جورج عيسى
هناك، يظهر المعنى الحقيقي للداروينيّة العسكرية؛ في الميدان الأوكراني وأجوائه.
خلال الأيام الأولى للغزو، وحين كان الرتل الروسي الشهير معطّلاً على الحدود مع كييف، كانت مسيّرات “بيرقدار” التركية تفتك بالدبابات كما بخطوط الإمداد الروسية. ساهمت تلك المسيّرات في الدفاع الناجح عن العاصمة كييف. لاحقاً، يبدو أن تركيا أوقفت إمداد الأوكرانيين بصناعتها، ربما بطلب من الروس، مع العلم أنها عاودت الظهور في أوكرانيا سنة 2025 بحسب تقارير.
في هذا الوقت، كانت إيران ترسل مسيّراتها إلى روسيا، وساعدتها على توطين تلك الصناعة هناك. باتت روسيا تصنّع مسيّراتها “جيران-2” بناء على النسخة الإيرانية من “شاهد-136”. وفي 2023، كانت أوكرانيا تحصل على مسيّرات أميركيّة من بينها “سويتش بلايد”.
بدأ انفلاش حرب المسيّرات، على مستوى التصنيع والاستخدام والتأثير، سنة 2024. في الواقع، كان العالم بأسره تقريباً قد تأخّر عن اللحاق بهذا التطور. في تقرير سابق بعنوان: “حرب المسيّرات: الأضعف يعلّم الأقوى”، ذكرت “النهار” كيف ندم بعض الإسرائيليين، عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، لأنهم رفضوا عرضاً أوكرانياً سابقاً للتعاون في مجال المسيّرات.
اللافت في سنة 2024، أنّ المسيّرات بدأت تؤدي الدور الأكبر والأوضح في عدد الخسائر الروسية حتى وصلت مساهمتها أخيراً إلى 70 وحتى 80 في المئة من تلك الخسائر. وكانت 2025 محورية لحرب المسيّرات، أكانت في تحقيق الاختراقات وإجراء التجارب ونقلها سريعاً إلى التصنيع فالخطوط الأمامية.
طبعاً، كانت روسيا قادرة أيضاً على الابتكار والمرونة. بدأ ذلك خصوصاً مع المسيّرات العاملة على الألياف الضوئية المحصّنة من التشويش، وقدرتها على زيادة التصنيع بشكل سريع وكبير ولا ينتهي بتمكّنها من استهداف مراكز التحكّم بالمسيّرات. لكنّ كل ذلك لم يؤدّ إلى اختراق ميدانيّ. صمد الطرف الأضعف، وللتذكير، نجح في الشهر الماضي باستعادة نحو 400 كيلومتر مربع من الأراضي. الأهمّ أنّ مسيّراته باتت محطّ اهتمام في الولايات المتحدة والشرق الأوسط مع اندلاع الحرب على إيران.
ولأسباب وجيهة جداً
لا ينحصر الأمر في بروز شركات أوكرانية عدة لتصنيع الأسلحة المضادة للمسيّرات. التقنية والفاعلية والكلفة أمر بالغ الحيوية هنا. تبلغ سرعة بعض المسيّرات الأوكرانية مثل “ستينغ” نحو 300 كيلومتر في الساعة، وبإمكانها بسهولة اصطياد مسيّرات “شاهد-136” التي لا تتجاوز سرعتها 185 كيلومتراً في الساعة. وثمة شركة أوكرانية تصنّع مسيّرات بهذا الاسم: “صيّادة شاهد”. ونقلت “فايننشال تايمز” عن مسؤول أوكراني قوله: “هناك حرفياً 12 شركة تصنّع اعتراضات حركيّة – مسيّرات رباعية المروحيات أو مسيّرات ذات أجنحة ثابتة ببضعة آلاف الدولارات للقطعة الواحدة”.
كانت مسيّرات “ستينغ” لـ “وايلد هورنيت” (الدبابير الجامحة) الأوكرانية بارعة في اصطياد المسيّرات إلى درجة نسبِ “فوكس نيوز” صورها إلى القوات الأميركية في البداية، قبل أن تصحّح ذلك في وقت لاحق. وتقول الشركة إن مسيّراتها الاعتراضية كبّدت روسيا نحو 2.3 مليار دولار من بينها نحو 4 آلاف مسيّرة من طراز “شاهد” أو “جربيرا” (الروسية). و”جربيرا” هي أصغر بقليل من “شاهد-136”.
Wild Hornets’ STING shoots down seven mor
الأهم أن “ستينغ” تمكنت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي من إسقاط مسيّرة “جيران-3” أو “شاهد-238” التي تحلّق بسرعة أكبر في بعض الأحيان (600 كيلومتر) وعلى مستوى أكثر ارتفاعاً. كما تستطيع بلوغ مسافة 2500 كيلومتر. تتراوح التقديرات بشأن كلفة مسيّرات “شاهد” بين 30 ألف و70 ألف دولار، في مقابل ما معدله 4 آلاف دولار للمسيّرة الأوكرانية المضادة. لا مجال للمقارنة هنا مع صاروخ اعتراضي من منظومة “باتريوت” حيث تبلغ كلفته نحو 3 ملايين دولار.
وهناك أيضاً مسيّرات “الأخطبوط” من الجيل التالي التي تُطوّر بالشراكة مع البريطانيين. هي تستطيع مطاردة المسيّرات المنخفضة التحليق وتستخدم تقنيات التعرّف إلى الصورة والمعالجة المدمجة. تطير عمودياً وعصية على التشويش بحسب محللين غربيين.
تعدّ هذه المسيّرات أفضل بكثير من نظيرتها الأوكرانية الأخرى لأنها تتطلب منصّات إطلاق أقل تعقيداً وقادرة على التحليق على مستويات عالية لتواجه “جيران-2” الروسية، من بين أمور أخرى. كان من المفترض البدء بتصنيع نحو ألف مسيّرة من هذا النوع في شباط/فبراير الماضي.
للمفارقة، تبدو المسيّرات الروسية بشكل عام واحدة من أصغر التهديدات لأوكرانيا إذ إنها “مفهومة بشكل جيّد وتُهزم بسهولة” وفق البعض. هذا بالرغم من أن روسيا أطلقت في الشتاء الحالي نحو 19 ألف مسيّرة نحو أوكرانيا.
وحتى أبعد من الدفاع
حصول دول الخليج العربي على المسيّرات الأوكرانية لن يمنحها فقط مزايا دفاعية إضافية وخفضاً للضغط على مخزوناتها من الصواريخ المكلفة. أظهر الميدان الأوكراني أنه يمكن تحويل المسيّرات من الهجوم إلى الدفاع وبالعكس. بمعنى آخر، إن توجه آلاف المسيّرات الأوكرانية الاعتراضية إلى ترسانات دول الخليج يمنح الأخيرة قدرة كامنة هجومية، مما يوجه رسالة ردع إضافية إلى إيران.
من نافلة القول إنه لا يمكن اعتبار أي سلاح حلاً سحرياً للمعارك. تعمل المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية ضمن منظومة دفاعية متكاملة (رادارات، مستشعرات، منصّات برّيّة ومائيّة…) وفاعليتها الدفاعية خاضعة لتقديرات متفاوتة، إنما يبقى حدها الأدنى بحسب التقارير الأوكرانية 60 في المئة وقد تصل إلى نحو 80 في المئة.
وبعكس الروس الذين تمكّنوا من تطوير مسيّراتهم بهدوء، لأنهم غير مراقَبين في الداخل، يصعب أن يعمل الإيرانيون على ابتكار مسيّرات جديدة قادرة على تفادي الدفاعات الأوكرانية، بسبب تعرضهم لقصف جوي لا هوادة فيه.
ببساطة، إذا كان بإمكان أوكرانيا المساهمة في بناء “جدار المسيّرات” لحماية حدود أوروبا الشرقية، فبإمكانها المساهمة أيضاً (ولو بشكل أقل) في بناء جدار شبيه في الشرق الأوسط لتعزيز حماية دول الخليج العربي من المسيّرات الإيرانيّة. وفي الوقت نفسه، ستنقل معها خبرتها إلى القطاعات الدفاعية المحلية، مما يشكّل استثماراً إيجابياً لأمن الخليج العربي، على المدى البعيد أيضاً.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
