يوسف فارس
لا تتوقّف المخطّطات الإسرائيلية – الأميركية لمستقبل قطاع غزة، الذي أضحى بعد عملية «طوفان الأقصى» عقدةً تستوطن الهواجس الأمنية الإسرائيلية بلا أفقٍ لمعالجةٍ حقيقية، عن التناسل. وآخرُ ما تفتّقت عنه أفكارُ ما يُسمّى «مجلس السلام» يتمثّل في مناقشة إنشاء عملة رقمية مُشفَّرة مستقلة خاصة بالقطاع. ويأتي هذا الطرح، وفق ما رُوّج له، بوصفه حلاً لأزمة السيولة الحادّة التي تعانيها غزة نتيجة منع الاحتلال إدخال العملات الورقية منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
وبحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، التي كشفت عن تلك المعلومات في تقرير مطوّل نشرته أول من أمس، يقود المستثمرُ في مجال التكنولوجيا ليران تانكمان، المرتبط بمكتب تنسيق أعمال حكومة الاحتلال في المناطق المحتلة، الجهودَ الرامية إلى تطبيق الفكرة، علماً أنه يعمل حالياً مستشاراً متطوّعاً في «مجلس السلام». والجدير ذكره، هنا، أن الشيكل الإسرائيلي هو العملة الرئيسة المُتداولة في المعاملات اليومية في الأسواق الفلسطينية، وبين المؤسسات الحكومية الفلسطينية والقطاع الخاص، وهو أيضاً العملةُ التي تُصرف بها رواتبُ الموظفين العموميين وغالبية موظفي القطاع الخاص.
وأدّى التداول اليومي للعملة الورقية، ومنع تجديدها من قبل سلطات الاحتلال، إلى اهتراء المخزون النقدي في القطاع، ما دفع الغزيين إلى الاعتماد على حلول بديلة، من بينها عملياتُ الشراء والتداول عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية.
ونقلت الصحيفة عن تانكمان قوله، خلال فعالية في واشنطن، إن «إعادة بناء غزة تتطلّب استعادة اتصالها الرقمي والاقتصادي»، مشيرة إلى أن الرجل عرض تصوّراً لإنشاء عمودٍ فقريٍّ رقمي آمنٍ يتيح المدفوعات الإلكترونية والتعليم والخدمات المالية، إلى جانب نظام لوجستيّ على غرار منصات التجارة العالمية الكبرى، مثل «أمازون».
مخطّطات تسعى إلى إعادة تشكيل قطاع غزة كحيّزٍ «منزوع السيادة المالية»
غير أن المشروعَ الذي يُطرح بوصفه حلاً إبداعياً لأزمة العملة الورقية في القطاع يستبطن، وفق تقديرات اقتصادية، أهدافاً أكثر خطورة، إذ يرى الخبير الاقتصادي، محمد أبو جياب، أننا «أمام بناء منظومة مالية ذات أبعاد أمنية غرضها فرض هيمنة اقتصادية تتحكّم في مسارات ومفاصل الحياة الاقتصادية في غزة»، مع ما يعنيه ذلك من «انكشاف لخصوصيات المواطن الفلسطيني وأدقّ تفاصيل حياته الاقتصادية والاجتماعية، بل وإمكان التلاعب مستقبلاً بسلوكه الاستهلاكي وتحديد مسارات الإنفاق العام من حيث الطريقة والاستهداف السلعي وتأمين الاحتياجات». ويضيف أبو جياب، في حديث إلى «الأخبار»، أن هذه المنظومة هدفها تجفيف ما يُسمّى «تمويل الإرهاب» والفصائل الفلسطينية، ومنع تمويل ما يُعرَّف حديثاً بـ«الفكر المعادي للتعايش والسلام»، وذلك عبر استخدام الأدوات الغربية كافة من دون قيد أو شرط، والسعي لتحقيق أهدافٍ واستراتيجياتٍ كانت يوماً ما حُلماً بعيد المنال بالنسبة إلى الاحتلال وعدد من الأنظمة في المنطقة والإقليم.
وفي السياق ذاته، حذّر «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» (مقرّه جنيف)، في بيانٍ، من تحوّل «المحافظ الرقمية» التي يجري الحديث عنها من قبل ما يُسمّى «مجلس السلام»، إلى «جيل جديد من أسلحة الإبادة الجماعية الصامتة في غزة». وأشار إلى وجود مخطّطات إسرائيلية – أميركية لإعادة تشكيل قطاع غزة كحيّزٍ «منزوع السيادة المالية»، وذلك عبر تجريده من العملة النقدية وفرض انتقال قسري إلى نموذج اقتصاد رقمي تُمسِك مفاتيحَه جهات خارجية متحالفة مع إسرائيل، بما يحوّل الوصول إلى المال والمعاملات الأساسية من حقّ أصيل إلى امتياز قابل للسحب. ونبّه المرصد إلى أن «هذا المشروع يجعل الغذاء والدواء والسكن رهائن لقرارات أمنية وتقديرات عسكرية، في إطار هندسة قسرية لإعادة تشكيل الحياة اليومية ودفع السكان نحو مسارات إفقارٍ وتهجيرٍ تُدار عبر التكنولوجيا». كما لفت إلى أن قائد المشروع، تانكمان، سبق أن ارتبط اسمه بمسار إنشاء وتشغيل «مؤسسة غزة الإنسانية»، التي تسبّبت باستشهاد وإصابة مئات الفلسطينيين خلال توجّههم إلى تسلّم مساعدات إنسانية وغذائية من نقاط توزيع تشرف عليها واشنطن وتل أبيب، وكان لها دورٌ في «هندسة التجويع» في غزة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
