فكرية وروحية متنوّعة، تسهم في إنتاج معرفة رصينة تقوم على الدقة وتنمية الوعي بتاريخ الأفكار الإنسانية وتطوّرها، وتساعد على إدراك أوجه التشابه والاختلاف بين المعتقدات، وفهم ظروف السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها. وتعزز الحوار والتفاهم بين المجتمعات من خلال الفهم العميق لمعتقدات الآخرين وتصوراتهم، وتقلل من سوء الفهم والصراعات الفكرية، بل تفتح المجال لحوار حضاري قائم على الاحترام المتبادل.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“العقل الكامن وراء الآلة” عن حياة الدكتور طلال أبوغزاله

    أطلقت مجموعة طلال أبوغزاله العالمية الرقمية كتابا فريدا جديدا بعنوان “العقل الكامن وراء الآلة”، الذي يتناول حياة الدكتور طلال أبوغزاله من وجهة نظر ...