آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » من المغتربين السوريين إلى أهاليهم.. تكافل رمضاني يعبر الحدود

من المغتربين السوريين إلى أهاليهم.. تكافل رمضاني يعبر الحدود

منال السماك

لم تفرح بالمبلغ الذي استلمته بحوالة مالية قادمة من الشارقة، بقدر فرحتها بمشاركة ابنها الوحيد بتجهيزات عائلته في سورية لرمضان والعيد، هذا ما بدأت به جمانة عباس 52 عاماً حديثها لـ”الثورة السورية”، من أمام أحد مراكز الصرافة وتحويل الأموال بباب مصلى بمدينة دمشق.

وتابعت: “عندما يرسل الأبناء المغتربون حوالة مالية، تساعد الأهل في التغلب على الصعوبات المعيشية ومواجهة غلاء الأسعار، فإن المعنى الحقيقي يتجاوز القيمة المادية، إلى خلق حالة معنوية تتمثل بفرحة الأهل وفخرهم بأن تعبهم لم يذهب سدى، خاصة في هذه الأيام من شهر رمضان، الذي تقوى فيه الروابط الأسرية وتنشط صلة الأرحام، كما يحرص ابني على زيادة المبلغ في هذا الشهر وهو للصدقات وزكاة الفطر، لتوزيعه على بعض الأقارب والعائلات الفقيرة “.

معنى جديد للترابط الأسري

من ألمانيا إلى مدينة حلب، اعتاد أحمد العيسى 45 عاماً أن يرسل شهرياً حوالة لأخته في سيف الدولة بمدينة حلب، ولكن في شهر رمضان يضاعف المبلغ، في حديثه عبر الواتساب لـ” الثورة السورية” يقول أحمد: “أتابع باهتمام الأسواق، وقد لاحظت غلاء الأسعار بشكل عام في سوريا، لذلك أرسلت مبلغاً اضافياً هذه المرة يتناسب والغلاء الحاصل، وأحرص على التواصل الدائم معها يومياً للاطمئنان على وضعها المعيشي، لأنها أرملة و لديها طفلان ولا سند لها إلا الله وأنا، فليس من المعقول أن أعيش برفاهية، وأختي في عوز وحاجة، فالأقربون أولى بالمعروف”.

وفي هذا السياق، تمثل العلاقات الأسرية لدى المغتربين السوريين، الذين انتشروا في أصقاع الأرض، بعد اتساع الهجرة نتيجة الحرب، حالة من الترابط الوثيق الذي يتجاوز حدود الاغتراب إلى حس المسؤولية، والحرص على الحماية من تراجع الوضع المعيشي، هذا ما أوضحته لـ”الثورة السورية” الاختصاصية الاجتماعية والتنمية البشرية منيرة المنصوري.

وتابعت: “إن هذا الترابط الأسري خلق من المسافات مهما بعدت، جسوراً غير مرئية لتكافل اجتماعي، ودعم الصلات العائلية وغذاها، وأعاد تشكيل معنى جديد للانتماء الأسري، والبر الوالدي، والحرص على صلة الأرحام رغم التباعد الجغرافي، فالهجرة لم تستطع أن تفكك بنية الأسرة السورية بل زادتها تماسكاً، وباتت أسرة ممتدة عبر الحدود بسبب البنية الاجتماعية القوية والمتجذرة، ما أنتج علاقات أسرية جديدة تتقاسم الأدوار رغم المسافات، لتشكل الحوالات المالية ترجمة حقيقية لمشاعر مغترب مشتاق للمة دافئة على سفرة تجمع.

مبادرات فردية تعزز الانتماء

للمشاركة في توجيه دعم مادي إلى من هم بحاجة في سوريا، ظهرت مبادرات فردية يقوم بها بعض المغتربين في الخارج، ما يعكس الارتباط الوثيق وعمق الانتماء وحس المسؤولية العالي، بالمشاركة في تخفيف وطأة الغلاء، ففي دعوة على مائدة الغداء قبل أيام من قدوم شهر رمضان، حرصت منال السعد على دعوة بعض الصديقات والمعارف من السوريين المقيمين في استوكهولم بالسويد، إذ أوضحت السعد في اتصال عبر الواتساب لـ”الثورة السورية” أن الهدف كان جمع المال، للمساهمة في إرسال سلل غذائية لبعض العائلات من أقارب ومعارف في سوريا، وذلك عبر التواصل مع أحد المحال التجارية في مدينة دمشق، وإرسال حوالة مالية بالمبلغ المجموع ليقوم بتوضيبها، وتوزيعها على العائلات التي حددت له أسماءها وعناوينها ، وقد تم توزيع أربعين سلة غذائية في الأسبوع الأول من رمضان.

و أكد بدر الدين شاهين، وهو يسكن في بيت سحم بريف دمشق، في حديثه لـ”الثورة السورية” أن المبادرات لها وقع معنوي ينعكس على الروابط العائلية فتزيدها قوة ومتانة، ويعتبر نفسه من المحظوظين بأخته المقيمة بكندا وحرصها على مساعدة إخوتها الأربعة بالتناوب شهرياً، وتخصيص مبلغ خاص لشهر رمضان، ما يخفف عليه أعباء جمع كل الإخوة والأخوات على مائدة الإفطار، ولكن وكما يقول: “هذه المرة كانت مفاجأة منها تبنيها القيام بالعزيمة بالاتفاق معي، فدعوت جميع أخواتي و إخوتي وعائلاتهم، بينما وصل الطعام الذي قد وصت عليه أختي، من خلال أشخاص يقومون بتوصيل طلبات المغتربين من المطاعم إلى أهاليهم، وكانت فرحتها شديدة عبر اتصالها هاتفياً”.

تعزز الأمان والاستقرار النفسي

تشير الاختصاصية النفسية إسراء الحسن في حديثها لـ “الثورة السورية” إلى أن استمرار دعم المغتربين لعائلاتهم في سوريا، لا يرتبط بالواجب الأخلاقي والقيمي فقط، ولكنه يمثل حاجة المغترب النفسية للحفاظ على شعوره بالارتباط بأسرته والانتماء لوطنه.

كما أن الإحساس بالغربة بعيداً عن أهله يزيد من مشاعر الشوق والحنين، فيلجأ للتعويض النفسي عبر التواصل معهم، والحرص على تقديم المساندة المادية المستمرة، وخاصة في شهر رمضان، لما له من رمزية تزيد من مشاعر الغربة، كما أن هذه التحويلات تخفف من مشاعر العجز عن اللقاء لدى المغترب بسبب بعده الجغرافي عن أهله.

كما يؤدي هذا التكافل الرمضاني، بحسب رأي الحسن، إلى الشعور بالأمان والاستقرار والصمود النفسي والمعيشي ويخفف من القلق، ويمنح المتلقين إحساساً بوجود سند عائلي، يخفف عنهم الضغوطات المادية قدر الإمكان، إضافة إلى أن وجود دعم و مساندة يزيد من القدرة على التكيف مع الأوضاع المعيشية الحالية، ويرفع من درجة التحمل والتفاؤل، وبنفس الوقت يخفف من مشاعر ذنب الغربة والبعد عن الأهل، من خلال التواصل و المشاركة في تفاصيل وتجهيزات رمضان، فيشعر المغترب بالراحة النفسية والرضا عن النفس، لأنه قام بواجبه تجاه عائلته، ما يسهم بتعزيز الاستقرار النفسي لدى الطرفين.

كما أن اتساع ظاهرة التكافل الرمضاني من المغتربين إلى الداخل السوري، يعكس تغيراً واضحاً في البنية الاجتماعية للأسرة السورية الممتدة في بلدان المهجر، هذا ما أوضحته المنصوري، وأشارت إلى أن هذا يعكس تحول العائلة، في ظل ضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل كبير، إلى آلية دعم وحماية اجتماعية بديلة، وكذلك أصبحت هجرة أحد أفراد الأسرة استراتيجية عائلية للاستمرار والبقاء، ضمن الحدود المعيشية المقبولة، وبذلك تشكل التحويلات المالية القادمة من الخارج، مورداً أساسياً تعتمد عليه الكثير من الأسر السورية في تأمين المتطلبات الأساسية تضمن حياة كريمة، حيث يشكل المغترب قارب إنقاذ لأفراد أسرته.

ولفتت المنصوري إلى أن الاعتماد على التحويلات الخارجية لدى الكثير من الأسر السورية، أسهم في إعادة تشكيل العلاقات الأسرية بشكل كبير، حيث أصبح المغترب هو المعيل الأساسي لأسرته حتى لو كان الأصغر سناً، ما يسهم في إعادة تشكيل موازين السلطة والدور الاجتماعي ضمن الأسرة، كما يؤدي في أحيان كثيرة إلى ضغط نفسي على المغترب ومشاعر مزدوجة تتأرجح بين فخره و إعتزازه و إحساسه بالمسؤولية، وبين الضغط النفسي بسبب حرصه الدائم على تلبية متطلباتهم لفترة طويلة، في ظل إرتفاع عالمي في تكاليف المعيشة، وأحياناً قد يحرم نفسه ليقوم بواجبه تجاه أسرته.

وبذلك فإن التكافل الاجتماعي المكثف في شهر رمضان، يكشف تضامناً عائلياً أعاد إنتاجه السوريون في المغترب، ليكونوا سنداً لأسرهم في الداخل، فمن فرقتهم جغرافيا الهجرة جمعهم الانتماء وحسن المسؤولية العائلية، لتكون الحوالات أكثر من مساعدة مالية أو هدايا، لتكون تعبيراً حقيقياً عن الترابط العائلي المتجذر بالمجتمع السوري.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في يوم المرأة العالمي…نصائح بسيطة لك للعناية بالذات

غالباً ما تهتمّ بالآخرين قبل أن تهتمّ بنفسها، ونادراً ما تعطي الأولوية لنفسها. في يوم المرأة العالمي، من المهم أن تتخذ قراراً بالعناية بنفسها، لأنها ...