ياسر خليل
دخلت حرب إيران أسبوعها الثالث في مرحلة تصعيد بالغة الخطورة، وبالتوازي مع ذلك، بدأت جهود ديبلوماسية مكثفة لتجنّب اتساع رقعة الصراع وتفاقم كلفته البشرية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تؤدي مصر دوراً محورياً ونشطاً.
وتستند القاهرة في تحركاتها الراهنة إلى رغبة قوى وجهات إقليمية ودولية في إنهاء الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، في 28 شباط/فبراير الماضي.
وبينما ترفض مصر بشكل واضح الانتهاكات الإيرانية والإسرائيلية ضد الدول العربية، فإنها تحافظ في الوقت نفسه على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف الفاعلة، وربما يكشف عن هذا الاتصال الذي أجراه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الجمعة، رغم علم طهران بغضب القاهرة من الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج. هذا ما يجعل القاهرة – بحسب ديبلوماسيين ومحللين تحدثت إليهم “النهار” – مرشحة لدور محوري في طرح الأفكار وتنسيق الجهود لخفض التصعيد وتجنب اتساع دائرة الحرب.
وقام وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بجولة شملت الدوحة وأبوظبي ومسقط وعمان والرياض. وتركزت محادثاته على تأكيد “دعم مصر لأشقائها العرب”، إلى جانب بحث مساعي خفض التصعيد العسكري في المنطقة.
وجاءت الجولة عقب سلسلة اتصالات أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال الأيام الماضية، مع رئيس الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وعاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة.
ويحظى الملف اللبناني باهتمام خاص لدى القاهرة، في ظل التصعيد المتواصل في الجنوب اللبناني والتوغل الإسرائيلي، وسط تأكيدات بأن قرار الانخراط في المواجهة لم يكن قراراً لبنانياً رسمياً، بل جاء في سياق حسابات إقليمية مرتبطة بـ”حزب الله”.
وأجرى عبد العاطي اتصالين هاتفيين، الجمعة، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، وتركز جانب مهم من النقاشات على وقف الانتهاكات والتوغلات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية.
تنسيق الضغوط
وترى المحللة السياسية إيرينا تسوكرمان أن ما يمنح المساعي المصرية أهمية خاصة هو قدرة القاهرة على التواصل مع واشنطن وباريس والدوحة والرياض وبيروت في الوقت نفسه، من دون أن يُنظر إليها كطرف يسعى إلى مصالح ضيقة.
وتقول تسوكرمان لـ”النهار”: “تستمد القاهرة مصداقيتها من وضع الدولة أولاً، لا من الاصطفاف مع فصيل بعينه. فالديبلوماسية المصرية تركز على استقرار الدولة، وفاعلية المؤسسات، ومنع هيمنة الميليشيات. وهذه المقاربة تلقى صدى لدى مسؤولين لبنانيين لا يزالون يؤمنون بإمكانية إنقاذ البلاد من التفكك”.
وتضيف أن الاتصالات المصرية مع أطراف أميركية وفرنسية ولبنانية وخليجية “تشير إلى محاولة لتنسيق الضغوط بدلاً من ترك الجهود الديبلوماسية تتوزع في مسارات متفرقة”.
قنوات مفتوحة
من جانبه، يرى المحلل السياسي فادي عاكوم أنه “في ظل الظروف التي مرت بها المنطقة، بقي عدد محدود من الدول القادرة على التحدث مع جميع الأطراف، ومن بينها مصر، نظراً إلى سياساتها التي تتجنب الاستفزاز وتميل إلى الحلول الوسط”.
ويضيف أن القاهرة، خلال الأزمات الإقليمية السابقة، بما فيها الخلافات الخليجية-الإيرانية، عملت على تقريب وجهات النظر، ووقفت إلى جانب سيادة الدولة في الحالات التي شهدت انقسامات داخلية.
وفي ما يتعلق بالملف اللبناني، يرى عاكوم أن “القاهرة تؤدي دوراً مهماً، خصوصاً مع الحديث عن احتمال انطلاق مسارات تفاوضية بين بيروت وتل أبيب”. ويشير إلى أن مصر، رغم تاريخها في المواجهة مع إسرائيل، نجحت في تأسيس سلام مستقر معها منذ عام 1979.
لكنه يلفت إلى أن العقبة الأبرز تتمثل في التباين حول أهداف الأطراف المعنية، إذ تضع إسرائيل أولوية لتفكيك الجناح العسكري لـ”حزب الله”، فيما تركز الولايات المتحدة على ملفّ الحرس الثوري الإيراني. ويرى أن التوصّل إلى تسوية فورية “يظلّ أمراً معقداً”، إلا أن “أي تقدّم داخلي لبناني باتجاه حصر السلاح بيد الدولة قد يفتح الباب أمام مسار أكثر استقراراً”.
أجندات متنافسة
وتعتقد تسوكرمان أن “تشتت الجهود الديبلوماسية خلال الفترة الماضية أسهم في إضعاف الضغط المنسق على حزب الله”. وتقول إن بعض الأطراف ركز على المساعدات الإنسانية، فيما ركز آخرون على وقف إطلاق النار أو العقوبات، ما سمح – بحسب رأيها – بغياب مقاربة موحدة لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة.
وتشير إلى أن التحرك المصري الحالي يسعى إلى تصحيح هذا المسار عبر الدفع نحو رسائل منسقة ترتكز على: “السيادة اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، والتدرج في أي مسارات سياسية مستقبلية”.
وترى أن تعزيز التنسيق قد يحدّ من هامش المناورة لدى الأطراف المسلحة، من خلال تقليص التباين بين الأجندات الدولية المتنافسة.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
