آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » مقاومة روحية في وجه التلاشي” لقصيدة الشاعر علي نفنوف ” سأظل أرفع لوحتي”

مقاومة روحية في وجه التلاشي” لقصيدة الشاعر علي نفنوف ” سأظل أرفع لوحتي”

 

د.نادية العوض

القصيدةصرخة وجودية تتكئ على وعيٍ فلسفي حاد، وتنهض من حافة العدم لا لتستسلم له، بل لتحدّق فيه طويلًا.
الذات هنا ليست مجرد “شبح يتنفس خطأ”، بل كائن مأزوم بالمعنى، يشعر كأنه مشطوب من دفاتر السؤال، وكأن العالم لم يعد يعترف بوجوده المعرفي ولا الرمزي. هذه الصورة تستدعي أفقًا وجوديًا قريبًا من أسئلة العدم والاغتراب؛ حيث يتحوّل الإنسان إلى ظلّ في مدينة لا ترى ، في إشارة إلى عالم فقد حساسيته الأخلاقية والروحية.
فلسفياً النص يشتغل على جدلية الوجود والعدم:اللوحة المرفوضة، القصيدة المهزومة، الغباء المزمن الذي يقنع الذات بأن للعدم طعمًا يستحق الانتظار… كلها استعارات تشير إلى وعي مأساوي، لكنه واعٍ بذاته. وهنا تكمن قوة النص: فهو لا ينهار، بل يعترف بانكساره ويحوّله إلى موقف.
أما روحيًا فثمة نزعة نبوئية خفية في قوله:
“سأظل أرفع لوحتي في وجه العميان”
إنه فعل إيمان بالكلمة رغم السخرية، ورهان على قارئ يولد من الغبار. هذه الروح لا تشبه روح اليائس، بل روح المتصوف الذي يرى في الصمت ريحًا قابلة للبشارة. فحتى في أقصى درجات التهميش، تبقى هناك شرارة رجاء، وإن جاءت في هيئة “صدفة”.
النص إذن ليس مجرد شكوى، بل موقف وجودي أخلاقي:
أن تكتب رغم السخرية،
أن ترفع لوحتك رغم العمى،
أن تؤمن بأن قارئًا ما سيولد من غبار العدم.
الأفق الوجودي وقوة الذات
ينطلق النص من مساحة اغتراب حاد، حيث يعرّف الشاعر ذاته بوصفها “شبحا يتنفس خطأ”. غير أن هذا التعريف لا يعكس ضعفا بقدر ما يكشف وعيا مأساويا عميقا بالوجود. فالذات هنا تدرك إقصاءها وتسمّيه، وتحوّل الإلغاء إلى خطاب.
عبارة “رجل مشطوب من دفاتر السؤال” تحيل إلى إلغاء معرفي وأخلاقي في آن، وكأن العالم لم يعد يعترف حتى بحق هذه الذات في أن تكون سؤالا. غير أن المفارقة تكمن في أن النص ذاته يعيدها إلى مركز المعنى؛ فالكتابة تصبح فعل استعادة للوجود، ورفع اللوحة يتحول إلى إعلان صريح بأن الشطب لا يعني الفناء.
إنها ذات تقف في وجه المحو، لا بالصراخ، بل بالإصرار.
الإبداع بوصفه مقاومة.
٠في مشهد ساخر وقاس، تضحك الأرصفة من القصيدة، وتسخر القطط الجائعة من قوافيها، هذا التوصيف الصادم لا يهدف إلى إظهار هزيمة الشعر، بل إلى كشف واقع لا يرى في الجمال ضرورة.
ومع ذلك، تبقى القصيدة مكتوبة.
تبقى اللوحة مرفوعة.
هنا يتحول الإبداع إلى فعل مقاومة. فالقصيدة لا تنتظر تصفيقا، بل تمارس وجودها رغم السخرية. إن القيمة لا تُستمد من التلقي، بل من فعل الخلق ذاته. والكاتب حين يستمر في الكتابة رغم الإهانة، فإنه يعلن أن الإبداع ليس ترفا اجتماعيا، بل ضرورة وجودية.
الجرأة في البوح وتعرية الذات.
يبلغ النص ذروته في اعترافه الصادم:
“غباء مزمن يقنعني كل مساء أن للعدم طعما يستحق الانتظار”.
هذه الجملة تمثل قمة الجرأة في البوح. فالذات لا تتزين ببطولة زائفة، ولا تتخفى خلف خطاب مثالي، بل تكشف هشاشتها كاملة. غير أن هذه الهشاشة نفسها تتحول إلى شكل من أشكال القوة؛ لأن الاعتراف بالانكسار هو أول خطوات تجاوزه.
إن البوح هنا ليس شكوى، بل تعرية واعية للواقع وللنفس معا.
البعد الروحي وإيمان الاحتمال.
على الرغم من قتامة الصور، ينتهي النص بومضة رجاء:
“لعل الصدفة تلد قارئا من غبار”.
في هذه الخاتمة يتجلى البعد الروحي للنص. فالإيمان بقارئ يولد من الغبار ليس تفصيلا عابرا، بل هو إعلان خفي بأن الكلمة قادرة على أن تجد روحا تشبهها، حتى في أقسى الظروف.
إنها روح تشبه روح المتصوف الذي ينثر كلماته في الريح، مؤمنا أن الصمت ذاته قد يحمل بشارة.
وختاما
ليس هذا النص بيان يأس، بل بيان عناد.
ليس إعلان هزيمة، بل إصرار على الحضور.
اللوحة المرفوضة تتحول إلى موقف،والقصيدة المهزومة تتحول إلى شهادة،والشبح يصبح صوتا لا يمكن شطبه.
إنه نص يؤكد على قوة الذات ،ينطلق من مساحة اغتراب حاد، حيث يعرّف الشاعر ذاته غير أن هذا التعريف لا يعكس ضعفا بقدر ما يكشف وعيا مأساويا عميقا بالوجود. فالذات هنا تدرك إقصاءها وتسمّيه تحوّل الإلغاء إلى خطاب.
إنها ذات تقف في وجه المحو لا بالصراخ، بل بالإصرار على الكونية والابداع.
الدكتوره نادية العوض كاتبة وشاعرة فلسطينية

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

`”اعطونا الطفولة” معرض يعيد ذكريات الطفولة في ثقافي طرطوس

  ضمن فعاليات أسبوع الخط العربي والفن التشكيلي، احتضن المركز الثقافي العربي في طرطوس صباح يوم الأحد معرضاً فنيّاً تشكيلياً بعنوان: (اعطونا الطفولة) للفنان التشكيلي ...