تباينت الآراء القانونية والحقوقية فيما يتعلق بالمسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين، بين من اعتبرها بحاجة لضبط كثير من المواد وتعديلها، ومن رأى أنها تراعي كافة الأسس الدستورية لدولة ديمقراطية.
والاثنين، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارا رئاسيا يقضي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت، ودعوة المواطنين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم عليها، وفق وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”.
وبحسب الوكالة، طلب عباس إتاحة المسودة “للاطلاع العام عبر المنصة الإلكترونية المخصصة للجنة الوطنية لصياغة الدستور، وفي وسائل النشر التي تقررها اللجنة”.
وأوضحت أن لجنة التنسيق والصياغة المنبثقة عن لجنة إعداد الدستور المؤقت ستتولى تسلم الملاحظات وتنظيمها ودراستها.
وذكرت أنه “سيتم تصنيف الملاحظات إلى ملاحظات جوهرية تتعلق بالمبادئ الدستورية، وأخرى فنية مرتبطة بالصياغة والتنظيم، تمهيدا لإدخال التعديلات اللازمة بما يحقق المصلحة العامة والتوافق الوطني”.
** غموض ونقص
مدير مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية (أهلي)، عمر رحال، قال إن العديد من المواد الواردة في المسودة بحاجة لتعديلات أو إيضاحات “حتى لا تترك مساحة للتأويل والتفسير”.
وتطرّق رحال في حديث للأناضول إلى المادة رقم 2 من المسودة، حيث رأى أنها نُسخت من المادة 5 في القانون الأساسي الفلسطيني “دون تحديد ماهية النظام السياسي الذي نريد”.
وعن المادة 17، قال إنها “لم تحدد بالضبط مواعيد الانتخابات”.
كما انتقد عدم تطرق المسودة للحديث عن مناهضة الإعدام، رغم انضمام فلسطين لاتفاقيات دولية، ومنها البروتوكول الثاني الخاص بمناهضة عقوبة الإعدام، لافتا إلى أن “هذا يتناقض مع التزامات فلسطين”.
من جهة أخرى، بيّن رحال أن مسودة الدستور جاءت على تأكيد الحريات الأكاديمية، دون حديث عن الحريات النقابية.
وعن المادة 82 التي تنص على أن الرئيس يوقّع ويصادق على المعاهدات الدولية، لفت رحال إلى أن الرئيس يجب أن يوقّع فقط على المعاهدات، فيما تقع صلاحية المصادقة عليها على مجلس النواب.
أما المادة 84، فرأى أنها بحاجة لـ “تعديل جوهري” لمنحها الرئيس “صلاحية خطيرة” تخوّله حلّ مجلس النواب، حيث يصبح بإمكان الرئيس ودائرة ضيقة حوله حل مجلس النواب الذين ينتخبهم الشعب “دون الرجوع لأحد”.
* “مفارقة جوهرية”
متفقًا مع رحال، رأى الخبير القانوني رائد بدوية أن مسودة الدستور المؤقت “تتجاهل السؤال الأهم” المتعلق بالمرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني.
وقال بدوية في حديث للأناضول، إن إعلان المسودة “كان يفترض أن يشكّل لحظة دستورية تاريخية، تُنهي مرحلة السلطة وتؤسس لمرحلة الدولة”.
واستدرك: “لكن القراءة المتأنّية للنص تكشف مفارقة جوهرية، وهي أن المسودة تتحدث باسم دولة قائمة، لكنها تتجاهل السؤال المركزي الذي يسبق أي دستور فلسطيني حقيقي: من هي المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني؟”.
واعتبر أن المسودة “لا تقدم إجابة واضحة عن العلاقة بين ثلاثة مكوّنات أساسية: دولة فلسطين، ومنظمة التحرير، والسلطة الفلسطينية”، مضيفا أن “هذه هي العقدة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو”.
واتفاق أوسلو المعروف بـ”إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، وُقع في سبتمبر/ أيلول 1993، بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، في العاصمة الأمريكية واشنطن.
وينص “أوسلو” على إنهاء عقود من المواجهة والنزاع، وتحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة، تبدأ بإقامة حكم ذاتي (السلطة الفلسطينية) مؤقت لخمس سنوات، ينتهي عام 1999 بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وفي هذا المجال، أكد بدوية أنه إذا لم يُحسم في نصوص الدستور أن “المنظمة هي المرجعية العليا”، وأن “المجلس الوطني هو السلطة التأسيسية”، وأن الحكومة مجرد أداة تنفيذية للدولة التي تمثلها المنظمة، فسنكون أمام دستور “يشرعن واقع السلطة بدل أن يؤسس لواقع الدولة”.
** “دستور سلطة موسّعة”
بدوية نبّه إلى أن المسودة تصف فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، “لكنها لا تبيّن كيف ستُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلاً لإدارة الحكم الذاتي المحدود”.
وأضاف أن “المسودة لا تحدد أيضًا مصير اتفاقات أوسلو، ولا العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية”.
وتعترف بدولة فلسطين 160 دولة من أصل 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، بحسب الخارجية الفلسطينية، أحدثها أعلنت اعترافها العام الماضي على خلفية جهود إنهاء “الصراع” الإسرائيلي الفلسطيني، بينها فرنسا وبريطانيا.
كما اعتبر بدوية أنه كان يفترض أن يعالج الدستور هذه الأسئلة الكبرى: “من يملك حق إعلان الدولة؟ من يفاوض باسمها؟ ومن يقرر السلم والحرب؟”.
ولفت إلى أن “غياب الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة، منه إلى دستور دولة تحرُّر وطنيّ”.
* ممارسة حق تقرير المصير
وعلى خلاف سابقيه، رأى أحمد الأشقر أستاذ القانون الدستوري في الجامعة العربية الأمريكية، أن مضمون المسودة يراعي كافة الأسس الدستورية للدولة الديمقراطية.
وقال في حديث للأناضول، إن المسودة تناولت كافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في أغلب المواثيق الدولية، مشيرًا أن تطبيق الدستور سيؤدي لحماية حقوق المواطنين وتحقيق التوازن بين السلطات الثلاث.
لكنه استدرك متحدثا عن “ملاحظات” متعلقة بالهيكلة الدستورية، وتغطية بعض جوانب القصور في التنظيم الدستوري لبعض الحقوق والحريات، وإزالة المخالفات التي قد تؤدي لهدر القيمة الدستورية للكثير من المسائل المتصلة بعلاقة المؤسسات الدستورية فيما بينها.
وأضاف: “من الناحية الوطنية، نصّ الدستور على أن القدس عاصمة دولة فلسطين ولم يحدد الغربية أو الشرقية، ولم يتناول الحدود، فيكون صالحا لكل زمان يستطيع فيه الفلسطينيون بسط سيطرتهم على أرضهم”.
وشدد الأشقر على أهمية توقيت إصدار المسودة، ذلك أن “المعركة القانونية بين إسرائيل والفلسطينيين مستعرة، في ظل إلغاء حكومة الاحتلال القوانين المتعلقة بحماية الأرض الفلسطينية من التهويد والتسريب”.
وختم بالتأكيد أن “مجرد إقرار الفلسطينيين الدستور عبر استفتاء شعبي شامل في الداخل والشتات، يؤدي لممارسة حقهم في تقرير المصير ورفض إجراءات الاحتلال عبر الواقع الذي تفرضه إسرائيل أو البلطجة القانونية”.
ووفقاً للتقديرات السكانية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد الفلسطينيين في العالم منتصف العام 2025 نحو 15.2 مليون نسمة، يعيش نصفهم تقريبا خارج فلسطين التاريخية.
ففي دولة فلسطين قُدّر عدد السكان بحوالي 5.5 ملايين نسمة، وفي الشتات تشير التقديرات إلى وجود نحو 7.8 ملايين، منهم 6.5 ملايين يقيمون في الدول العربية.
أما داخل إسرائيل، فتتجاوز نسبة الفلسطينيين 20 بالمئة من عدد السكان البالغ أكثر من 10 ملايين نسمة، ويقولون إنهم يعانون من تضييق وتهميش واستهداف تمارسه الحكومات المتعاقبة.
وفي عام 1948 أُقيمت إسرائيل على أراضٍ احتلتها عصابات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجرّت مئات آلاف الفلسطينيين، ثم احتلت تل أبيب بقية الأراضي الفلسطينية، وترفض الانسحاب وقيام دولة فلسطينية.
ومنذ بدئها حرب الإبادة على قطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 كثفت إسرائيل اعتداءاتها في الضفة الغربية، بما في ذلك القتل والاعتقال والتهجير والتوسع الاستيطاني، في مسار يرى فلسطينيون أنه يمهد لضم الضفة الغربية رسميا.
وأسفرت الاعتداءات بالضفة عن استشهاد ما لا يقل عن 1112 فلسطينيا، ونحو 11 ألفا و500 مصاب، إضافة إلى اعتقال أكثر من 21 ألفا.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
