هلال عون
يشكل الفقر اليوم أحد أبرز التحدّيات التي تواجه الاقتصاد السوري، كونه واقعاً ملموساً يؤثّر على حياة ملايين المواطنين وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
ومع تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن عقود من الفساد وسوء الإدارة خلال فترة النظام المخلوع، برزت بعد التحرير الحاجة الملحّة إلى تقييم الوضع المعيشي ووضع رؤى اقتصادية جديدة لمعالجة هذا الواقع، ما يعكس أولويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
وأكّد وزير المالية الدكتور محمد يسر برنية، في تصريحات خلال ورشة اللجنة الوطنية للحماية الاجتماعية، التي عقدت في دمشق هذا الأسبوع، أنّ ما تحقّق من إنجازات خلال السنة الأولى من عمر الدولة الجديدة تجاوز بكثير ما تحقّق في دول مماثلة خرجت من صراعات، وذلك بشهادة المؤسسات الدولية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ هذه الإنجازات ما زالت تواجه تحدّيات تتعلّق بتحسين مستويات المعيشة، ومكافحة الفقر، وتوفير الخدمات الأساسية.
وفي هذا الإطار، يبرز مصطلح “اقتصاد الفقراء” باعتباره توصيفاً لحال الاقتصاد الوطني، كما طرحه الخبير الاقتصادي يحيى السيد عمر، الذي يرى أنّ هذا المفهوم يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة السياسات المطلوبة، ودور الدولة، وإمكانية الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء مسار تنموي أكثر توازناً وعدالة.
وقال السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية“، إنّ الواقع المعيشي الراهن يجعل الاقتصاد الوطني فعلياً “اقتصاد الفقراء”، ما يستدعي اعتماد أدوات استثنائية لإعادة التوازن الاجتماعي، وإيجاد صيغة دستورية تكفل الحقوق الأساسية للمواطنين وتنظّم اختصاصات الدولة الاقتصادية، بحيث يصبح التدخّل العام موجّهاً لحماية الحدّ الأدنى من القدرة الشرائية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الفعليين.
من جانبه، قدّم عضو نقابة الاقتصاديين السوريين عبد الكريم الناعم، قراءة مزدوجة لمفهوم “اقتصاد الفقراء”، معتبراً أنّه نتيجة تداخل فشل طويل الأجل مع ظروف طارئة قاسية.
وأوضح الناعم لصحيفة “الثورة السورية” أنّ سوريا عانت لعقود من سياسات اقتصادية “مركزية وغير شفافة، وضعف في الإنتاجية، واعتماد مفرط على موارد محدودة كالنفط والزراعة التقليدية، إلى جانب فساد هيكلي أضعف بنية الاقتصاد”.
وتفاقم الوضع بفعل العقوبات الدولية، وانهيار البنية التحتية، وهجرة رأس المال والكفاءات، ما دفع الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة من الانكماش. ويحمّل الناعم سوء الإدارة الحكومية خلال فترة النظام المخلوع مسؤولية كبيرة عن تآكل القدرة الشرائية عبر سياسات نقدية لم تحقّق الاستقرار المطلوب، إضافة إلى الفشل في ضبط الأسواق، واتّباع سياسات دعم غير مستهدفة أهدرت موارد دون تحقيق استقرار حقيقي للأسعار.
أما رجل الأعمال غياث الشماع، فيركّز على البعد البنيوي، معتبراً أنّ الفقر في سوريا نتج عن تراكم سياسات خاطئة كرّست الاتكالية، وعزّزت البطالة المقنّعة عبر تضخّم العمالة غير المنتجة في القطّاع العام، إلى جانب سياسات دعم لم تحقّق العدالة الاجتماعية المنشودة.
وأضاف لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ المرحلة السابقة أسهمت في انخفاض القدرة الشرائية، وتراجع الإنتاج، ومحدودية فرص العمل، فضلاً عن تراجع المساعدات الإغاثية، ما أدّى إلى اتّساع رقعة الفقر. كما يحمّل الشماع سياسات النظام المخلوع مسؤولية مباشرة عن تراجع الوضع الإنتاجي، وانعكاس ذلك على قوّة الليرة والقدرة الشرائية.
تحديث التشريعات
يشدّد السيد عمر على أنّ الخروج من حالة الفقر عبر تشريعات قديمة لم يعد ممكناً، ما يتطلّب إطاراً قانونياً جديداً يعترف بالفقر كحالة طارئة تستوجب حلولاً سريعة وفعّالة.
ويقترح السيد عمر سنّ قوانين واضحة لدعم الدخل وحماية المستهلك، مع متابعة دقيقة لتقييم أثر هذه الإجراءات على حياة الناس اليومية.
وفي الإطار ذاته، يحذّر الناعم من استمرار العمل بتشريعات قديمة بسبب الجمود التشريعي والبيروقراطية، إضافة إلى أولوية الاستقرار الأمني على حساب الإصلاح الاقتصادي، وغياب رؤية تنموية طويلة الأمد، فضلاً عن غياب رأس المال المهاجر الذي يمكن أن يشكّل رافعة للنمو.
ويرى أنّ استمرار العمل بالقوانين السابقة يستوجب الإسراع في استكمال البنية التشريعية، عبر مؤسسة برلمانية فاعلة تمارس دورها في تحديث القوانين وسنّ التشريعات اللازمة لمواكبة التحوّلات الاقتصادية. ويشدّد على أنّ رفع الدعم دون إنشاء شبكات أمان اجتماعي فعّالة زاد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفاً.
قواعد البيانات
أكّد الناعم أنّ معوقات وصول الدعم إلى مستحقيه تشمل الفساد الإداري، وغياب قاعدة بيانات دقيقة، وتعدّد القنوات الوسيطة، وضعف الرقابة والمحاسبة، فضلاً عن تسرّب جزء من الدعم إلى السوق السوداء.
وأشار وزير المالية إلى أن غياب التكامل بين قواعد البيانات قد يؤدي إلى ازدواجية في البرامج وهدر في الموارد، كما قد يتسبب في استبعاد غير مقصود لبعض الفئات، وضعف ثقة المواطن بالمؤسسات العامة. وأضاف أن كل ليرة تُخصص للحماية الاجتماعية يجب أن تصل إلى مستحقيها وتُحدث أثراً ملموساً، موضحاً أن تحسين كفاءة الإنفاق الاجتماعي بنسبة 10 بالمئة فقط يمكن أن يوسّع نطاق التغطية ليشمل مئات آلاف الأسر الفقيرة.
وقال برنية: إن أي جهة لا تمتلك بمفردها الصورة الكاملة عن الأسر الفقيرة والمحتاجة، ما يستدعي شراكة ومقاربة حكومية شاملة تقوم على التكامل والتنسيق وتبادل المعلومات ضمن أطر قانونية واضحة. وأشار أيضاً إلى أن البيانات الدقيقة تتيح الانتقال من الدعم الشامل إلى الاستهداف الذكي للفئات المستحقة، وتساعد في تقييم أثر السياسات، وربط برامج الحماية الاجتماعية مع برامج التشغيل، ودعم الأنشطة الإنتاجية، وتنمية المهارات.
وبحسب برنية، من المقرر العمل على دمج بيانات الحماية الاجتماعية ضمن التخطيط المالي متوسط وطويل الأجل لوزارة المالية، في إطار استراتيجية الوزارة 2026-2030.
مقترحات وحلول
قال وزير المالية: إن مواجهة الفقر اليوم، بوصفه “متعدد الأبعاد”، تتطلب معالجة تحديات تحسين مستوى الدخل، وتطوير سبل العيش، وتوسيع نطاق الخدمات الأساسية، وتعزيز القوة الشرائية، وخلق فرص العمل، مشدداً على أنه لا يمكن مكافحة الفقر من دون رصده وقياسه وتحديد أبعاده بدقة، كما لا يمكن تصميم سياسات فعالة من دون معرفة الفئات الأكثر هشاشة، وأماكن وجودها، واحتياجاتها الفعلية.
كما شدد برنية على أن الحد من الفقر يتطلب توفير موارد مالية مستدامة، وتنمية اقتصادية شاملة، ووضع آلية لمراجعة السياسات من زاوية تراعي الفقراء، إضافة إلى دعم برامج رفع المهارات، وإعادة التأهيل الوظيفي، وتمويل المشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، والشركات الناشئة.
وكشف برنية عن العمل، بالتنسيق مع الوزارات الأخرى، على إعداد استراتيجية وطنية لمكافحة الفقر ترتكز على تحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل، ودعم الفئات الأكثر هشاشة، مؤكداً أن الهدف هو القضاء على الفقر خلال سنوات قليلة من خلال استعادة سبل العيش الكريمة.
وفي الإطار ذاته، يقوم النموذج الذي يطرحه السيد عمر على حماية الحد الأدنى من القدرة الشرائية، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز النشاط الاقتصادي المحلي، إلى جانب برامج مؤقتة لتخفيف الضغوط المعيشية، مع الحفاظ على استدامة الموارد العامة، بهدف وضع مسار عملي يعكس أولويات المجتمع الحالية، ويمهد الطريق نحو سياسات أكثر فاعلية.
من جانبه، أكد الناعم أن دعم المشروعات الصغيرة يمكن أن يكون حلاً حقيقياً إذا توفرت آليات تمويل فعلية، واستشارات فنية، وتسهيلات إجرائية، وبنية تحتية مناسبة، لكنه يقر بأن هذا الدعم ما يزال في معظمه خطاباً نظرياً بسبب غياب الأدوات التنفيذية.
واقترح إجراء عاجلاً يتمثل في إنشاء صندوق نقدي مستقل، وإصلاح النظام المصرفي، وتوحيد سعر الصرف، وإعادة هيكلة الدعم باتجاه شبكة أمان نقدية مستهدفة، وإصلاح ضريبي تصاعدي وعادل، مع مكافحة فعلية للفساد، مشيراً إلى أن المشكلة هيكلية وتتطلب إصلاحاً جذرياً في بنية الحوكمة الاقتصادية، لا مجرد إجراءات إسعافية.
بينما رأى الشماع أن المشكلة تبدأ من غياب تعريف دقيق لقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وضعف ثقافة ريادة الأعمال، مشدداً على ضرورة تطوير ثقافة العمل وتعزيز مفاهيم الريادة والابتكار عبر التعليم العام والمهني، وتأمين متطلبات النجاح من تمويل وإجراءات ترخيص وإدارة.
مرحلة انتقالية
لا ينبغي أن يتحول مفهوم “اقتصاد الفقراء” إلى قدر دائم، لكن يمكن اعتباره مرحلة انتقالية تُدار بوعي وجرأة، وفق ما يرى الشماع، مؤكداً أن حماية القدرة الشرائية ضرورة اجتماعية، لكنها لا تكفي ما لم تترافق مع إعادة بناء قاعدة إنتاجية حقيقية.
واعتبر أن التحدي اليوم يتضمن توزيع الموارد الشحيحة بعدالة، إلى جانب إيجاد موارد جديدة عبر تحفيز الإنتاج، واستعادة الثقة بالعملة الوطنية، وإعادة هيكلة الدعم ليصبح أداة تمكين لا أداة استنزاف.
وأشار إلى أن أي إصلاح اقتصادي لن ينجح دون إصلاح مؤسسي يعزز الشفافية والمساءلة، ويحد من الفساد، ويوفر بيئة جاذبة للاستثمار المحلي ورأس المال العائد من الخارج، فالمعادلة الصعبة تكمن في الجمع بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.
ورأى الشماع أن الانتقال من “اقتصاد الفقراء” إلى “اقتصاد الفرص” يتطلب رؤية وطنية شاملة تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، وتستند إلى بيانات دقيقة وتشريعات مرنة وإدارة اقتصادية حديثة، فمفهوم الفقر الأوسع يشمل غياب الفرص، وضعف الإنتاج، واختلال في توزيع الأدوار.
كما دعا إلى تكثيف النقاش حول هذا المفهوم ليشكل خطوة أولى في مسار إصلاحي حقيقي، يعيد للاقتصاد السوري عافيته تدريجياً، ويضع الإنسان في صلب العملية التنموية، بوصفه غاية التنمية ووسيلتها في آن معاً.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
