آخر الأخبار
الرئيسية » تحت المجهر » “من الهند إلى كوش” أم “من الفرات إلى النيل”: ماذا يريد نتنياهو؟

“من الهند إلى كوش” أم “من الفرات إلى النيل”: ماذا يريد نتنياهو؟

العميد محمد الحسيني

لطالما ارتبط الحلم الصهيوني القديم بمساحات جغرافية واسعة، “من الفرات إلى النيل”، كإطار رمزي لطموح السيطرة والتأثير في قلب الشرق الأوسط. اليوم، يبدو هذا الحلم قد تغير في لغة الخطاب الرسمي: استخدم رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو عبارة “من الهند إلى كوش”، ليحوّل الاهتمام من حدود الشرق الأوسط التقليدية إلى فضاءات أبعد وأكثر شبكية، ليست مجرد تصريح جغرافي، بل إعلان ضمني عن رؤية استراتيجية جديدة، تربط بين القوة التكنولوجية في الشرق، والموارد والممرات الحيوية في الجنوب الإفريقي، مع إسرائيل في القلب كعقدة وصل.

 هنا، التاريخ والرمز يلتقيان مع السياسة الحديثة، ليشكلوا خريطة نفوذ تمتد من الهند شرقًا إلى كوش جنوبًا، بدلًا من امتداد الفرات إلى النيل الذي شكل الأساس الأسطوري للحلم الصهيوني الكلاسيكي. غير أن المفصل الأكثر حساسية في هذه العبارة لا يكمن في “الهند”، بل في “كوش”.

في الذاكرة التوراتية، لا تُذكر كوش كإقليم هامشي، بل كفضاء غني بالرمزية والاتساع. فقد وردت “كوش” في سفر التكوين بوصفها جزءًا من الجغرافيا التأسيسية: «وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّانِي جِيحُونُ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ أَرْضِ كُوشَ» (تك 2: 13). وفي سفر إشعياء ترد العبارة: «يَا أَرْضَ حَفِيفِ الأَجْنِحَةِ الَّتِي فِي عَبْرِ أَنْهَارِ كُوشَ» (إش 18: 1)، حيث تُصوَّر كأرض بعيدة، متصلة بالأنهار والمياه، أي بمصادر الحياة والثروة. كما يرد ذكرها في سفر صفنيا بوصفها من أطراف العالم الذي يمتد إليه الأفق الرسالي. بهذا المعنى، كوش ليست مجرد جنوبٍ إفريقي، بل تخوم كتابية للحلم التوراتي.

استدعاء الاسم التوراتي بدل الدولة الحديثة يتجاوز الخريطة السياسية إلى ما يمكن تسميته “الخريطة الحضارية”، حيث تُفهم الجغرافيا بوصفها مجالًا ممتدًا لا تحدّه الدولة الوطنية. وفي القراءة الجيوسياسية الراهنة، تمثل كوش منابع النيل، والذهب والمعادن، والقرن الإفريقي، وتمسّ تماس البحر الأحمر. وهنا تحديدًا تتجلى خطورة العبارة بالنسبة إلى مصر.

فالنيل ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ركيزة وجودية للدولة المصرية، وأي حديث عن نفوذ أو حضور استراتيجي في فضاء كوش – أي في المجال الجغرافي المرتبط تاريخيًا بمنابع النهر – يلامس مباشرة مفهوم الأمن القومي المصري. فالتأثير في بيئة منابع النيل، سواء عبر شراكات تقنية أو أمنية أو استثمارات في البنى التحتية، يمنح الفاعل الخارجي قدرة غير مباشرة على التأثير في معادلة المياه والطاقة والاستقرار السكاني داخل مصر.

 ومن هنا، فإن استدعاء كوش في خطاب سياسي معاصر لا يُقرأ فقط كرمز تاريخي، بل كإشارة إلى التفكير في المجال الحيوي الجنوبي للنيل بوصفه ساحة نفوذ محتملة، وهو ما يحمل دلالات استراتيجية عميقة في ميزان الأمن الإقليمي، كما يشكل تهديدًا للأمن القومي الباكستاني أيضًا.

أما الهند، فهي تمثل الشرق التكنولوجي المعاصر، قوة صاعدة في مجالات الدفاع والذكاء الاصطناعي، وشريكًا متناميًا لإسرائيل. الجمع بين الهند وكوش في عبارة واحدة يخلق محورًا ممتدًا من شرقٍ آسيوي تكنولوجي إلى جنوبٍ إفريقي مائي–معدني، وإسرائيل في القلب كعقدة وصل بين التاريخ والتكنولوجيا. تتحول العبارة بذلك من توصيف جغرافي إلى سردية رمزية–استراتيجية تعكس انتقالًا من منطق الدولة المحصورة إلى منطق الشبكات الممتدة.

غير أن هذا الامتداد لا يمكن فهمه خارج صراع القوى الكبرى. فـ الصين تعمل منذ أكثر من عقد على إعادة رسم خرائط التجارة العالمية عبر مشروع “الحزام والطريق”، مركزة على الموانئ والممرات البحرية والاستثمار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وجودها في باكستان وجيبوتي وعدد من موانئ شرق إفريقيا يجعلها لاعبًا مركزيًا في معادلة الربط بين آسيا وإفريقيا.

في هذا السياق، تصبح الهند – الخصم الجيوسياسي لبكين – رأس حربة مضادًا في جنوب آسيا. وعندما تتموضع إسرائيل إلى جانب الهند، فهي تدخل ضمن معادلة توازن أوسع في مواجهة التمدد الصيني، ما يجعل عبارة “من الهند إلى كوش” جزءًا من صراع ممرات عالمي لا من مجرد إعادة تموضع إقليمي.

في الوقت نفسه، لا يمكن عزل هذا التموضع عن دور الولايات المتحدة، التي تتجه استراتيجيًا نحو احتواء الصين وإعادة توزيع أعبائها في الشرق الأوسط عبر بناء شبكات تحالف إقليمية. ضمن هذه الهندسة، تصبح إسرائيل مركز تكنولوجيا عسكرية متقدمة وعقدة وصل بين المتوسط والخليج، وشريكًا قادرًا على الاندماج في منظومة هندية–إماراتية–غربية أوسع. بذلك لا يُقرأ “من الهند إلى كوش” كمشروع توسع تقليدي، بل كتموضع داخل شبكة أميركية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة في عالم متعدد الأقطاب.

هنا يتضح التحول الجوهري بين العبارتين. “من الفرات إلى النيل” كانت تنتمي إلى زمن تُقاس فيه الهيمنة بالسيطرة على الأرض. أما “من الهند إلى كوش” فتنتمي إلى زمن تُقاس فيه الهيمنة بالتحكم في التدفقات: بيانات، طاقة، ممرات بحرية، ذكاء اصطناعي، موارد مائية. البعد التوراتي لم يُلغَ، بل أُعيد توظيفه ليمنح المشروع المعاصر عمقًا رمزيًا. كوش تُستدعى لا كدولة، بل كاسم يحمل حمولة نصية ضاربة في التاريخ، تمنح الخطاب شرعية داخلية وتوحي بأن الامتداد ليس سياسة آنية، بل استمرارية سردية.

إذا كان الحلم القديم يعكس تصورًا لمجال حيوي شرق أوسطي، فإن الحلم الجديد يعكس تموضعًا داخل صراع عالمي بين الولايات المتحدة والصين على الممرات والشبكات. نتنياهو لا يوسّع الخريطة فحسب، بل يغيّر مستواها: من صراع حدود إلى صراع تدفقات، ومن جغرافيا عسكرية إلى جغرافيا شبكية عابرة للقارات. الفارق ليس في المسافة، بل في طبيعة القوة نفسها — من حدود تُحتلّ إلى شبكات تُدار، ومن جغرافيا توراتية تُستعاد إلى جغرافيا استراتيجية تُعاد صياغتها في قلب نظام دولي يتشكل من جديد.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ترامب يتهم إيران بتطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة

  اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إيران بالسعي إلى تطوير صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، مؤكّداً أنّ خياره المفضّل لمعالجة المواجهة القائمة معها هو ...