آخر الأخبار
الرئيسية » شكاوى وردود » مرضى بلا خيارات.. تدهور الخدمات الطبية في دير الزور يدفع إلى السفر

مرضى بلا خيارات.. تدهور الخدمات الطبية في دير الزور يدفع إلى السفر

فاطمة الهادي

تعكس المستشفيات الحكومية في محافظة دير الزور حجم الصعوبات التي يواجهها القطاع الصحي، ففي مركز المدينة يعتمد آلاف السكان على مستشفيي دير الزور الوطني والفرات، إذ يستقبلان مرضى من المدينة وأريافها، إلا أن مستشفى دير الزور الوطني، يواجه اختلالات في بنيته التشغيلية نتيجة نقص ملحوظ في أعداد الأطباء الاختصاصيين والكوادر التمريضية وعمال التعقيم.

ويشير مرضى ومراجعون إلى غياب عدد من الأدوية الأساسية داخل المستشفى، ما يدفعهم إلى تأمينها من الصيدليات الخاصة على نفقتهم الشخصية وبأسعار تفوق قدرتهم المادية، وعلى الرغم من تنفيذ أعمال صيانة وترميم بدعم من جهة دولية، لا يزال المستشفى غير قادر على استيعاب الضغط المتزايد، حيث تمتد فترات الانتظار في بعض الأقسام لساعات قبل الحصول على المعاينة الطبية.

ويضم المستشفى عدداً من الأقسام، بينها قسم الإسعاف الذي يعاني نقصاً في الكادر الطبي، وقسم الأشعة الذي يقتصر عمله على الحالات الطارئة، إضافة إلى قسم غسيل الكلى الذي لا يعمل بشكل يومي، وقسمي العصبية والعظام، ويُعد قسم العظام الوحيد الذي يتوفر فيه طبيب اختصاصي على مدار الساعة، ما يجعله الأكثر اعتماداً من قبل المرضى.

أما مستشفى الفرات، الذي خضع مؤخراً لعملية إعادة تنظيم، فيضم أربعة أقسام رئيسية هي: الأطفال، والنسائية، والداخلية القلبية، والعناية المشددة، ورغم توفر أطباء مقيمين، فإن غياب الأطباء الاختصاصيين ينعكس على مستوى الخدمات المقدمة، ولا سيما في الحالات الحرجة، ويشير عاملون في المستشفى إلى أن التجهيزات الطبية المتوفرة تُعد مقبولة من حيث العدد، لكنها تعاني أعطالاً متكررة وتحتاج إلى صيانة، في وقت سبق أن تعرضت فيه مرافق صحية وبنوك دم في المحافظة لأعمال تخريب وسرقة.

رحلات علاج محفوفة بالمخاطر

هذا الواقع يدفع كثيراً من سكان دير الزور إلى تجنّب العيادات الخاصة لارتفاع تكاليفها، بينما يجد مرضى الحالات المزمنة أنفسهم مضطرين للسفر لمسافات طويلة خارج المحافظة لتلقي العلاج، في رحلات مرهقة ومكلفة، يقول سالم الميالي، وهو مواطن خمسيني من ريف الميادين، في حديث لصحيفة «الثورة السورية»: “نقطع عشرات الكيلومترات للحصول على علاج أو فحص، الرحلة متعبة، وأحياناً نؤجل العلاج لأن تكلفة السفر تفوق طاقتنا”، ويضيف أن عدداً من أبناء قريته توفوا بسبب تأخر الوصول إلى المستشفيات المتخصصة، موضحاً أن الوضع الصحي في المحافظة ما يزال دون المستوى المطلوب.

من جهتها تقول شيماء الخليل (33 عاماً)، وهي من مدينة العشارة وتعاني أمراضاً مزمنة تتطلب متابعة دورية، إنها اضطرت للسفر إلى دمشق لتلقي العلاج، مضيفة: “العلاج بعيد والتكاليف عالية، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر”، وتعرب عن أملها في تحسن الواقع الصحي، مؤكدة: “أكبر أمنياتنا أن نحصل على العلاج داخل محافظتنا، بين أهلنا، دون الحاجة إلى السفر”.

بينما تروي آمنة محمود (28 عاماً) من مدينة البوكمال أن طفلتها وُلدت بحالة صحية حرجة احتاجت إلى حاضنة، إلا أن عدم توفرها في مستشفى المدينة اضطر العائلة لنقلها إسعافياً إلى مستشفى دير الزور، وتضيف: «الطريق كان طويلاً وحالة الطفلة خطرة، ولو تأخرنا قليلاً لكنا فقدناها».

وفي مسعى لتحسين الواقع المتردي للقطاع الصحي، زار وزير الصحة الدكتور مصعب العلي محافظة دير الزور الشهر الماضي، وتفقد خلال الزيارة مستشفيي دير الزور الوطني والهويدي، وأكد العلي عبر منصة «إكس» أن الكوادر الطبية وصلت لدعم العمل الصحي، مشدداً على استمرار الجهود لتعزيز الجاهزية، كما أوضحت الوزارة أنها سيّرت عيادات متنقلة وجهّزت سيارات إسعاف لتوفير استجابة إسعافية مؤقتة إلى حين استكمال أعمال التأهيل.

ورغم هذه الإجراءات، لا يزال الواقع الميداني يعكس استمرار التحديات، إذ لم يطرأ تحسّن ملموس على مستوى الخدمات الصحية، مع استمرار الضغط على المستشفيات وامتداد فترات انتظار المرضى.

ولا يقتصر تراجع القطاع الصحي على مركز المحافظة، بل يمتد إلى الريف الشرقي، ففي مدينة الميادين لا يعمل أي مستشفى حكومي بشكل كامل، ويؤكد أطباء أن مرضى القلب والأمراض المزمنة يضطرون للسفر إلى دمشق لتلقي العلاج، في ظل غياب الخدمات الطبية الحيوية، ونقص سيارات الإسعاف، والانقطاع المتكرر للكهرباء، ما يضاعف معاناة المرضى ويؤخر حصولهم على الرعاية اللازمة.

أما في البوكمال، فتواجه المرافق الصحية انهياراً شبه كامل في بنيتها بعد تعرض «مستشفى البوكمال الوطني» لعمليات نهب وتدمير واسعة، ما أدى إلى فقدان تجهيزات أساسية، بينها أجهزة غسيل الكلى، وأدوات التخدير، ومبردات حفظ الدم، والمعدات الجراحية، ويعاني المستشفى نقصاً حاداً في الأطباء الاختصاصيين، ولا تُجرى فيه العمليات الجراحية الكبرى، الأمر الذي يحدّ من قدرته على تقديم الخدمات الطبية الأساسية، وتكمن المشكلة الرئيسية اليوم في غياب مبانٍ صالحة لاستقبال المعدات الحديثة، مع وجود إمكانية لإعادة تأهيل بعض المنشآت، مثل «مستشفى عائشة»، في حال توفر الدعم اللازم.

تحركات رسمية

قال مدير صحة دير الزور الدكتور يوسف السطام، في تصريح لصحيفة «الثورة السورية»، إن الواقع الصحي في المحافظة بعد التحرير الأول وسقوط النظام كان سيئاً للغاية، إذ لم تكن تتوفر سوى خدمات طبية محدودة وبسيطة، وكانت معظم الحالات المرضية تُحوَّل إلى دمشق لعدم القدرة على التعامل معها محلياً.

وأوضح السطام أن المستشفيات في تلك المرحلة كانت شبه معطلة، حيث اقتصر العمل على المستشفى العسكري فقط، في حين كان مستشفى دير الزور الوطني مهملاً ومتروكاً ويُستخدم كمركز تحويل إلى المستشفيات في دمشق، مشيراً إلى أن عدد المراكز الصحية لم يكن يتجاوز سبعة مراكز، وكانت تقدم خدمات شكلية تفتقر إلى الفعالية.

وأضاف أن غياب الرقابة والانضباط الوظيفي كان من أبرز سمات تلك الفترة، حيث سادت حالات الغياب وضعف الالتزام بالعمل الصحي، وبيّن السطام أنه بعد تحرير الجزيرة وانسحاب «قسد» شهد القطاع الصحي تحسناً نسبياً مع دخول منظمات إنسانية ساهمت في تعزيز مستوى الانضباط وتقديم خدمات أفضل، لكنها لا تزال دون مستوى الخدمات النوعية المطلوبة، وتُصنَّف ضمن الخدمات المتوسطة والبسيطة.

وأشار إلى أن مستشفيات ريف دير الزور كانت تقدم خدمات أولية فقط، تشمل الجراحة العامة البسيطة والنسائية والتوليد بما فيها العمليات القيصرية ومعاينة الأطفال، في ظل غياب الخدمات النوعية مثل التصوير الطبقي المحوري والرنين المغناطيسي، وهو واقع كان ينسحب أيضاً على مركز المدينة.

ولفت مدير الصحة إلى أن مرحلة ما بعد التحرير شهدت تحسناً في تجهيز المستشفيات، حيث أصبح مستشفى دير الزور الوطني مستشفى جراحة وداخلية قادراً على التعامل مع مختلف الحالات، إلى جانب مستشفى الهويدي الذي يقدم خدمات واسعة في مجالي الأطفال والنسائية، ما أسهم في تقليص عدد الإحالات إلى دمشق.

وأضاف أنه جرى افتتاح قسم للحروق في مستشفى دير الزور الوطني يقدم خدمات متكاملة، إلى جانب تفعيل مركز الأورام السرطانية الذي يقدم خدمات التشخيص والعلاج الكيميائي والمناعي، إضافة إلى إعادة تفعيل بنك الدم لتوفير الدم الطازج ومشتقاته، وتفعيل العناية المركزة التي تضم سبعة أسرّة، وقسم داخلية يحتوي على خمسة أسرّة.

وبالانتقال إلى مدينة الميادين، أوضح السطام أنه جرى تفعيل مستشفى الميادين لتقديم خدمات الأطفال والنسائية بشكل أساسي، إلى جانب الجراحة العامة والبولية والأذنية والإسعاف العام، مع تفعيل المنطقة الصحية والمراكز التابعة لها، كما تم تزويد المستشفى بجهاز تصوير طبقي محوري، والعمل على التعاقد لاستيراد جهاز رنين مغناطيسي عالي المواصفات من شركة «فيليبس» من المقرر وصوله خلال ثلاثة أشهر.

وأشار إلى تفعيل المراكز الصحية من خلال إعادة توزيع الكوادر الطبية وتسيير عيادات شاملة للوصول إلى المناطق البعيدة مثل الجُولة وكباجب والخطين الشرقي والغربي.

وفي مدينة البوكمال، قال السطام إن مستشفى عائشة جرى تفعيله لتقديم خدمات الإسعاف العام وغسيل الكلى والمخبر والأشعة البسيطة، وأوضح أن منظومة الإسعاف شهدت تحسناً ملحوظاً بعد تحرير الجزيرة، حيث باتت المحافظة تمتلك أكثر من 17 سيارة إسعاف، إضافة إلى تفعيل منظومة الطوارئ «110» التي سجلت خلال الشهر الماضي عدداً كبيراً من حالات الاستجابة ونقل المرضى.

وأضاف أن المديرية تعمل على تأمين مراكز متخصصة تقدم خدمات متكاملة تشمل التصوير الطبقي والتحاليل النوعية والعمليات الجراحية الكبرى والعناية المشددة، مشيراً إلى العمل حالياً على تجهيز مركز للقثطرة القلبية والقثطرة الدماغية في مستشفى دير الزور الوطني، إضافة إلى عناية مشددة تضم 16 سريراً.

وأكد السطام تفعيل عدد من الأطباء الاختصاصيين للتعامل مع الحالات النوعية في مجالات الجراحة الصدرية والوعائية والأذنية والعينية، بما يضمن إجراء العمليات بشكل متكامل داخل المحافظة، وفيما يخص نقص الأدوية، أشار إلى وجود دعم عبر المساعدات والشراء المباشر، مع استمرار نقص بعض الأدوية النوعية والروتينية، لافتاً إلى وضع خطة وزارية لتأمين مستلزمات الأدوية بشكل كامل خلال عام 2026.

وبيّن أن العيادات المتنقلة المستخدمة سابقاً كانت قديمة ومتهالكة، إلا أن المديرية زُوّدت مؤخراً بعيادة متنقلة جديدة وأخرى قادرة على الوصول إلى المناطق البعيدة وتقديم الخدمات الطبية.

وختم مدير صحة دير الزور تصريحه بالتأكيد على أن الحكومة تؤدي الدور الأساسي في دعم القطاع الصحي من خلال التنسيق بين وزارة الصحة والمنظمات الإنسانية والمجتمع المحلي، معرباً عن الأمل في إنجاز المشاريع المعتمدة خلال عام 2026، وفي مقدمتها إعادة ترميم مستشفى جراحة القلب ومستشفى الطب الحديث، إضافة إلى إعادة ترميم مستشفى البوكمال الوطني، بما يضمن تقديم خدمات صحية مستدامة ونوعية لسكان المحافظة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غلاء الخضار والفواكه في رمضان يدفع المواطنين إلى تقليص مشترياتهم

ميساء العلي: مع بداية شهر رمضان المبارك، تشهد أسواق دمشق ارتفاعاً في أسعار الخضار والفواكه، وسط تفاوت ملحوظ بين منطقة وأخرى، وتراجع في القدرة الشرائية، ما يضطر ...