آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » من “القيصر” إلى “اسمي حسن”… الدراما تكسر صمت السجون وتستعيد ذاكرة القهر

من “القيصر” إلى “اسمي حسن”… الدراما تكسر صمت السجون وتستعيد ذاكرة القهر

علي المسعود

تستحوذ السجون تحديدا وما شهدته أقبيتها وزنازينها من جرائم تعذيب وإخفاء قسري وإعدامات على اهتمام صناع الدراما، بعدما كانت معالجتها من المحرمات . القهر واحد والاذلال وفن التعذيب في سجون الانظمة الديكتاتورية. شهدت الأعمال الدرامية الرمضانية هذا العام تجرؤًا ملحوظًا على كشف الستار عن جوانب مظلمة من تاريخ سوريا والعراق، خاصة تلك المتعلقة بالسجون وسياسات القمع التي عرفتها كلا البلدين ولعقود طويلة . تصوير مشاهد قاسية لسجناء مكبلين وهم جاثمون تحت صراخ سجان، لم يعد مجرد لقطة عابرة، بل أصبح جزءًا من سرديات درامية تسعى لتسليط الضوء على واقع مرير كان طي الكتمان .

دراما رمضان تعيد فتح جراح السجون والمعتقلات في سوريا والعراق

لم تعد السجون العربية موضوعا محظورا في الدراما كما كان في السابق. فقد كشفت الأعمال الرمضانية هذا العام جوانب مظلمة من تاريخ القمع في سوريا والعراق، عبر سرديات درامية توثق التعذيب والإخفاء القسري، حيث أعادت مسلسلات “القيصر: لا مكان لا زمان” و”الخروج إلى البئر” و”اسمي حسن” فتح ملفات الذاكرة المؤلمة بجرأة فنية وإنسانية . تشابة اساليب الإعتقال والتحقيق و التعذيب في تلك الزنازين في المسلسلين السوري والعراقي . المسلسل السوري ( القيصر : لامكان ولا زمان)، من إخراج ( صفوان نعمو)، يتألف العمل من 30 حلقة موزعة على عشر ثلاثيات، كتب كل واحدة منها مؤلف مختلف، ضمن رؤية درامية موحدة، شارك في صياغتها عدد من أبرز كتاب الدراما السورية، بينهم نجيب نصير، عدنان العودة، زهير الملا، لؤي النوري، ومؤيد النابلسي .ويشارك في بطولة “القيصر” نخبة من نجوم الدراما السورية، يتقدمهم عبد الحكيم قطيفان، غسان مسعود، سلوم حداد، صباح الجزائري، فادي صبيح، فراس إبراهيم، أنس طيارة، سامر إسماعيل، فايز قزق، مهيار خضور، نانسي خوري، دانا مارديني، جوان خضر، وتيسير إدريس، إلى جانب عدد كبير من الوجوه الشابة . وقامت بغناء  شارة  العمل الفنانة السورية أصالة نصري بشكل مؤثر وصادق ، من كلمات وألحان ( حسان زيود)  . جاءت أغنية ( من كم سنة) تحمل وجعاً  كبيرأ :” قوي ضرباتك ياظالم ..راسي ما بينحني) كما تقول في  مقطع منها .

مسلسل” القيصر – لا مكان لا زمان ” يعتمد على 10 ثلاثيات كل واحدة تحكي قصة منفصلة تسلط الضوء على الوجع السوري وتعري الشخصيات النافذة والفاسدة التي تتحكم بمفاصل الحياة اليومية للانسان السوري . يمزج المسلسل بين الدراما التوثيقية والواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي الاقتصادي مستنداً الى شهادات حقيقية من داخل المعتقلات السورية، ليقدم سردًا دراميًا يوثق الانتهاكات التي وقعت خلال سنوات الثورة السورية في حبكة تجمع البعد الإنساني بالتناول الواقعي الصادق. قصص المسلسل  ترصد كواليس الحياة اليومية للسوريين في ظل منظومة     حكم سيطر عليها  نظام ديكتاتوري فاسد إدارياً ومالياً والذي ترك أثره  على لقمة العيش وعلاقات السوريين بعضهم ببعض. شهادات حقيقية من داخل السجون السورية، توثق “الانتهاكات والجرائم” خلال فترة حكم الأسد الديكتاتوري . يشير إسم قيصر مباشرةً الى ضحايا السجون العسكرية والأفرع الأمنية خلال عامي 2011 و2013، وفجيعة الأسر التي علمت بمقتل أبنائها من خلال هذه الصور، من دون أن يستلموا رفاتاً أو وثائق رسمية للوفاة . أي أن هذا الملف هو مأساة وطنية ، ويمثل نكبة مئات الألوف من ذوي الشهداء . يرتبط اسم المسلسل قيصر بحدثين: الأول : هو عندما استخدم “فريد المذهان”، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم الأدلة القضائية في الشرطة العسكرية سابقاُ إسم (قيصر ) للتخفي حين سرّب عشرات آلاف الصور والوثائق لضحايا التعذيب من داخل السجون والمعتقلات السورية عام 2013، وهو الاسم الحركي لفريد المذهان الذي سرّب ما يقرب من 55 ألف صورة مروعة لضحايا التعذيب في سجون النظام السوري  ، عشرات ألآلاف من  الصور لجرائم الرئيس الهارب بشار الأسد للمعتقلين سوريين قتلوا تحت التعذيب في الأقبية والسجون بتصوير جثث المعتقلين الذين قتلوا تحت التعذيب . منذ الأيام الأولى للثورة، كانت الجثث تتدفق إلى المشرحة، وكان يوثق يومياً نحو 15 جثة، لكن مع تصاعد القمع الوحشي، ارتفع العدد ليصل إلى 50 جثة يومياً قبل انشقاقه في عام 2014 . والثاني : عندما فرضت الولايات المتحدة قانون العقوبات قيصر عام 2019 بناءً على ما كشفه المذهان، الذي أعلن اسمه الحقيقي بعد الإطاحة بالأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024 . مسلسل “قيصر، لا وقت، لا مكان” نقلة نوعية في الدراما السورية، حيث يخوض في قضايا كانت تُعتبر سابقًا من المحرمات، متناولًا فترة ما بعد سقوط النظام بكل ما حملته من تغيرات، وصراع القوى، وانعكاسات ذلك على المجتمع السوري . ويعد العمل خطوة جريئة تسلط الضوء على ما جرى خلف جدران السجون، ليكشف للمشاهد تفاصيل قد تكون ظلت طي الكتمان لسنوات .  يقدم شهادات وتجارب مبنية على قصص حقيقية من داخل السجون السورية خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011 . يعرض من خلال ثلاثيات درامية قصصاً مستقاة من حكايات واقعية لمعتقلين ومغيبين قسراً في سجون نظام بشار الأسد ، و يغوص المسلسل في تفاصيل البيوت ليُظهر كيف تسلل القمع والانتهاك إلى لقمة العيش وعلاقات الناس ببعضهم البعض، وموثقا الانتهاكات والجرائم في عهد النظام السوري المخلوع . يعرض مسلسل بعنوان “القيصر، لا زمان ولا مكان”، شهادات وتجارب من داخل المعتقلات خلال سنوات الحرب .

هناك العديد من الأعمال الدرامية التي تناولت  قصص السجون والتعذيب والإخفاء القسري. ويستعيد مسلسل “الخروج إلى البئر” عصيانا شهده سجن صيدنايا عام 2008 ، عندما انتفض السجناء على الجنود وسيطروا على السجن. كتابة ( سامر رضوان) وإخراج ( محمد لطفي) ، يعدّ سجن صيدنايا من أكبر السجون في سوريا، وكان مخصصا للمعتقلين السياسين . وهو يشكل وصمة عار في تاريخ حكم عائلة الاسد وجرحا مفتوحا لعشرات آلاف العائلات السورية . في أحد مشاهد الحلقة الأولى، يتعرض المعتقلون فور وصولهم إلى سجن صيدنايا لـ”ترحيب” على طريقة السجانين: إهانات وشتائم وضرب وحشي، قبل أن يخاطبهم آمر السجن بالقول “هذا (المكان) لا يسمى سجنا، اسمه مطهر”، مضيفا “إما ان تطهروا أرواحكم وعقولكم من الأفكار الخبيثة، وإما سأدعكم تشتهون نار جهنم ولا ترونه . يعيد المسلسل فتح ملف سجن صيدنايا، متتبعاً مصائر معتقلين سابقين، وما خلّفته التجربة من تصدعات نفسية واجتماعية، ضمن طرح إنساني جريء يلامس العدالة، الذنب، والخلاص المؤجل . يروي المسلسل قصة سلطان الغالب (جمال سليمان) ، سجين سابق يُعرض عليه الإفراج مقابل تنفيذ مهمة سرية خطرة في العراق لصالح النظام، في صفقة تربط حريته بإنقاذ عائلته. كما يشكل العمل مراجعة درامية لمرحلة دقيقة من تاريخ سوريا بين عامي 2007 و 2008، وهي الفترة التي شهدت سيطرة السجناء على سجن صيدنايا، وما تبع ذلك من مفاوضات معقدة وصراعات داخلية . إضافة إلى دخول التيارات السياسية بخلفياتها الأيديولوجية والعرقية على خط الأحداث، وانعكاس ذلك على العلاقة المتوترة مع النظام الأمني . في عتمة سجن صيدنايا السيئ السمعة، تخرج حكاية سلطان الغالب، المقاتل الذي شرع سلاحه ضد الاحتلال الأمريكي في العراق قبل أن يجد نفسه خلف القضبان السورية، يصبح فجأة ورقة اللعب الأهم في يد اللواء ناصيف . يُعرض على سلطان صفقة مستحيلة: نيل حريته ولم شمل عائلته المشتتة مقابل العودة إلى العراق في مهمة سرية وخطرة، وهي إقناع رفيق سلاحه القديم وقائد الفصيل المسلح هشام الغزال بالدخول في تحالف سري مع النظام .

المسلسل العراقي ” إسمي حسن” قراءة مرحلة كاملة من تاريخ العراق

في فضاء عراقيّ كانت هناك خلطة درامية ممزوجة بالوجع العراقي المزمن  ، يعيد الى الذاكرة حكاية أجيال إكتوت جداً بنار الدكتاتوريات والحروب والحصارات والأوجاع التي لا مسرّات تفصل بينها، وما ذلك سوى الفعل الدرامي الرائع (إسمي حسن)  . يعيد السيناريست  المبدع “حامد المالكي ” إلى الدراما العراقية بعد غياب طويل، ومن إخراج ” سامر حكمت ” ، وهو عمل درامي أحداثه تدور في  بداية ثمانينيات القرن الماضي . مسلسل (إسمي حسن) من إنتاج شبكة الإعلام العراقي ضمن منحة  رئيس الوزراء الخاصة بالدراما التلفزيونية، وعرضته على شاشة القناة العراقية العامة .لم يكتفِ ” حامد المالكي” بسرد الأحداث السياسية، بل غاص في الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفها الظلم والاضطهاد . تميز النص بقدرته على جعل “حسن” رمزاً لكل عراقي واجه آلة القمع بصمت وصمود ، ونجح الكاتب  في توثيق الوجع العراقي في تلك الفترة . وقد أشير  في بداية الحلقات إلى أن العمل يستند إلى وثائق رسمية  .  إعتمد الكاتب “حامد المالكي “في كتابة المسلسل على وثائق حقيقية حصل عليها من جهات موثوقة . فكرة المسلسل استوحاها الكاتب “حامد المالكي ” من البرنامج التلفزيوني الشهير (تلك الأيام) الذي يقدمه الدكتور ( حميد عبدالله) حين كتب على على صفحته الشخصية في الفيسبوك قائلاً : “استوحى كاتب الدراما المعروف الصديق “حامد المالكي “فكرة مسلسل (إسمي حسن) الذي يعرض عبر شاشة قناة العراقية من مضمون حلقة من برنامج (تلك الايام) عرضنا فيه وثيقة صادرة من الأمن العامة تتضمن اعتقال ٩٠ شخصاً يحملون إسم حسن على خلفية البحث عن متهم واحد إسمه حسن ، بعدعرض الحلقة إتصل بي الصديق المبدع حامد المالكي  واستأذنني  في أن يحول مضمون الحلقة إلى عمل درامي، وظل يتواصل معي لعدة أشهر حتى تكللت جهوده بإنتاج هذا المسلسل الذي كانت له أصداء واسعة على المستويين المحلي والعربي.. هكذا تولد الاعمال الإبداعية الكبيرة من فكرة تلتقطها موهبة كاتب مبدع فتتحول إلى عمل سيخلده التاريخ ” . المسلسل يسلط الضوء بجرأة غير مسبوقة على ملفات الاعتقالات العشوائية والإعدامات التي طالت الشباب والطلبة (مثل حادثة طلبة كلية الطب) دون ذنب سوى الحلم بوطن جميل  وحياة أفضل .

إعتاد الكاتب المبدع “حامد المالكي ” على تدوين “تاريخ الوجع العراقي” في الكثير من أعماله السابقة ، ولكن في عمله الجديد  “اسمي حسن” توثيق لمرحلة  من مراحل النضال السياسي في العراق، لم يكتفِ بسرد الأحداث السياسية، بل غاص في الآثار النفسية والاجتماعية التي خلفها الظلم والاضطهاد. تميز النص بقدرته على جعل “حسن” رمزاً لكل عراقي واجه آلة القمع بصمت وصمود . المسلسل العراقي يتطرق لقضايا اجتماعية حساسة ولافتة عاشها العراقيون في ثمانينيات القرن الماضي . ويوثق تفاصيل دقيقة من الحياة السياسية والاجتماعية للعراقيين في تلك الفترة . ويتناول تأثير السياسة في تلك الحقبة الزمنية على الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية ،  المشاهد التي صوّرت السجون، والملاحقات،  والفقر المدقع ، الافتات السوداء لأسماء الشهداء الذين سقطوا في الحرب( العراقية- الإيرانية ) في ثمانينيات القرن الماضي .  حكاية المسلسل تبدو وكأنها وثيقة تاريخية وليست مجرد تمثيل . هذا ما جعل الجمهور العراقي يرتبط بالعمل عاطفياً، لأنه لمس جروحاً لم تندمل تماماً بعد . مستعرضًا تفاصيل اجتماعية وإنسانية من تلك الفترة وهو محاولة لعرض الجوانب المهمة والخفية من الحياة الاجتماعية في تلك الفترة الصعبة على العراقيين الذين دفعهم الطاغية الى حروب ليس لهم فيها ناقة ولاجمل . قصة المسلسل من فكرة تبدو للوهلة الأولى بسيطة لكنها تحمل دلالة إذ يبدأ جهاز الأمن في زمن النظام الديكتاتوري باعتقال كل من يحمل اسم (حسن) بحجة ألإنتماء الى أحزاب تعارض حزب البعث ، ووجود مخطط إنقلاب على الحكومة . ويرتكز العمل على شخصيتين تحملان الاسم نفسه لكنهما تمثلان اتجاهين سياسيين مختلفين . الشخصية الأولى (حسن) يؤديها الممثل ” أمير إحسان”، وهو شاب منتمي إلى حزب الدعوة  ، يتعرض حسن للاعتقال والتعذيب وتتصاعد الضغوط عليه إلى حد إحضار والده أمامه لكسر إرادته لكنه يرفض الاعتراف أو التخلي عن رفاقه . هذه الشخصية تمثل فكرة الصمود لكنها في الوقت نفسه تكشف قسوة النظام الذي لم يتردد في إستخدام أقسى الوسائل لكسر المعارضين .

الشخصية الثانية تدعى ( حسن ) أيضاً ويؤدي دورها الممثل ” تحسين داحس” ، وهو شاب ينتمي إلى الحزب الشيوعي ويؤمن بمشروع الحرية والعدالة الاجتماعية رحلة حسن تحمل طابع أكثر مأساوية  ، بعد قيام الرفيق  البعثي جمعة بالإبلاغ عنه ،  يهرب حسن إلى شمال العراق ويلتحق بالمقاتلين الأكراد لمواجهة النظام ، لكن صدمة سماعه خبر  أعتقال أمه وأخته يجبرانه على العودة  ويقرر تسليم نفسه ،  لكنه يصل متأخر فوالدته قد  ماتت تحت التعذيب، في واحدة من أكثر لحظات العمل قسوة وتأثير  . هناك قصة الحب وهي من الخطوط المهمة في المسلسل ،  حكاية حب حسن مع زميلته في كلية الفنون (فاطمة ) التي تؤدي دورها الفنانة سامية الرحماني. فاطمة هي ابنة التاجر المعروف حجي ناظم الذي يجسد شخصيته الفنان  الكبير (محمود أبو العباس). يرفض الأب زواجها من حسن بسبب انتمائه السياسي، ويفرض عليها الزواج من ابن عمها الذي يعمل لديه . لكن الزواج المفروض لا يستمر طويلًا إذ يتضح أن ابن العم شخصية انتهازية يتصيد  النساء و يشرب الخمرة ،  بل ويتزوج بالسر من محاسبة في الشركة ، وعندما يكتشف الأب ( حجي ناظم ) الأمر يطرده من العمل وييجبره على  طلاق إبنته منه في محاولة متأخرة لإصلاح الخطأ ، ويستمر مسار سرد الحكاية والأحداث . يحاول الأخ  الإنتقام من عمه ححي ناظم  ( محمود أبو العباس)، ويبلغ الأمن بأن حجي  ناظم يخفي ذهباً لأشخاص تسفروا خارج  العراق من التبعية الذين  رحلوا  الى أيران خلال الحرب العراقية – الأيرانية .

 سنمضي ..سنمضي الى ما نريد ..وطناً حراً  وشعباً سعيد

يسلط المسلسل  الضوء  على حالة الاتهامات التي طالت المواطنين في تلك الحقبة، إذ كان كل عراقي متهماً بشكل أو بآخر بالانتماء إلى حزب الدعوة أو الحزب الشيوعي، مما خلق مناخاً خانقاً من الرعب والريبة . عنوان المسلسل “اسمي حسن” يحمل دلالة رمزية، إذ يمثل الثيمة الأساسية لفكرة العمل، حيث يتحول الاسم ذاته إلى تهمة في زمن كان مجرد الانتماء أو الاشتباه كفيلاً بتغيير مصير الانسان . و تضمن المسلسل مشاهد توثّق سنوات الخوف والمعاناة من الحروب والحصارات التي عاشها العراقيون في زمن الطاغية. و تظهر مشاهد كيف واجه الأبطال من معارضي النظام الفاشي من شيوعيين ودعاة ووطنين آخرين، عرباً وكرداً ومن الاقليات بصدور عارية ، وتكشف بشاعات التعذيب والتصفية الوحشية بهدف كسر الروح المعنوية للمعتقل وإذلاله وتركيعه  ، ويظهر المسلسل كيف استخدم نظام صدام حسين التعذيب بصورة منهجية لإنهاء أي معارضة للحزب الحاكم. وقيام قواته الأمنية بتعذيب المعتقلين لانتزاع معلومات و”اعترافات” منهم، ولمعاقبتهم وترهيبهم يمتد الآذي الى الإمهات والإخوات، كما وأسست لأساليب مرعبة من التعذيب، كانت المشاهد قاسية جدا وخاصة لمن فقد أخ أو أخت أو أب في دهاليز الموت ،  و مشاهد عصب عيون المعتقلين وكان يتم تجريدهم من ملابسهم وتعليقهم من أرسغتهم في أوضاع قاسية ملتوية لعدة ساعات في كل مرة؛ وكانوا يتعرضون للصعق الكهربائي في أعضائهم التناسلية وآذانهم وألسنتهم وأصابعهم؛ وللضرب على باطني القدمين (الفلقة)، والجلد والضرب بعصى الخيزران والخراطيم والقضبان المعدنية؛ وللحرق بالسجائر، أو ثقب أيديهم بالحفار الكهربائي _ الدريل)، أو نزع أظافر أقدامهم أو أيديهم . خاتمة المسلسل كانت واقعية ومنطقية  ، حين تقوم السلطات باعّدام الشابين  ( الحسنين ) الشيوعي والإسلامي  شنقاً حتى الموت،  ويرتقي الشيوعي الشهادة مردداً :  “سنمضي الى ما نريد ..وطناً حراً  وشعباً سعيد” ، ويسقط حجي  ناظم على سجادة الصلام ميتاً، و ويكون مصير الخائن الخزي والعار حين يقتل الواشي إبن أخيه .

في  الخلاصة : مسلسل (إسمي حسن) يوثق الوجع العراقي ، ويعيد المشاهد إلى واحدة من أكثر الحقب حساسية وتأثيراً في الذاكرة العراقية. ويأخذ المسلسل جمهوره إلى عام 1982، بوصفه محطة مفصلية عاش خلالها العراقيون، من الآباء والأجداد، تحولات اجتماعية ونفسية عميقة انعكست على تفاصيل حياتهم اليومية، وأسهمت في تشكيل ملامح جيل كامل . مايميز هذه العمل هو الأداء، فنحن كنا قبالة فنانين كبار بعطائهم الثرّ، والأداء المذهل الذي قدّم  ، وهنا لابد من الاشارة الى الأداء الفنات القدير الكبير (محمود أبو العباس) الذي تميز باسترخاء عالي في الأداء وبدون تكلّف.  وتميز الممثل الشاب ( تحسين داحس) الذي قدم شخصية (حسن الشيوعي) باقتدار ، وكذالك الممثل (أمير إحسان)  في دو ر( حسن ألاسلامي) كان مبهراُ في أدائه ،  أما الفنانة الشابة (سامية الرحماني) في شخصية فاطمة بشكل مذهل رغم تحولات الشخصية وتحولاتها بين القوة والضعف . ولابد من الاشادة بأداء الفنانة ( زهرة بدن) التي جسدت شخصية زوجة الفنان ( محمود أبو العباس ) التي أبدعت في تقمص شخصية الزوجة والأم المفجوعة ، وتقديري للفنانة الكبيرة (بتول كاظم)  التي جسدت شخصية أم حسن الشيوعي ، وكذلك الفنانة الشابة شقيقة حسن الشيوعي (تبارك حامد)  والثناء الكبير لكاميرا المخرج ( سامر حكمت) و التصوير السلس والبسيط والديكور والأزياء الإكسسوارات التي لم تبتعد عن أجواء الثمانينيات القرن الماضي . اختيار مواقع التصوير كان أختياراُ ناجحاً، السيارات القديمة الديكورات والإكسسوارات كلها أسهمت في إعادة خلق أجواء تلك الحقبة. حتى المعالجة اللونية في المونتاج منحت المشاهد إحساس بزمن الأحداث و زوايا التصوير والإضاءة والموسيقى التصويرية دور مهم في تعزيز الحالة الدرامية وإبراز التوتر النفسي للشخصيات. (إسمي حسن) حكاية عراقية محبوسة في الصدور المختنقة التي لم تتنفس بصدق منذ  سقوط النظام. نجح الكاتب في تصوير تضحيات المناضلون ، ورسم لنا عبر سرده وحواراته كيف معاناة العراقيون وقسوة الديكتاتور ورجاله ووثق الصبر العراقي العظيم. وإنتزع دمعة من محاجرنا على أخوة وأحبة وأصدقاء غيبتهم المعتقلات . وثيقة مهمة لمرحلة لا تزال آثارها حاضرة في الضمير العراقي .

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصي خولي يتألق برقصة الدبكة وراء كواليس “بخمس أرواح”

يواصل النجم السوري قصي خولي تألقه في الموسم الدرامي الرمضاني الحالي من خلال مسلسل “بخمس أرواح”، مؤكداً حضوره كأحد أبرز نجوم الشاشة. الأداء المتناغم الذي ...