*فاطمة خليل
عاد تطبيق “تلغرام” إلى واجهة النقاش في الأسابيع الأخيرة، على خلفية تطورات متزامنة شملت قيوداً تنظيمية في روسيا، وتحقيقات قضائية مرتبطة بمؤسسه، إضافة إلى تقارير بحثية وأمنية تناولت استخدام بعض قنواته في أنشطة غير قانونية. هذه المعطيات لا تعكس سردية واحدة بقدر ما تفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة المنصات الرقمية وحدود مسؤوليتها.
القيود الروسية وسياقها
خلال الأسبوع الماضي، بدأت السلطات الروسية تقييد الوصول إلى “تلغرام”، متهمة التطبيق برفض إزالة محتوى تصفه بأنه “إجرامي وإرهابي”. وأعلنت هيئة تنظيم الاتصالات الروسية أن القيود ستستمر إلى حين معالجة ما تعتبره انتهاكات للقانون، فيما ذكرت وكالة “تاس” أن المنصة تواجه غرامات مالية بدعوى تقصيرها في تنظيم المحتوى.
كما أُبلغ عن آلاف الشكاوى المتعلقة باضطرابات الخدمة وفق بيانات موقع Downdetector. في المقابل، قال مؤسس التطبيق بافيل دوروف إن محاولة تقييد المنصة “ستفشل”، مؤكداً أن “تلغرام” يمثل حرية التعبير والخصوصية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه روسي أوسع لتعزيز ما يُعرف بـ”السيادة الرقمية”، إذ تروّج موسكو لتطبيق بديل تديره الدولة يُدعى “ماكس”، يُثبّت مسبقاً على بعض الأجهزة الجديدة. وكانت روسيا قد حاولت حظر “تلغرام” عام 2018 قبل أن تتراجع عن القرار لاحقاً.
خلفية مؤسس التطبيق
بحسب صحيفة EL PAÍS، يُنظر إلى دوروف بوصفه من رواد التكنولوجيا الذين يقدّمون أنفسهم مدافعين عن حرية المستخدمين في مواجهة تدخل الحكومات. وكان قد أسّس شبكة VKontakte في روسيا قبل مغادرته البلاد عام 2014 إثر خلافات مع السلطات،ثم أطلق “تلغرام”، ويضم مئات الملايين من المستخدمين النشطين شهرياً حول العالم.
وُضع دوروف قيد التحقيق في فرنسا في أغسطس/آب 2024 في إطار ملف يتعلق بمسؤولية المنصة عن أنشطة غير قانونية يُشتبه بوقوعها عبر التطبيق، بما في ذلك قضايا تتصل بعدم كفاية التعاون مع السلطات في مكافحة بعض الجرائم الرقمية. ولا تزال الإجراءات القضائية جارية دون صدور حكم نهائي.
تقارير بحثية وأمنية
على الصعيد الأكاديمي، أظهرت دراسة منشورة على منصة arXiv تحليل 339 قناة مرتبطة بأنشطة إجرامية رقمية يتابعها أكثر من 23 مليون مستخدم. ووفق نتائج الدراسة، تضمنت هذه القنوات تداول بيانات مخترَقة، وبرمجيات ضارة، وروابط تصيّد إلكتروني، كما أُغلقت 196 قناة خلال ثلاثة أشهر بعد الإبلاغ عنها، مع انتقال بعض الأنشطة إلى قنوات بديلة.
شعار تلغرام (مواقع)
شعار تلغرام (مواقع)
وفي سياق متصل، أصدرت شركة “كاسبرسكي” بياناً في تموز/يوليو 2024 أفادت فيه بأن فريق Digital Footprint Intelligence التابع لها رصد ارتفاعاً بنسبة 53% في حجم المنشورات المرتبطة بأنشطة إجرامية على قنوات “تلغرام” خلال آيار/مايو–حزيران/يونيو 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. ووفق البيان، شملت هذه الأنشطة مناقشة مخططات احتيال، وتداول قواعد بيانات مسرّبة، وبيع خدمات مثل هجمات حجب الخدمة (DDoS) كخدمة.
وأشار محللون في الشركة إلى أن سهولة إنشاء القنوات وغياب نظام سمعة مماثل لمنتديات “الدارك ويب” قد يسهمان في جذب بعض الفاعلين الإجراميين. في المقابل، لا يعني ذلك أن هذه الأنشطة تمثل الاستخدام الغالب للمنصة، التي تُستخدم على نطاق واسع لأغراض تواصل مشروعة من قبل مئات الملايين حول العالم.
بين الاستخدامات المتعددة والتنظيم
إلى جانب هذه التقارير، تناولت بعض التقارير الإعلامية والبحثية حالات استُخدمت فيها قنوات عامة على “تلغرام” لنشر معلومات مضللة أو لتنسيق أنشطة سياسية مثيرة للجدل، في سياقات محددة.
في المحصلة، تتقاطع في حالة “تلغرام” اعتبارات سياسية وقانونية وتقنية. فالتطبيق يُقدَّم بوصفه مساحة لتعزيز الخصوصية وحرية التعبير، بينما تشير تقارير رسمية وبحثية إلى تحديات تتعلق بالإشراف على المحتوى ومنع إساءة الاستخدام. وبين هذين البعدين، يبقى النقاش مفتوحاً حول كيفية تحقيق توازن عملي بين حماية الحريات الرقمية وضمان الامتثال للقوانين والحد من المخاطر الأمنية.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
