ورد كاسوحة
التدخّل الإمبريالي الجديد، الأميركي – الإسرائيلي، ضدّ إيران، يحصل في ظلّ متغيّرات كبرى في الإقليم والعالم. هذه الحرب لا تشبه أياً من الحروب الإمبريالية التي شهدتها المنطقة، حتى في ذروة التدخّلات الأميركية ضدّ العراق، على مراحل. الجديد في الأمر هذه المرّة، ليس اتساع نطاق المعركة لتشمل القواعد الأميركية في الخليج، ولا حتى وتيرة التدمير التي تضاعفت مرّات عديدة بالمقارنة مع غزو العراق وأفغانستان، بل أساساً حصول التدخّل في لحظة تبدو فيها دول الإقليم التي كانت تقود المواجهة مع إسرائيل، لا سيّما سوريا، وكأنها خارج نطاق أيّ رّد فعل بديهي.
الهدوء الذي تشهده الساحة السورية، بخلاف جبهات إيران والخليج ولبنان، هو نتاج عوامل عدّة، أهمّها إخلاء القوّات الأميركية العاملة ضمن التحالف الدولي قواعدَها بُعَيد نشوب الحرب، ما جَعَل الجغرافيا السورية برمّتها خارج مجال التهديف الإيراني، واقتصَرَ الأمر على اعتراضات محدودة إسرائيلية للصواريخ الإيرانية في سماء سوريا، لا سيّما فوق المنطقة الجنوبية. لكن ذلك لا يفسّر وحده هذا الهدوء الحاصل، فـ«الحياد» هنا يبدو كموقف سياسي، أكثَرَ منه نتاج وضع جيوسياسي خاصّ بتموضع القوّات الأميركية خارج البلاد.
على أنّ موقف النظام السوري هنا يبدو، في سياق الحرب الكبرى الحاصلة، مجرّد تفصيل، على اعتبار أنّ الدور المناط بسوريا في هذه المرحلة لم يعد مركزياً، لا لجهة الاعتراض على القيادة الإسرائيلية للإقليم، ولا حتى لناحية الموالاة لها. والحال أنه يَظهَر، كما يتضح من مجريات الحرب وموقع البلاد منها، كمساحة عازلة، ليس أكثر، حيث موقع البلاد في ظلّ التموضعات الجيوسياسية الراهنة للحكم لم يعد يسمح لها بالتأثير في مجريات الأحداث، وجلّ المطلوب من النظام حالياً هو ألا ينحاز إلى محور في مواجهة آخر، وأن يحاول إبقاء التعبيرات السياسية عن الموقف من الحرب، إن وجدت أصلاً، تحت سقف منخفض جداً، وشبيه بالسقوف التي كانت تضعها دول الخليج لدى كلّ غزوة أميركية للعراق.
رؤية «الأفق» الذي تقود إليه هذه الحرب الإمبريالية المدمّرة يتطلّب بالضرورة مقاربة من نوعٍ مختلف، لا تكون مسبوقة بالاصطفافات القديمة
مقاربة الحرب من منظور التقزيم الحاصل للدور السوري، بما في ذلك وظيفة النخب نفسِها، سيقود حكماً إلى استنتاجات غير دقيقة، إن لم نقل خاطئة بالكامل. رؤية «الأفق» الذي تقود إليه هذه الحرب الإمبريالية المدمّرة، يتطلّب بالضرورة مقاربة من نوعٍ مختلف، لا تكون مسبوقة بالاصطفافات القديمة التي خلّفتها الحرب هنا، وتكاد لفرط محدوديتها تحجب كلَّ ما سَبَقها وما سيلحقها من تطوّرات دراماتيكية في الإقليم والعالم.
المشهد العامّ للحرب يتغيّر بسرعة، وهذه عموماً من مميّزات الحروب غير المتناظِرة، حيث «الانهيار السريع» في الأيام الأولى للقوّة الأقلّ تسليحاً وتجهيزاً، تحت وطأة التدمير الهائل لآلة الحرب الإمبريالية المزدوجة، لا يلبث أن يتعدّل قليلاً، ولكن من دون أن يصل بالضرورة إلى نقطة التوازن أو حتى – وهذا أهمّ – «الخروج من القاع».
لا شك في أنّ استهداف القواعد الأميركية في الخليج، بقوّة نارية غير تدميريّة، قد أحدَثَ تعديلاً في المشهد، مضافاً إليه الاستمرار في استهداف الداخل الإسرائيلي بالصواريخ والمسيّرات، ولكن حتى يصل الأمر إلى نقطة تتعدّل فيها موازين القوى قليلاً، لغير مصلحة التحالف الإمبريالي، لا بدّ من حصول تدخّل برّي، بالمعنى الذي تفهمه إسرائيل تماماً. حدوث هذا الأمر، ولو على نطاق محدود أو رمزي، ضدّ الذراع الضاربة للإمبريالية في هذه الحرب، سيفتح المجال للمساس بها جدّياً، بحيث يكون الثمن الذي ستدفعه مكمّلاً للجهد الذي يتولّاه الاستهدافان الصاروخي والمسيّر، لأنّ الحرب الصاروخية ليست هي الأساس في هذا النوع من الحروب، وقدرتها على رفع ثمن الحرب، بالنسبة إلى المعسكر الإمبريالي غير مضمونة من دون الدور المركزي الذي تتولّاه قوّة الإسناد والاحتكاك عبر البرّ.
في الحروب الأميركية السابقة جميعها، لا سيّما في العراق وأفغانستان، وقبلهما في فييتنام، كانت ثمّة لحظة ذروة في الزخم التدميري للإمبريالية، يبدأ من بعدها المنحنى البياني له بالجمود، ومن ثمّ حين تضيق نافذة الفرص السريعة التي انفتَحت على مصراعيها بالاغتيالات الخاطفة للزعماء السياسيين والقادة العسكريين، يصبح بالإمكان، لا نقول تعديل موازين القوى، كون الاختلال مستمرّاً ومزمِناً في هذا النوع من الحروب غير المتكافئة، بل جعل الثمن الذي تدفعه الإمبريالية لقاءَ تدخّلها، لا سيّما حين تتورط في المستنقع البرّي، أفدَح مما كانت تتصوّر بكثير.
* كاتب سوري
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
