طريف الخالدي
رئاسة ترامب هي في جزء مهم منها مسلسل أميركي تلفزيوني طويل صمّمه صاحبه (أي البطل) بعناية فائقة في حلقات يومية متتابعة، إذ نشاهد في كل حلقةٍ منه مشهداً مثيراً مذهلاً يدفعنا دفعاً إلى انتظار الحلقة القادمة وما سيأتي به البطل من أفعال أو أقوال، والتي من شأنها أن تبقي المشاهدين في حالة من الترقب المستمر. من هنا، فإن البيت الأبيض قد أضحى اليوم أشبه ما يكون بـ«ساوث فورك رانش»، معقل عائلة «يوينغ» في مسلسل «دالاس» الذائع الصيت. تُرى، ما الذي سيفعله البطل «ج.ر» غداً ليحتال على أعدائه ومنافسيه؟ ما هي آخر حِيَله للإيقاع بهم أو لتفادي مكائدهم؟ وهل من أبناء وبنات جيلي من مشاهدي مسلسل «دالاس» مَن لا يتذكّر حلقة «مَن أطلق النار على ج.ر» وصداها العالمي؟
يقال إن الذي أوحى إلى ترامب باستراتيجية التشويق المتواصل، أي «انتظروا ما سأفعل»، هو مستشاره و«عقله» السابق، ستيف بانون، الذي نبذه اليوم واستبدل به نتنياهو كـ«عقله» الجديد. لكن لا ريب أن خبرته التلفزيونية التي سبقت مساره السياسي مباشرة قد صقلت مواهبه التمثيلية ليؤدي دور المشوّق اليومي الدائم. وينبغي ألا ننسى أنه قبل وصوله إلى السياسة لم يكن يمتلك أي خبرة سياسية على الإطلاق. لذا، ليس من المستغرب أن يهتدي في سياساته وتصرفاته بما تعلّمه أثناء عمله في مسلسله التلفزيوني.
وهذا المسلسل «الترامبي» يمتدّ أمامنا في ميدانٍ خياليّ، إذ كلما تدخّل ميدان الواقع فيه لتغيير مساره، تجاهله الميدان الخيالي أو نَبَذه، أو أنقص من قيمته، أو شَتَمه، كي يعود بسرعة إلى الخيال. المهم هنا هو الإبقاء على التشويق التلفزيوني المستمر، كي يتحفنا البطل كل يوم بما استجدّ من المدهشات.
كما في المسلسلات، فإنّ معيار النجاح في سياساته العامة هو الربح المادي له ولشركائه، وعدد المشاهدين، والتشويق الذي ينبغي له ألا ينقطع ولو للحظة من الزمن
ولا بأس إذا كرّر البطل تعابيره اللفظية، ونعوته، وبذاءاته، والإفراط في صيغ التفضيل، فهذه كلها تُثبّت شخصيته عند المشاهدين وتجعلهم أشبه بشركائه في المسلسل، أو على الأقل أشبه بمن يدغدغ خياله التنبؤ بما قد يأتي به البطل في الغد.
الأهم هو أن لا يُسمح للواقع أن يعكّر صفو المسلسل. فضيحة إبستين؟ لا علاقة للبطل والمسلسل بها. أسئلة صحافية تمتّ إلى الواقع بصلة؟ يُشتم السائل ويُطرد من «الاستوديو». التهديد بالاستيلاء على بلدان أخرى؟ مجرد حِيَل وألاعيب سحرية يلعبها البطل تماماً كما يشاء ويستبدلها بحِيَل أخرى متى انقضى دورها التلفزيوني. الإبادة في غزة؟ يبني البطل قصراً خيالياً اسمه «مجلس إدارة السلام» لينشر السلام في أرجاء المعمورة كافة.
الأزمات في إيران وأوكرانيا وغيرها؟ الطرف الآخر هو دوماً مَن يتّصل بالبطل أولاً بأول، بل ويستجدي التفاوض معه لحل الأزمة. البطل ينبغي أن يكون على الدوام هو المركز ومحط الأنظار، ومن حوله حاشية من العائلة والوزراء هم أشبه بجمهور في استوديو تلفزيوني يصفّق كلما ظهرت أمامه يافطة إلكترونية تطلب منه التصفيق. ولعل ما اعترفت لي به إحدى قريباتي، عندما أخبرتها أنني بصدد الكتابة عن «استوديو» ترامب، يمثّل ما شعر به الكثيرون عند انتهاء فترة رئاسته الأولى ومجيء بايدن: «ما هذا الملل؟ أين ترامب ليُسلّينا؟» رغم أنها تحتقر كل ما يمت إلى الرئيسين بصلة.
وكما في المسلسلات، فإنّ معيار النجاح في سياساته العامة هو الربح المادي له ولشركائه، وعدد المشاهدين، والتشويق الذي ينبغي له ألا ينقطع ولو للحظة من الزمن. والمطلوب هنا هو أن يصبح اسم «ترامب» بمثابة «ماركة مسجلة» كما كانت الحال مع «ج.ر» في مسلسل «دالاس». لذا نجده شديد الاهتمام بفرض اسمه على كل ما تصل إليه يده من مؤسسات ومنشآت عامة، بل ويضع ذلك كشرط لتقديم المساعدات الفدرالية. ولو استطاع لاستبدل أميركا بـ«ترامبيا» ولعله قد يفعل، فالأمر الأهم هو أن يُخضِع الواقع لمتطلبات الاستوديو والإدمان على المشاهدة.
السؤال هو: هل وصلنا اليوم، وخصوصاً مع زلزال إبستين، إلى نقطة اصطدام فلكي بين الواقع والمسلسل؟ لا ريب أن المسلسل سوف يستنفر كل موارده ومصادر قوته لطمس تأثير هذا الزلزال، ومن بينها «حلقة» جديدة من المسلسل التي من شأنها أن تتخطى ما سبق لتنسُج أمامنا مشهداً جديداً. وبالنظر إلى فداحة قضية إبستين وامتداداتها العالمية، من المرجّح أن «يُسلّينا» ترامب فيأتينا قريباً بما هو أفدح كي يضمن للمسلسل مشاهدةً مستمرة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
