سعاد زاهر
يشكّل معرض دمشق الدولي للكتاب، كأول معرض للكتاب بعد تحرير سوريا، والذي سينطلق في 6 من شباط 2026، محاولة طموحة لنسيج خريطة ثقافية جديدة تجمع بين براءة الطفولة وعمق التراث، بين اللحظة التفاعلية والذاكرة الجماعية، ففي أجنحة مخصّصة للأطفال، تتحوّل القراءة إلى مغامرة حسيّة تختلط فيها الألوان بالألعاب والتجارب العلمية البسيطة.
بينما في الفضاء العام للمعرض، تعود الشخصيات التاريخية والأدبية العظيمة – من المتنبي إلى الجاحظ – إلى الحياة عبر تقنيات الهولوغرام في مشهد غير مسبوق، ليكون المعرض مساحة مفتوحة تُبنى على الكتب، وعلى التجربة الحيّة التي تربط جيلاً ناشئاً بموروثه، وتؤسّس لثقافة تكون فيها المعرفة متعة، والتراث حواراً مستمراً بين الماضي والمستقبل.
الطفل الذي نمنحه كتاباً اليوم، نفتح أمامه أفقاً لا نهائياً، ونضع في يده أول خيط يقوده نحو ذاته، ونحو عالم أوسع من الخوف والحدود، وجناح الأطفال في معرض الكتاب يمتلك مساحته المستقلة، كما يؤكّد مدير الجناح عارف الجويجاتي ويصفه أيضاً “بالعالم المفتوح، يختلط فيه اللعب بالمعرفة، والدهشة بالقراءة، والتسلية بالثقافة”.
يتابع الجويجاتي في حديثه لـ “الثورة السورية”، أنّ التحضيرات للمعرض جاءت في سباق حقيقي مع الوقت، فالفترة كانت قصيرة قياساً بحجم الحدث، والعمل الذي يحتاج عادة إلى زمن طويل، تمّ إنجازه بروح استثنائية، وبجهد جماعي، جعل الفريق يعمل ليلاً ونهاراً، إلى حدّ أنّ بعضهم بقي في الوزارة لأيام متواصلة. ورغم التعب، يؤكّد أنّ المتعة كانت حاضرة، لأنّ هذه الدورة ليست عادية، إنّها الأولى بعد التحرير، ولهذا كان العمل أشبه بخلية نحل، هدفها إنجاح المعرض، وإعطاء صورة مختلفة عمّا كان سائداً في السابق.
مساحة مستقلة
يتكوّن المعرض بحسب الجويجاتي من أجنحة متعدّدة، تشمل الفعاليات الثقافية، ودور النشر الموجهة للكبار، وأجنحة للوزارات والهيئات الرسمية، إضافة إلى جناح كامل مخصّص للطفل. هذا الجناح صُمّم ليكون عالماً قائماً بذاته، واسعاً، مريحاً، آمناً، ومغرياً بصرياً، بحيث يشعر الطفل أنّه دخل مكاناً صُنع لأجله، لا مكاناً فُرض عليه، ويضمّ دور نشر متخصصة، وجمعيات تُعنى بحقوق الطفل، وهيئات رسمية، وشركات خاصة، ومبادرات ثقافية، إلى جانب مجلات موجهة للأطفال، أرادت أن تعرّف بنفسها، وتبني علاقة مباشرة مع قرّائها الصغار.
وتشمل المشاركات أيضاً جمعيات تقدّم دعماً نفسياً واجتماعياً، وجهات ثقافية عربية، وشركات تجارية خصصت مساحات للأطفال، ليس بهدف البيع فقط، بل لتقديم أنشطة تفاعلية. وهذا التنوّع يأتي لأنّ “الطفل كائن متكامل، يحتاج إلى الكتاب، كما يحتاج إلى اللعب، والدعم النفسي، والتجربة الحسية، والتفاعل المباشر”.
وعن معايير اختيار دور النشر المشاركة، يشير الجويجاتي إلى أنّ الدعوات وُجّهت عبر اتحادات الناشرين، التي تمتلك قوائم بالدور المرخّصة، والتي تمتلك حدّاً أدنى من الإصدارات يؤهلها للمشاركة في المعارض. وعبر اتحاد الناشرين، خاطبت وزارة الثقافة دور النشر العربية والعالمية التي تتعاون معها، كما تمّ تخصيص رابط تفاعلي، أتاح لكلّ دار راغبة بالمشاركة أن تُدخل بياناتها، ليتمّ قبولها وفق أقدمية التسجيل، حتى امتلأت الأجنحة بالكامل، و كان الإقبال كبيراً بحسب الجويجاتي، وطلبات المشاركة فاقت المساحات المتاحة، ما يعكس “تعطّشاً حقيقياً للعودة إلى المعرض، في صورته الجديدة، الحرّة، والمنفتحة”.
دعم القراءة
فيما يخصّ دعم دور النشر، يوضّح الجويجاتي أنّ الدعم يأتي بطرق غير مباشرة، من خلال توزيع قسائم شراء للأطفال، ولا سيّما الفئات الأكثر حاجة، مثل الأيتام، عبر تنظيم زيارات مدرسية إلى المعرض، وبهذه الطريقة، يُمنح الطفل فرصة اختيار كتابه بنفسه، وتُنشّط حركة البيع لدى دور النشر، في علاقة متوازنة، تخدم الثقافة، والطفل، والناشر في آن واحد.
يتابع الجويجاني، لا يكتفي جناح الطفل بعرض الكتب، بل يقدّم برنامجاً ثقافياً تفاعلياً واسعاً، وهناك أجنحة مخصصة للرسم، مزودة بالألوان، والأوراق، وأدوات التشكيل، بإشراف متطوّعين، يتيحون للطفل التعبير عن نفسه بحريّة، كما توجد أركان لألعاب الذكاء، مثل الشطرنج وألعاب التفكير، وأخرى للحرف التراثية اليدوية، كالتطريز، والكروشيه، والتلوين على الخشب، حيث يتعلّم الطفل مهارات جديدة، ويرتبط بتراثه بطريقة حيّة.
مدينة الاكتشافات والفضول العلمي
من أبرز المساحات في جناح الطفل، مدينة الاكتشافات، بحسب الجويجاني، وهي جناح علمي تفاعلي، يتيح للطفل ممارسة أنشطة مخبرية مبسطة، والتعرّف على مفاهيم علمية بطريقة ممتعة، وفي هذا الجناح، يكتشف الطفل أسرار العلوم، من التجارب البسيطة، إلى مفاهيم تتعلّق بالبصمة، والفضاء، والمجرّات، والاختراعات التي غيّرت وجه التاريخ.
ويوضّح، خُصّص ركن لتبسيط المفاهيم الهندسية، عبر ورشات تفاعلية، يشرف عليها مختصون، تُمكّن الطفل من فهم الأبعاد، وتنفيذ مجسّمات، تعزّز مهاراته الإدراكية والهندسية، ورغم السعي لإبعاد الطفل عن الشاشات، لم يُلغَ الجانب التكنولوجي، بل جرى توظيفه بذكاء، فإحدى الشركات المشاركة تقدّم تجربة واقع معزّز، عبر نظارات مخصصة للأطفال، تُستخدم كوسيلة تعليمية، لا كإدمان بصري، كما توجد منصّة ستقدّم مسابقات ثقافية، صباحية ومسائية، وإذاعة داخلية، إضافة إلى عروض مسرحية، وكورال، وعروض لغوية، تقدّمها فرق متخصّصة، وقنوات موجّهة للطفل.
وضمن برنامج التشجيع على القراءة، سيحضر الحكواتي، ليحرّك خيال الطفل، حيث تُروى الحكايات بطريقة تفاعلية، تجعل الطفل شريكاً في السرد، فيعتاد على الإصغاء، ثم على القراءة، ثم على حبّ الكتاب.
لا حظراً ولا كتاباً ممنوعاً
عن معنى أن تكون هذه الدورة هي الأولى بعد التحرير، يؤكّد الجويجاتي أنّ المعرض يعكس وجهاً مختلفًا تماماً عمّا سبق، لا حظراً، ولا رقابةً مسبقة، ولا قوائم موافقات، كل دار نشر تستطيع عرض ما تشاء من عناوين، بلا خوف، وبلا تضييق. وهذا التوجّه، الذي تعهّد به وزير الثقافة، أعاد ثقة دور النشر العربية والعالمية، وفتح الباب أمام مشاركة كانت ممنوعة سابقاً، أو مشروطة، فزمن الممنوعات انتهى، والمعرض يشهد على ذلك من خلال كثافة المشاركين، وتنوّع العناوين، وحرية الاختيار.
في ختام حديثه، يختصر الجويجاتي فلسفة جناح الطفل قائلاً: “نريد للطفل أن يعيش تجربة ممتعة، تجربة يتسلّى فيها، ويتثقّف، ويشعر أنّ الكتاب صديق، لا واجباً، وعندما يغادر الطفل المعرض، نريده أن يحمل ذاكرة جميلة، وحنيناً للعودة، وقناعة داخلية بأنّ القراءة متعة، لا عبئاً”.
من جناح الطفل إلى الفضاء العام
بالتأكيد المعرض لا يراهن على فئة وحيدة، إنّما يؤسّس لرؤية ثقافية شاملة، تتّضح ملامحها أكثر في البرنامج العام، وفي حفل الافتتاح، وفي الفعاليات التي تُدار بعقلية جديدة. أيضاً كان لـ “الثورة السورية” لقاء مع ليلى الدبس، مديرة إدارة الفعاليات في وزارة الثقافة، والمشرفة على تنظيم حفل الافتتاح وإدارة الفعاليات داخل المعرض، والتي تؤكّد أنّ التحضيرات تسابق الزمن قبل انطلاق المعرض يوم الجمعة القادم، وهو سباق لا يخلو من التحدّيات، لكنّه مشحون بطاقة استثنائية، حيث أنّ جميع الفرق تعمل بأقصى طاقتها، من تجهيز القاعات، إلى تنسيق المشاركات، إلى ضبط البرنامج الثقافي الذي يُعدّ الأضخم في تاريخ المعرض.
ورغم ضيق الوقت، تشير الدبس إلى أنّ الروح العامّة للفريق هي التي تصنع الفارق، فهناك شعور جماعي بأنّ هذا الحدث يجب أن يخرج بصورة تليق بسوريا الجديدة.
ينطلق المعرض يوم الجمعة القادم ويستمر عشرة أيام، محتفياً بمشاركة أكثر من 500 دار للنشر، تقدّم ما يزيد على 100ألف عنوان، من 35 دولة عربية وأجنبية، هذا الحضور الكثيف يعكس حجم التفاعل والاستجابة التي حظي بها المعرض منذ الإعلان عنه، ويؤكّد أنّ دمشق ما زالت قادرة على أن تكون مركزاً ثقافياً جاذباً رغم كلّ ما مرّت به، فالبرنامج الثقافي صُمّم ليوازن بين العمق والتنوّع، ويتضمّن أكثر من 650 فعالية فكرية وأدبية وتاريخية، بمشاركة أكثر من 500 كاتب ومفكر وباحث.
الجوائز والمبادرات
سيشهد المعرض إطلاق سلسلة من الجوائز والمبادرات الثقافية بحسب الدبس، حيث سيتمّ إطلاق أكثر من سبع جوائز تشمل جوائز للناشرين السوريين والعرب والدوليين، وأفضل ناشر شاب، وناشري كتب الأطفال، إضافة إلى جائزة شخصية المعرض.
وتضيف، جرى تخصيص أركان متعدّدة للفعاليات المرافقة، من بينها صالون ثقافي يستضيف شخصيات فكريّة بارزة، وركن للندوات الجماهيرية، وسوق للورّاقين، وأجنحة للخطّ العربي والفنون، إلى جانب ربط المعرض بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عبر شاشات وخدمات تفاعلية، في محاولة لدمج الثقافة الكلاسيكية مع أدوات العصر.
حفل الافتتاح… لم تشهده سوريا
عن حفل الافتتاح، تحدّثت الدبس مؤكّدة أنّه سيكون بحضور رسمي من الدولة، إلى جانب عدد كبير من الشخصيات الفكرية والثقافية، ودور النشر، وكتّاب من داخل سوريا وخارجها، وسيكون الحفل، كما تصفه، عرضاً ثقافياً ضخماً يقوم على رؤية موجّهة نحو تنوّع الثقافة السورية، والهدف أن يقدّم المعرض منذ اللحظة الأولى رؤيته الثقافية، وأن يعلن توجهه، وما الذي يريد أن يعبّر عنه.
وسيضّم حفل الافتتاح فقرات تُعنى بجميع أوجه الثقافة في سوريا، من الحديث عن الحضارات التي مرّت على هذه الأرض، إلى استحضار نخب من الشخصيات الفكرية والأدبية الراحلة، مثل نزار قباني، والجاحظ، والمتنبي، وأسماء أخرى، باستخدام تقنية الهولوغرام التي ستجسّد هذه الشخصيات لأوّل مرّة في حفل افتتاح داخل سوريا. وفي هذا السياق، تحدّثت الدبس أنّ” هذا العرض غير مسبوق، إنّه محاولة للجمع بين الذاكرة والتقنيّة، بين الماضي والحاضر، في مشهد واحد”.
حول الضيوف، تشير الدبس إلى حضور أسماء كبيرة ولامعة، منها أدهم شرقاوي وأيمن العتوم، إلى جانب كتّاب ومفكرين لهم ثقلهم الثقافي، وهذا الحضور، بحسب رأيها، سيترك أثراً كبيراً، ليس فقط على مستوى المعرض، بل على المزاج الثقافي العام، لأنّه يعيد وصل سوريا بحراكها الثقافي العربي والدولي.
تنوّع الفعاليات
عن الفعاليات الثقافية التي يبلغ عددها أكثر من 650 فعالية، توضّح الدبس أنّ هذا الرقم ما زال مفتوحاً على الزيادة، وأنّه يشمل محاضرات، ومناظرات، وندوات، وحفلات توقيع كتب. الإقبال على تنظيم حفلات التوقيع كان لافتاً، سواء تلك التي تنظّمها دور النشر، أو المبادرات الفرديّة لإطلاق الكتب الأولى للكتّاب، كما تمّ تخصيص حفلات توقيع لذوي الهمم من الكتّاب. وحرصت إدارة المعرض على تجهيز قاعات الفعاليات بكافة الأدوات اللازمة لإنجاحها، من شاشات، وإضاءات، ونظم صوت متطوّرة تخدم طبيعة كل فعالية، كما سيكون هناك عروض فلكلورية تمثّل مختلف اللوحات الثقافية في سوريا، من الفنّ الكردي والشركسي، إلى الأرمني، إضافة إلى عدد من المسرحيات التي ستُعرض ضمن البرنامج الثقافي.
وخصوصية هذه الفعاليات، كما تؤكّد الدبس، أنّها جميعاً تصبّ في الرؤية الثقافية الجديدة لسوريا، رؤية تقوم على بناء ثقافة تشاركية بين الشعب والحكومة، وبأنّ الثقافة لم تعد حكراً على المؤسسات الرسمية، هي مساحة مفتوحة للمبادرات الفردية، وللمجتمع المدني، وللشركات الخاصة التي كان لها دور فعال في دعم المعرض، وهذا التلاقي بين الجهود الرسمية والفردية أعطى للمعرض طابعاً مختلفاً، وجعل الناس يشعرون أنّه حدث يخصّهم.
المبادرات الفرديّة
تلفت الدبس إلى أنّ من أبرز ما ميّز التحضيرات هو حجم المبادرات الفردية التطوّعيّة التي شاركت في المعرض بالكامل، إقبال الناس، وحبّهم للمساهمة، كان دافعاً إضافياً لبذل أقصى الطاقات، كي يخرج المعرض بأعلى مستوى ممكن من التجهيز والتنظيم، وهذا الحماس الشعبي، كما تقول، هو “المؤشّر الأهمّ على أنّ الثقافة ما زالت قادرة على جمع السوريين حولها”.
من المحليّة إلى العالميّة
يشارك في المعرض دور نشر من دول أوروبية وعربية ومحليّة، إضافة إلى دور نشر سورية لها باع طويل في المشهد الثقافي، وهذا التنوّع في المشاركات يمنح المعرض غنىً خاصاً، ويتيح للقارئ السوري الاطلاع على تجارب مختلفة، وعلى أحدث ما صدر في مجالات الفكر والأدب والعلوم.
تختم ليلى الدبس حديثها بالإشارة إلى أنّ التحضيرات شارفت على الانتهاء، وأنّ جميع قاعات الفعاليات ستكون جاهزة منذ اليوم الأول، والفعاليات ستبدأ من بعد الظهر وحتى التاسعة مساء، مع وجود شاشات تعلن مواعيد بداية المحاضرات والندوات ونهايتها، لضمان تنظيم سلس يراعي الزوار والضيوف على حدّ سواء.
وعن التحدّيات، تقول الدبس إنّها كثيرة، فالوقت يداهم الجميع، والكوادر تواجه صعوبات حقيقية في ظلّ الإمكانات المتاحة، والتجهيزات لم تكن سهلة، لكن كلّ ذلك لم يؤثّر على الهمّة، ولا على الإصرار على إنجاح المعرض، بالعكس، هذه التحدّيات زادت من الشعور بالمسؤولية، ومن الرغبة في أن يكون المعرض على قدر الحلم.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
