أغيد أبو زايد
مع بداية عام 2026، شهدت سوريا تحولات جذرية داخلية وخارجية، بانتقالها من مسار الانفتاح السياسي على المجتمع الدولي إلى إعادة الاندماج الفعلي في المنظومة الدولية، إلى جانب حلحلة ملفات داخلية والمضي قدما في حلها، الأمر الذي انعكس على الملف السياسي الخارجي. وهذا ما يتضح من توجه الولايات المتحدة الأميركية إلى إعادة فتح سفارتها بدمشق، بينما ينوي الاتحاد الأوروبي إقامة علاقات ثنائية رفيعة مع سوريا.
هذا التقدم جاء في ظل قدرة الحكومة السورية على إنهاء حالة الاستعصاء السياسي ووضع خطة لدمج المناطق الخارجة عن سيطرتها في الجزيرة السورية شمال شرقي البلاد، من خلال التوصل إلى اتفاق مع تنظيم “قسد” والبدء بتنفيذ بنوده. بينما بدأت بتفكيك ملف السويداء جنوبي سوريا، ما ينهي التدخلات الخارجية في الملف السوري الداخلي، الأمر الذي يمثل خطوة مهمة في تجسيد العلاقات الدولية لدمشق القائمة على مبدأ الشراكة لا الإملاءات.
بذلك تدخل سوريا النصف الثاني من العام الحالي في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد السوري وإعادة دمجه في المنظومة الدولية، بعد وضع دمشق يدها على جميع مقدرات البلاد ورفع العقوبات الأميركية مع نهاية العام الماضي 2025، وما ستحمله الأشهر المقبلة من تطورات تتمثل في إعادة تفعيل دور البعثات الدبلوماسية في سوريا، نتيجة إعادة افتتاح السفارة الأميركية وما سيتبعه من تحرك مماثل من الدول الغربية.
إعادة افتتاح السفارة الأميركية
تخطط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة فتح محتملة للسفارة الأميركية في العاصمة السورية دمشق، إذ أبلغت إخطارات للجان الكونغرس في وقت سابق من شباط الماضي المشرعين بـ”نية وزارة الخارجية لتنفيذ نهج مرحلي لاستئناف عمليات السفارة المحتملة في سوريا”، بحسب وكالة “أسوشيتد برس”.
إعادة افتتاح السفارة الأميركية في دمشق يمثل انعطافا استراتيجيا في المسارين السياسي والاقتصادي، فهي إشارة إلى عودة الاستقرار في سوريا وانتقالها من مرحلة العزلة الدولية إلى الشراكة. إلى جانب أن هذه الخطوة تحمل مؤشرات لرجال الأعمال للتوجه إلى سوريا والبدء بالاستثمار، بعد الاطلاع على أوضاع الاقتصاد السوري والفرص من خلال القنوات الرسمية.
كما أن إعادة افتتاح السفارة الأميركية بدمشق تمثل اعترافا بالسلطة المركزية في البلاد، بعد نجاح الحكومة السورية في إنهاء حالة الاستعصاء في ملف تنظيم “قسد” من خلال الحوار والسياسة. ما أعطى انطباعا لدى الأوساط الدولية بأن دمشق باتت أكثر استقرارا ولديها قدرة على حل أزماتها الداخلية، الأمر الذي يعطي ارتياحا في التعامل مع الحكومة السورية خارجيا، باعتبارها عنصر ثقة وقادرة على الالتزام بتعهداتها والقيام بواجباتها.
هذا التوجه يأتي بينما تشهد العلاقات السورية الأميركية تقدما إيجابيا منذ الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، إلى جانب إشادة الرئيس الأميركي المستمرة بالرئيس السوري أحمد الشرع، معتبرا أنه “يقوم بعمل رائع وهو رجل حازم وليس ملاكا، والملاك لا يستطيع فعل ذلك، لكن سوريا تتقارب بشكل جيد للغاية”.
ويرى الخبير في الشؤون الأميركية مسعود معلوف أن التوجه الأميركي الإيجابي تجاه الإدارة السورية الجديدة يعود إلى سببين، الأول يكمن في التخلص من نظام الأسد الذي وضع على لائحة العقوبات، والثاني، الذي لا يقل أهمية عن السبب الأول، أن “النظام الجديد الذي تسلم الحكم في سوريا كان ضد إيران ومنع وصول الأسلحة والأموال وغير ذلك من المعدات عن طريق سوريا إلى حزب الله في لبنان”.
وأوضح معلوف، وهو دبلوماسي سابق، في حديث لصحيفة “الثورة السورية” أن “هذان الأمران أديا إلى ارتياح كبير لدى الإدارة الأميركية. هناك نظرة إيجابية من الولايات المتحدة ليس فقط من الإدارة ولكن أيضا من الكونغرس. لو لم يكن هنالك هذه النظرة، لما حصلت كل هذه التغييرات ورفع العقوبات وغير ذلك”.
انعطاف استراتيجي
إعادة افتتاح السفارة الأميركية في سوريا في المستقبل القريب خطوة هامة على الصعيد السياسي بالنسبة لدمشق. فهذه الخطوة ليست إجراء دبلوماسيا بروتوكوليا، بل تعتبر اعترافا صريحا بالواقع السياسي الجديد، ناهيك عن أنها تطوي أكثر من عقد من القطيعة وإعلانا بعودة سوريا إلى موضعها الطبيعي في المعادلة الدولية من خلال عودة الحياة الدبلوماسية. لذلك ستشهد البلاد وفودا دولية لتوطيد علاقاتها مع دمشق سياسيا واقتصاديا، بعد عقود من العزل.
ويعتبر التوجه الأميركي بمثابة إيعاز سياسي ببدء مرحلة جديدة مع سوريا، لذلك ستتوجه الدول الغربية والعربية إلى إعادة بعثاتها الدبلوماسية إلى دمشق بعد قطيعة دبلوماسية بدأت بعد أشهر من انطلاق الثورة السورية. الأمر الذي سينهي العزلة الدولية بشكل كامل، من خلال الضوء الأخضر الأميركي، باعتبار أن عودة السفارة الأميركية يعني حضورا سياسيا مباشرا وإشارة واضحة إلى خفض المخاطر في البلاد.
هذا التحول في سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا سيفتح بوابة الاستثمارات في البلاد، على اعتبار أن البعثات الدبلوماسية دائما ما تلعب دورا رئيسيا في تبادل المعلومات مع المستثمرين ورجال الأعمال، وتمهد الطريق أمامهم للدخول من خلال اطلاعهم على الأنظمة والقوانين واحتياجات السوق. وهذا متطلب أساسي لإعادة إدماج سوريا في الاقتصاد العالمي.
وبحسب وكالة “أسوشيتد برس”، أفاد إشعار صادر في 10 شباط الماضي، وجه إلى لجان الكونغرس الأميركي، بأن وزارة الخارجية “تعتزم تطبيق نهج تدريجي لاستئناف عمليات السفارة في سوريا”. وذكر الإشعار أن الإنفاق على هذه الخطط سيبدأ خلال 15 يوما دون تحديد موعد لإتمامها أو لعودة الموظفين الأميركيين إلى دمشق بشكل دائم.
وقال الخبير في الشؤون الأميركية مسعود معلوف إن “السفارة الأميركية في دمشق ستعيد نشاطاتها السابقة تدريجيا. لم يعين حتى الآن سفير للولايات المتحدة في سوريا، ولكن أعتقد أنه في القريب سيتم تعيين سفير، ولكن هذا سيأخذ بعض الوقت. لأن بعد اختيار من سيكون سفيرا ينبغي أن يقدم ذلك إلى الكونغرس ويجب أن يوافق عليه لجنة الشؤون الخارجية والكونغرس بالانتخاب. وهذا الأمر يتطلب بعض الوقت، خاصة في الظروف الحالية حيث هنالك انشغالات كثيرة”.
“لكن عدم إعادة فتح السفارة كما كانت في السابق وعدم تعيين سفير لا يعني نظرة مختلفة أو سلبية، بالعكس الولايات المتحدة بإدارة الرئيس ترامب لديها نظرة إيجابية كبيرة لسوريا”، وفق حديث معلوف لصحيفة “الثورة السورية”.
الاهتمام الأميركي بسوريا ليس وليد اللحظة، بل جاء منسجما مع التغيير السياسي في البلاد منذ الإطاحة بنظام الأسد المخلوع. وتمثل ذلك بزيارة وفد دبلوماسي أميركي لدمشق ولقائه بالرئيس أحمد الشرع ومسؤولين آخرين في 20 كانون الأول 2024، أي بعد أقل من أسبوعين على سقوط الأسد. وهذا أول اتصال رسمي بين واشنطن وقادة “هيئة تحرير الشام”، التي أزيلت من قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة الفائت.
وتدرس الإدارة الأميركية إعادة فتح السفارة منذ العام الماضي، بعد فترة وجيزة من الإطاحة بالأسد. وقد شكل هذا الأمر أولوية لسفير ترامب لدى تركيا ومبعوثه الخاص إلى سوريا توم باراك، الذي رفع العلم الأميركي في مجمع السفارة في أيار 2025 خلال زيارته الأولى إلى دمشق. وأغلقت الولايات المتحدة سفارتها في سوريا في عام 2012 وسحبت موظفيها المتبقين بعد أن رفض نظام الأسد معالجة المخاوف الأمنية، بحسب ما قالته وزارة الخارجية في ذلك الوقت.
علاقات مع الاتحاد الأوروبي
مع الحديث عن إعادة واشنطن فتح سفارتها بدمشق، أعلن الاتحاد الأوروبي عن توجهه لإقامة علاقات مع الحكومة السورية. إذ قال الأسبوع الفائت إنه سيناقش “إقامة علاقات ثنائية رفيعة مع سوريا”. بينما زار وفد دبلوماسي للاتحاد الأوروبي برئاسة روزا ماريا غيلي، مديرة مديرية الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، دمشق يوم الخميس الماضي، حيث التقى بوزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.
وبحسب بيان الخارجية السورية أكد الوفد استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لجهود الحكومة السورية، مع توقع رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي لبعثة الاتحاد الأوروبي في دمشق قريبا، والعمل على إعادة تفعيل الاتفاقيات السابقة، بما في ذلك بحث رفع التجميد عن بعض بنودها، في إطار الانفتاح التدريجي وعودة سوريا إلى المجتمع الدولي.
واستعرض الشيباني ما أنجزته الحكومة خلال العام الماضي رغم التحديات ومخلفات المرحلة السابقة، بما في ذلك التقدم في مسارات توحيد الأراضي السورية وعمليات الدمج، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية واستعادة الأصول، إضافة إلى بحث سبل دعم إعادة الإعمار وفتح المجال أمام المؤسسات والبنوك الأوروبية للمساهمة في هذه الجهود، وفق البيان.
على ما يبدو أن هذا اللقاء يأتي قبيل زيارة مرتقبة لمسؤولي دول أوروبية رفيعي المستوى إلى دمشق في الأسابيع المقبلة، للبدء فعليا بترجمة ما جرى مناقشته في اللقاء التمهيدي وتصريحات الاتحاد الأوروبي بنيته “إقامة علاقات ثنائية رفيعة مع سوريا” على أرض الواقع. إذ سيحمل ذلك شراكات استراتيجية سياسية واقتصادية وأمنية.
التوجه الأوروبي لإقامة علاقات رفيعة مع دمشق يحمل في طياته إشارات واضحة إلى أن “دول الاتحاد انتقلت من سياسة العزل والإقصاء إلى مسار الشراكة والدعم، وهذا يعتبر تحولا تاريخيا بالنظر إلى الأبعاد السياسية والاقتصادية”، بحسب حديث الناشط السياسي الدكتور عبد الكريم حسن لصحيفة “الثورة السورية”.
التحول الأوروبي في مقاربته مع سوريا “يعود إلى مصالح مشتركة تتعلق باقتناص الفرص الاستثمارية في مرحلة إعادة الإعمار وتحريك العجلة الاقتصادية في البلاد، بما ينعكس إيجابا على استقرار خاصرة البحر المتوسط. وهذا نابع من إدراك الدول الأوروبية أن أي فشل للحكومة السورية سينعكس على الأمن القومي الأوروبي، إلى جانب الرغبة في حل معضلة اللاجئين ومنع موجات هجرة جديدة نحو القارة العجوز”، وفق حسن.
ملف اللاجئين كان حاضرا خلال لقاء الوفد الأوروبي مع الوزير الشيباني بدمشق، حيث “جرى بحث ملف عودة اللاجئين، مع التأكيد على ضرورة أن تكون عودة آمنة ومنتظمة ومستدامة، واقتراح تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة هذا الملف وضمان عودة كريمة”، بحسب بيان الخارجية السورية.
قرار بناء علاقات رفيعة مع دمشق لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة ملحة بالنسبة للدول الأوروبية، نظرا لموقع سوريا الجيوسياسي وتأثير ذلك على أمن دول الاتحاد. ناهيك عن ضمان ممر الطاقة، في ظل عزوفها عن شراء الغاز الروسي بعد الحرب على أوكرانيا، ورغبتها بالحد من النفوذ الروسي وتمركزه في الساحل السوري.
إضافة إلى ذلك فإن “الاتحاد الأوروبي يشعر بالارتياح للتغيير السياسي في سوريا، وما تبعه من إنهاء النفوذ الإيراني وقطع طريق إمداد حزب الله اللبناني”، وفق مسعود معلوف، إلى جانب انحسار تهريب المخدرات والكبتاغون إلى الدول الأوروبية بعد أن كانت سوريا مصدرا رئيسيا لهذه التجارة.
بالنسبة إلى سوريا فإن “التغيير في علاقة الولايات المتحدة والدول الأوروبية من شأنه أن يكون له نتائج اقتصادية، ولذلك سنرى تغييرا تدريجيا في الشأن الاقتصادي شرط الحفاظ على الاستقرار الداخلي”، بحسب حديث معلوف لـ”الثورة السورية”.
مطلع العام الجاري زارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا دمشق، حيث التقيا بالرئيس السوري أحمد الشرع، لبحث تجديد العلاقات الثنائية من خلال شراكة سياسية جديدة وتعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي، إضافة إلى حزمة دعم مالي بنحو 620 مليون يورو لعامي 2026 و2027.
وبناء على ما سبق فإن 2026 عام التحولات الكبرى بالنسبة إلى سوريا، بدءا من حلحلة الملفات الداخلية وإعادة السيطرة على جميع أنحاء البلاد، وصولا إلى عودة دمشق إلى المعادلة الدولية ودمجها في الاقتصاد العالمي. وهذا ما سيكون ملموسا في النصف الثاني من العام الجاري، في حين يجب على الحكومة السورية التوجه إلى تحسين الظروف المعيشية للسوريين وتوسيع مشاريع إعادة الإعمار عبر استقطاب استثمارات كبرى، بما يساهم أيضا في تسريع عجلة الاقتصاد.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
