وصفها البعض بأنها شريكٌ إبداعي بالحقل الثقافي، فيما رآها آخرون بأنها مهد التيارات الفلسفية والثقافية المتنوعة، أما في المجتمع السوري عموماً فقد أدت المقاهي العريقة في الماضي دوراً ثقافياً وسياسياً، ومنها مقهى النوفرة الذي يعود عمره ل500 سنة، ومقاهي الهافانا والروضة والكمال.ولكن هذه المقاهي أُصيبت بالشلل خلال العقد الماضي، فهل يمكن القول إنها اليوم بعد زوال الاستبداد تلعب دوراً في الحراك الثقافي، وأنها شريكٌ أساسي فيه بما تمتلكه من ميزات لا نجدها في مكان آخر، أم تم اللجوء إليها لسد الفراغ الناجم عن عدم قيام المؤسسات الثقافية بعملها؟
ملص: عودة المقاهي الثقافية تسهم بعودة الحياة الفنية إلى سوريا
وفي هذا الإطار، أكد الفنان الممثل محمد ملص أن عودة المقاهي في دمشق لأداء دورها الثقافي بالمجتمع تسهم بعودة الحياة الفنية إلى سوريا بكل حرية، بما فيها من نقاشات وطرح الأفكار والرؤى والانتقادات، وهو ما كان محظور سابقاً، وهو أيضاً ما يعاني منه أي بلد يعاني تسلط ديكتاتور فيها، معرباً عن الأمل باستمرار ذلك وتوسيع فكرة “مسرح الغرفة” مستقبلاً لتنتشر الثقافة بالهواء الطلق وبكل مكان بما فيها الحدائق.
العيسى: المقاهي مسألة اجتماعية أكثر من كونها ثقافية
بالمقابل، أكد الصحفي والكاتب الروائي الأستاذ يعرب العيسى أنه ليس هناك دور ثقافي للمقاهي من حيث المبدأ، فهي جزءٌ من الفضاء العام، ومسألة اجتماعية أكثر مما هي ثقافية، وتكمن أهميتها كونها مكاناً لالتقاء البشر، لكن الدور الذي لعبته في المجتمع يعود لغياب الأماكن الثقافية الأخرى، رغم وجود تجارب جيدة يتم الاستشهاد بها كالمقاهي الباريسية مطلع القرن العشرين، والتي ظهرت فيها حركات أدبية وفلسفية، وكانت مكان التقاء المثقفين والأدباء الفرنسيين.
باش بيك 2
وأوضح العيسى أن المقهى بالنهاية هو مكان يلتقي فيه الناس للتعبير عما يريدونه كلعب الطاولة والشطرنج أو عقد صفقات تجارية أو التعارف، أو حوار سياسي، أما حين يكون الموضوع ثقافياً فيظهر هذا الدور الثقافي بالمقهى.
ولفت العيسى إلى أن للنشاط الثقافي أماكنه الثقافية المتخصصة الطبيعية كالمسرح وصالة السينما والمراكز الثقافية والقاعات وللمؤسسات الثقافية الأخرى، فلا يمكن التعويل على أن يأخذ المقهى دور الإعلام والأحزاب والمنتديات، بل هو إحدى صور المجتمع، والمأمول منه أن يبقى مكاناً لالتقاء الناس.
أما في سوريا وبعد التحرير فقد أصبح هناك تركيزٌ على المقاهي نظراً لأنها الفضاء الأسهل والأقرب المتاح حالياً، ولكن بعد فترة من الزمن سيتجه الناس لأماكن ثقافية أخرى، كما أي بلد، فمن الممكن ان نجد فعاليات ثقافية بأماكن مختلفة، وفقاً للعيسى.
مقهى الروضة بدمشق.. تنفس الحرية بعد الأغلال
قبل إسقاط النظام، وصفت مديرة مقهى الروضة الآنسة نور عيسى وضع المقهى الذي أُسس سنة 1938، بأنه كان في السنوات الأخيرة محفوفاً بالخوف والتقييد اللذين يطوقان ألسنة المثقفين، إضافةً لتكبيل استضافة الأنشطة بعدد لا يحصى من الموافقات الأمنية والضرائب.
باش بيك 1
لكن بعد التحرير تقول عيسى أصبح الموضوع أسهل ومصحوباً بالفرح والسعادة والأريحية والنشاط من رواد المقهى الذين يتضاعف عددهم دائماً، حيث احتفى المقهى بعدد كبير من المثقفين الذين يختارونه لتوقيع كتب وروايات ويتحدثون عنها بحرية مطلقة تعاكس الأيام السابقة، وهو ما يفخر المقهى به، مبينة أن المقهى يمكن مستقبلاً أن يوسّع عمله ويتعاون مع وزارة الثقافة واتحاد الكتاب.
ما تحدثت به عيسى أكدته مدير عام دار كنعان ومسؤولة العلاقات العامة والتسويق فيها منى رسول مبينةً أن مقهى الروضة كان ملتقى للمثقفين السوريين والعرب، ولكنه أُصيب بحالة ركود لدى اندلاع الثورة السورية، حتى حين يلتقي المثقفون فيتهامسون خوفاً من المخابرات، وهو ما انقلب جذرياً بعد التحرير لتشهد كل زاوية بالمقهى الفرح الغامر.
من جانبه، قال العامل في المقهى منذ ثلاث سنوات سامر النمر: إن معظم رواد مقهى الروضة كانوا من حزب البعث، فطاولة “الشبيح” أو “المخبر” تقع بين طاولة وأخرى، وهو ما أدى لسريان شعور الرعب والتوتر بين الناس العاديين لدرجة الخوف من النظر للطاولة المجاورة، أما الآن فانتشر التفاؤل والأمان بين رواده.
أما محمد عبد الله ٤٥ عاماً يعمل بالتجهيزات الطبية وهو من رواد المقهى، فقد رأى أن المقهى بات أكثر نشاطاً بعد التحرير، فهناك اشخاص يحاولون جعله منطلقاً لأعمالهم الجديدة، وهو ما يعد مؤشراً إيجابياً صحياً للبلد.
فكرة مقهى السينما في دمشق القديمة
من ناحية أخرى، أعادت فكرة “مقهى السينما” في فندق بيك باش بحي باب توما بدمشق القديمة إحياء دور السينما وأهميتها؛ لتكون منصة حيوية للتواصل والحوار بكل مكان وفقاً لصاحبتها رغد الباش.
وأكدت الباش أن هدف المقهى أن يكون فسحة ومتنفساً للشعب السوري ليعبّر عن رأيه دون خوف أو رقيب، ومكاناً للنقاش وتبادل الآراء، مبينة أن دمشق تفتقد لهذا النوع من الأمسيات التي تؤدي إلى تقارب ثقافي، ومقهى السينما مميز لا يشبه مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت غالباً مكاناً للتنفيس عن المشاعر فقط.
الانتقادات: الربح المادي واختصارها على النُخب الثقافية
من جهة أخرى، اعتبر الموظف لؤي محمد أن غاية المقهى من وراء نشاطات ثقافية هي الربح وليس نشر الثقافة، فهو ليس مدرسة ولا صرحاً تعليمياً، كما أن الجهة المنظمة لفعالية ثقافية تختار المقهى كمكان لمصلحتها المادية في ذلك، والعمولة منه، وإلا كان بإمكانها تنظيمها بأماكن لها رمزيتها الثقافية والأدبية والعلمية كالمكتبة الوطنية أو المركز الثقافي، ما يلغي أي دور محوري يلعبه في نشر الثقافة.
بدوره، قال الناشط المدني الحقوقي طلال سعيّد: لقد واكبتُ الفعاليات التي نُظمت في المقاهي منذ عودتي من تركيا إبان سقوط النظام، وللأسف هذه النشاطات ما زالت حكراً على النخب الثقافية؛ إذ يتوجب أن ينضم لها كل أطياف المجتمع، معرباً عن الأمل بتوسيع فكرة الفعاليات الثقافية لتنتشر بكل مكان في الهواء الطلق كالحدائق وقاعات المتحف الوطني.
أخبار سوريا الوطن١-سانا