آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » من جرح الانقسام إلى شفاء “المواطنة”

من جرح الانقسام إلى شفاء “المواطنة”

 

 

بقلم :جمعان علي العمير

 

سوريا كلها تنادينا، تنادينا كقلبٍ مكسور ما زال يعرف كيف يحب، كأمٍ أرهقها الليل لكنها ما زالت تفتح ذراعيها لكل من يعود، تنادينا بصوتٍ يخرج من عمق التراب، من أنين البيوت التي صمدت، من وجوه الناس التي لم تفقد قدرتها على الحلم رغم كل ما انكسر حولها. تنادينا لأننا نحن دفؤها الأخير، ولأنها تعرف أن أبناءها، مهما ابتعدوا، يعودون حين يبرد العالم، يعودون حين يشعرون أن لا حضن أوسع ولا أحنّ من حضن الوطن.

وتنادينا لأن التنوّع الذي حاول الطغاة تشويهه لم يكن يوماً شقاقاً ولا خطراً، بل كان نبعاً من الجمال، كان فسيفساء من الأرواح، كان أغنية تتداخل فيها الأصوات لتصنع لحناً لا يشبه إلا سوريا. حاولوا أن يجعلوا اختلافنا لعنة، أن يحوّلوه إلى خوف، إلى جدار، إلى سلاح، لكن الحقيقة بقيت نابضة في القلوب: اختلافنا هو سرّ جمالنا، وتعدّدنا هو سرّ بقائنا، وأن الوطن الذي يتسع للجميع لا تهزّه العواصف مهما اشتدت.

وآن الأوان أن نمحو تلك اللغة الباردة التي قسمت أبناء الوطن إلى “أقليات” و“أكثريات”، تلك اللغة التي لم تُنتج سوى الجدران، وأن نعيد لأنفسنا أسماءنا الأولى: بشر، أبناء وطن واحد، قلوب تبحث عن الأمان لا عن الغلبة، عن العدالة لا عن الامتياز، عن وطن يحتضن الجميع كما تحتضن الشجرة كل ظلّ يقترب منها. ودائماً، في كل لحظة خوف أو ارتباك، لن تجد الأقليات دفئاً ولا أماناً ولا عدلاً أحنّ من حضن الدولة حين تكون دولة مواطنة حقيقية، دولة لا تفرّق بين أبنائها، ولا تزنهم بميزان العدد، بل بميزان الكرامة، دولة يشعر فيها كل فرد أنه ليس ضيفاً ولا مستثنى، بل جزء من نسيج واحد، محميّ بالقانون لا بالانتماء، وبالحقوق لا بالوساطة، وبالعدالة لا بالمحاباة.

نحن اليوم أمام لحظة تشبه الفجر حين يبدأ الضوء بالتسلل إلى قلب الليل، لحظة نقرر فيها أن نكون البلسم لا الجرح، اليد التي تبني لا التي تهدم، القلب الذي يتسع لا الذي يضيق، لحظة نعيد فيها لسوريا وجهها الحقيقي: وجه المحبة، وجه التسامح، وجه الناس الذين يعرفون أن الحياة أقصر من أن تُهدر في الكراهية، وأن الوطن أثمن من أن يُترك للفرقة، وأن المستقبل أجمل حين نصنعه معاً. سوريا كلها بحاجتنا، بحاجتنا أن نحبها كما تستحق، أن نختلف دون أن نتخاصم، أن نتنوع دون أن نتباعد، أن نكون أبناءها كما كانت دائماً أمّاً للجميع، وبحاجتنا أن نؤمن بأن دولة المواطنة ليست حلماً بعيداً، بل الطريق الوحيد لشفاء هذا البلد، الطريق الذي يبدأ من قلوبنا قبل أن يصل إلى مؤسساتنا، ومن وعينا قبل أن يتحول إلى قوانين، ومن محبتنا لبعضنا قبل أن يصبح واقعاً يعيشه الجميع.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الانتصار لا تصنعه الأقنعة

  سمير حماد ماالنفع أن أمتلك الثقافة , وأنا فاقد لشجاعة الراي والقول ….؟ ماالنفع إن أُعطيتُ حريتي و سجنْتُ لساني وقدميّ ؟ ماالنفع إن ...