آخر الأخبار
الرئيسية » الغذاء » من أرشيف المطبخ السوري.. قصة المتبل “المريب” والكبة وحلاوة الجبن

من أرشيف المطبخ السوري.. قصة المتبل “المريب” والكبة وحلاوة الجبن

الأطباق الشعبية ليست مجرد وصفات محفوظة، بل وثائق حية تختزن تاريخا من الجدل الطبي، والتحولات الاقتصادية، وتغير الذائقة، وانتقال المعرفة من الجرن إلى السوق.

من المتبل الذي حمل الباذنجان فيه إرث الريبة الطبية قبل أن يستقر كطبق أيقوني، إلى الكبة التي جمعت القمح باللحم في معادلة غذائية واجتماعية معقدة، وصولا إلى حلاوة الجبن التي كسرت واحدا من أقدم الخطوط الفاصلة بين المالح والحلو؛ تكشف هذه الأطباق عن مسار طويل من الابتكار الصامت، صاغته اليد أكثر مما دونته الكتب، والسؤال الأعمق: كيف ولماذا وصل هذا الطعام إلينا بهذا الشكل؟

  • المتبل

المتبل ليس مجرد طبق جانبي على موائد المشرق، بل خلاصة مسار طويل من الجدل الطبي والتجريب الطهوي والتحولات الثقافية. فمن ثمرة نُظر إليها بريبة في كتب الطب الوسيط، إلى طبق ثابت الحضور في المطبخ الشامي المعاصر.

الباذنجان بين الطب والريبة

قبل أن يصبح الباذنجان مكونا أساسيا في المطبخ العربي، كان موضع تحفظ في الأدبيات الطبية القديمة. فقد تعامل أطباء القرون الوسطى مع هذه الثمرة بحذر، في إطار نظرية الأخلاط السائدة آنذاك، معتبرين أن الإكثار منها أو تناولها من دون معالجة مناسبة قد يكون ضاراً.

وتشير كتب الطب التقليدي إلى ضرورة تغيير ماء الباذنجان أو طهيه جيدا لتقليل حدته، وهي ملاحظات لم تكن استثنائية، بل طبقت على خضروات أخرى دخلت المطبخ العربي في مراحل متأخرة نسبيا. هذا التوجس لم يكن عربيا حصرا؛ ففي أوروبا العصور الوسطى حمل الباذنجان أسماء تعكس الريبة الصحية أكثر مما تعكس طبيعته الغذائية.

من البورانية إلى أطباق الباذنجان المهروس

رغم التحفظ الطبي، وجد الباذنجان طريقه مبكراً إلى مطابخ الحواضر. وتعد “البورانية” من أقدم الأطباق الموثقة التي اعتمدت عليه، كما وردت في كتب الطبيخ العباسية، وعلى رأسها “كتاب الطبيخ” لمحمد بن الحسن البغدادي في القرن السابع الهجري.

إعلان

تعتمد وصفات البورانية على سلق الباذنجان وتقشيره ثم هرسه وخلطه باللبن والثوم والملح، مع تقديمه أحيانا مزينا باللحم المقلي. وتكشف هذه الوصفات عن ذائقة حضرية تميل إلى القوام المتجانس والأطعمة اللينة، بما ينسجم مع التصورات الطبية والغذائية السائدة في تلك المرحلة.

أما الروايات التي تربط اسم “البورانية” بشخصيات تاريخية بعينها، فتبقى في إطار الحكايات الشائعة التي يصعب الجزم بصحتها توثيقيا، رغم انتشارها في الأدبيات الحديثة.

تحولات الوصفة بين الأقاليم والذائقة المحلية

ويمكن تتبع تطور المتبل عبر مسارات جغرافية وثقافية تداخلت فيها طرق الطهي مع توافر المكونات وتغير الذائقة.

في بغداد العباسية، ساد أسلوب يعتمد على سلق الباذنجان وخلطه باللبن والثوم، مع حضور محدود للحم كعنصر مكمل أو تزييني، وهو ما يعكس مطابخ البلاط والمطابخ الحضرية.

في حلب، المدينة التجارية المفتوحة على الأناضول وبلاد الشام وبلاد الرافدين، تطورت وصفات الباذنجان بإضافة عناصر حمضية مثل الليمون أو دبس الرمان، قبل أن تدخل الطحينة لاحقاً بوصفها مادة رابطة أساسية. هذا التحول نقل الطبق تدريجيا من كونه “بورانية باللبن” إلى صيغة أكثر كثافة وقربا من المتبل المعروف اليوم.

أما في بلاد الشام عموما، فقد برز مع الزمن أسلوب شوي الباذنجان مباشرة على النار أو الفحم بدلا من سلقه. ورغم أن هذه التقنية لا تحظى بتوثيق واضح في كتب الطبيخ الوسيطة، فإنها أصبحت لاحقا سمة مركزية في إعداد المتبل، لما تمنحه من نكهة مدخنة تقلل من المرارة وتعزز عمق الطعم.

المتبل بصيغته الشامية المعاصرة

نتيجة هذا التراكم التاريخي، استقرت وصفة المتبل في المطبخ الشامي الحديث على توازن واضح بين الباذنجان المشوي والطحينة والحموضة المعتدلة.

يعتمد الطبق اليوم على باذنجان أسود كبير الحجم يشوى مباشرة على اللهب حتى يتفحم القشر ويطرى اللب، ثم يقشر ويهرس يدويا للحفاظ على القوام. تحضر الطحينة بخلطها مع عصير الليمون والثوم والملح، ثم تدمج مع الباذنجان المهروس. ويقدم المتبل في طبق مسطح، مزينا بزيت الزيتون، مع إضافات اختيارية مثل الرمان أو الأعشاب، وفق الذائقة المحلية.

المتبل والبابا غنوج: اختلاف الاسم لا الجوهر

تشير دراسات حديثة في تاريخ الطعام إلى أن التمييز بين “المتبل” و”البابا غنوج” ليس موحدا في جميع المناطق. ففي كثير من بلاد الشام، يدل المتبل على الباذنجان المشوي مع الطحينة، بينما يُستخدم اسم بابا غنوج لأشكال أخف تعتمد على الباذنجان المشوي مع الخضروات المفرومة ودبس الرمان، من دون طحينة.

ويعكس هذا التعدد طبيعة المطبخ العربي ذاته، حيث لا تحكم الوصفات بقوانين صارمة، بل تتشكل وفق البيئة والذائقة والتقاليد المحلية.

  • الكبة

ليست الكبة مجرد طبق تقليدي في مطبخ بلاد الشام، بل ثمرة مسار طويل تشكل عند تقاطع البيئة الزراعية مع تقنيات إعداد اللحم، وتحوّلات المجتمع والاقتصاد عبر الزمن.

عرفت حضارات الشرق الأدنى القديم، ومنها حضارات بلاد الرافدين، أساليب متعددة لمعالجة اللحم، كالفرم والدق والهرس، باستخدام أدوات حجرية مثل المدقّ والجرن. وتكشف النصوص الأثرية، ولا سيما تلك التي تصف الولائم الملكية في العصر الآشوري، عن تنوع واسع في طرق تحضير اللحوم وتتبيلها وطهيها. غير أن هذه الشواهد، على أهميتها، لا تثبت وجود طبق يماثل الكبة بصيغتها المعروفة اليوم، بل تشير إلى سياق تقني وغذائي عام مهد لاحقا لظهور أطباق قائمة على اللحم المدقوق والمشكل.

تدوين اللحم المدقوق في العصر العباسي

مع ازدهار التدوين في العصر العباسي، دخل فن الطبخ حيّز التأليف المنهجي. ويورد كتاب الطبيخ لمحمد بن الحسن البغدادي، في القرن السابع الهجري، وصفات متعددة تعتمد على اللحم المدقوق والمشكّل في هيئة كرات أو أقراص، تُطهى في المرق أو تُقلى في الدهن، وأحياناً تُحشى بالمكسرات. ورغم التشابه التقني بين هذه الوصفات وما يعرف اليوم بالكبة، فإن مصطلح “كب”» لا يرد صراحة في هذه النصوص، كما لا يظهر البرغل باعتباره عنصرا أساسيا، ما يشير إلى مرحلة تطورية سبقت تشكّل الكبة بصيغتها الشامية.

البرغل ونشأة الكبة الشامية

يمثل إدخال البرغل – القمح المسلوق والمجروش – نقطة التحول الحاسمة في تاريخ الكبة. فقد ارتبط البرغل بالبيئة الزراعية في بلاد الشام، حيث شكل مادة غذائية أساسية قابلة للتخزين الطويل، وركيزة لما يُعرف بـ”مونة البيت”. وفي هذا السياق، نشأت الكبة بوصفها مزيجاً متوازناً من اللحم والقمح، يجمع بين البروتين الحيواني والغلال، ويحقق كفاءة غذائية واقتصادية في آن واحد.

إعلان

وتعد الكبة النية التعبير الأوضح عن هذا التحول؛ إذ تعتمد على لحم طازج جداً يُدق فور الذبح ويمزج بالبرغل الناعم والتوابل، ويُقدّم كطبق احتفالي مرتبط بالمناسبات الاجتماعية. وقد وصف عدد من الرحالة والمراقبين الأوروبيين، منذ القرن الثامن عشر، الكبة النيّة في مدن مثل حلب ودمشق بوصفها طبقاً محلياً له طقوسه الخاصة.

التنوع الجغرافي وتعدد الصيغ

مع انتشار الكبة، تكيفت مع البيئات المحلية وتقاليدها الزراعية. ففي بلاد الشام، ارتبطت الكبة بالبرغل ارتباطا وثيقا، وتطورت تقنيات تشكيل دقيقة جعلت من التكبيب فنا قائما بذاته، ولا سيما في حلب التي اشتهرت بتعدد أصناف الكبة وثراء ابتكاراتها.

الكبة.. طقس اجتماعي

تجاوزت الكبة كونها طعاما لتغدو ممارسة اجتماعية متكاملة. فقد ارتبط إعدادها بعمل جماعي، خاصة في دق اللحم والبرغل داخل الجرون الحجرية، وهو جهد مشترك يحوّل الطهي إلى حدث اجتماعي مسموع ومرئي داخل الحي. كما ظهرت صيغ بديلة في فترات الشدة الاقتصادية، مثل “كبة القمح” أو “كبة الحيلة”، حيث يقلل اللحم أو يستعاض عنه بالخضروات أو المكسرات، بما يعكس قدرة هذا الطبق على التكيف مع الظروف المعيشية المتغيرة.

  • حلاوة الجبن

في رحلة الأكلات السورية التراثية، تبرز حلاوة الجبن بوصفها واحدة من أكثر الحلويات تعبيرا عن براعة المطبخ الشامي. تتمدد العجينة البيضاء اللدنة بين أيدي الطهاة بمرونة لافتة، تُفرد وهي ساخنة حتى تصبح غلالة ناعمة لامعة، تتشرب قطرات القطر المعطر بماء الزهر، قبل أن تُطوى برفق حول قلب ناصع من القشطة الطازجة، وتُتوَّج بحبات الفستق الحلبي الأخضر. مشهد مثير، يخفي وراءه رحلة تاريخية طويلة، تطرح سؤالا جوهريا: كيف انتقل الجبن، بوصفه مادة مالحة صلبة أنتجت أساسا للحفظ والتخزين، إلى عنصر رئيسي في واحدة من أكثر الحلويات الشرقية رقة؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى جذور الجبن في المطبخ العربي الوسيط، حيث ارتبط اسمه زمنا طويلا بالغذاء الضروري لا بالتحلية. فقد وثقت كتب التراث الغذائي، مثل “كنز الفوائد في تنويع الموائد”، أنواعا من الأجبان المالحة والمكبوسة، كجبن الحلوم، صُممت لتقاوم الفساد وتُخزن لأشهر طويلة، وتشكّل زوادة أساسية للأهالي في مواسم القحط والسفر. في هذه المرحلة، كان الجبن مكونا وظيفيا خالصا، بعيدا عن أي استخدام حلوي.

هوية تصنعها اليد والذاكرة

غير أن خيال الطهاة لم يقف عند حدود الوظيفة. ففي المخطوطات الأندلسية والمغاربية التي تعود إلى القرن الثالث عشر، تظهر محاولات مبكرة لكسر هذا القالب الصارم. يورد “كتاب الطبيخ في المغرب والأندلس” وصفة تعرف باسم “قرص”، تعتمد على عرك الجبن بقوة حتى يتلاشى طعمه المالح وقوامه الأصلي، ثم مزجه بالدقيق وبياض البيض لتشكيل أقراص تُقلى بالزيت وتُغمر بالعسل. لا تمثل هذه الوصفة “حلاوة الجبن” بصيغتها المعروفة اليوم، لكنها تكشف عن فكرة محورية: إمكانية تحويل البروتين الحيواني إلى عجينة حلوة عبر المعالجة الحرارية والميكانيكية، وهي فكرة ستتكرر لاحقا في مطابخ أخرى.

وبالتوازي مع ذلك، كانت مطابخ المشرق العربي تطور التجربة الثانية المكملة لهذه المعادلة، وهي هندسة العجائن القائمة على السميد. فقد وثق “كنز الفوائد في تنويع الموائد” أطباقا مثل “السميدية”، تعتمد على طبخ السميد مع السكر والدهن والمياه العطرية حتى يتماسك القوام ويقذف دهنه. وتدل هذه النصوص على أن تقنيات تطويع السميد وتحويله إلى قاعدة حلوة متماسكة كانت راسخة قبل قرون، ما مهد لاحقا لاندماجه مع الجبن في وصفة واحدة أكثر تعقيدا.

في فضاء المذاق الشامي الحديث، التقت هاتان التجربتان التاريخيتان لتتبلور “حلاوة الجبن” بصيغتها المعروفة اليوم. لم تعد الوصفة أقراصا مقلية، بل أصبحت فنا قائما على سحب الجبن من ملوحته عبر النقع، ثم طهوه ببطء مع السميد الناعم وشراب السكر. وتتطلب هذه العملية صهرا حراريا متواصلا وعجنا يدويا شاقا، حتى يذوب الجبن والسميد في جسد واحد مطاطي شديد النعومة. تُفرد العجينة وهي ساخنة لتتحول إلى رقائق رقيقة، تُحشى بالقشطة الغنية وتُقدَّم مغمورة بالقطر المعطر.

ومع مرور الزمن، خرجت حلاوة الجبن من نطاق المطابخ الخاصة لتحتل مكانها في الأسواق. ولم تعد مجرد طبق يُحضر للمناسبات، بل تحولت إلى حرفة قائمة بذاتها، تتطلب مهارة وخبرة في ضبط الحرارة والنِسَب والتوقيت. وأسهم هذا الانتقال في توحيد شكل الحلوى وتثبيت هويتها البصرية، مع الحفاظ على جوهرها القائم على الطهو اليدوي.

وفي مدن وسط وشمال بلاد الشام، مثل حماة وحمص وحلب، اكتسبت حلاوة الجبن ملامحها النهائية. ففي هذه الحواضر، تكرست تقنية الفرد الرقيق والحشو بالقشطة، وأصبح استخدام أجود أنواع الفستق الحلبي جزءا لا يتجزأ من هوية الطبق. ومع الوقت، تحولت هذه الحلوى إلى علامة ثقافية سورية، تحمل بصمات المكان الذي صاغها وأتقنها.

إن التأمل في رحلة حلاوة الجبن، من قوالب مالحة صلبة صُممت للحفظ، إلى غلالة حلوة تذوب في الفم، هو في جوهره قراءة في روح المطبخ الشامي وقدرته على الابتكار. فقد استطاع هذا المطبخ تطويع الملوحة لتصبح حلاوة، ودمج خشونة السميد بصلابة الجبن لإنتاج نسيج واحد مرن ودقيق. وهكذا، لا تبدو حلاوة الجبن مجرد حلوى، بل تعبيرا عن هوية ثقافية حية، تمتص التناقضات وتحوّلها إلى بهجة خالصة، صاغتها النار واليد، وحفظتها الذاكرة عبر الأجيال.

تكشف هذه الأطباق الثلاثة أن المطبخ السوري ليس مجرد سجل للوصفات، بل أرشيف حي لتاريخ اجتماعي وثقافي طويل.

 

 

 

 

 

اخبار  سورية الوطن 2ـوكالات _الجزيرة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أرز بالتوابل والمكسرات والزبيب

أطباق الأرز بالتوابل من الأطباق الشرقية الغنية بالنكهات الشهية، حيث يقدم كطبق رئيسي مناسب للعزائم على سفرة رمضان إلى جانب اللحوم والدجاج، ويتميز برائحة التوبل ...