إسراء حسن
في ظلّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها المحتوى الصحي في وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد السؤال مقتصراً على المعلومة في ذاتها، بل على طريقة تقديمها، وتأثيرها في وعي الناس ومخاوفهم اليومية.
بين النصيحة الطبية واللغة الشعبية، قدم طبيب السموم الكلينيكية والمختص في التغذية العلاجية الدكتور كريم علي إلى شريحة واسعة من الجمهور العربي مفاهيم صحية تفتح الباب أمام نقاش ضروري حول الوقاية، نمط الحياة، ومسؤولية الفرد عن صحته.
من دبي إلى بيروت، كان اللقاء مع علي مناسبة لطرح أسئلة تصل إلى جوهر العلاقة بين الإنسان وجسده: بين المناعة واللقاحات والسرطان والتغذية والسمنة وبين الجيل الجديد الذي يكبر في عالم شديد التعقيد.
*أهلاً بك في بيروت. هل الطقس البارد سبب فعلي للفيروسات أم ذريعة للخوف؟
-المشكلة الحقيقية ليست في الطقس بحد ذاته، بل في طريقة تعاملنا معه. لا يوجد إجراء واحد يمكن أن نقوله للناس كي لا يُصابوا بالبرد أو بالفيروسات. المسألة ليست ارتداء ملابس إضافية أو الخوف المبالغ فيه، بل أسلوب حياة متكامل.
الطفل الذي يكثر من السكر، ولا يمارس الرياضة، ويقضي ساعات طوالاً أمام الشاشات، ويتناول المقليات والمشروبات الغازية، ستكون مناعته ضعيفة مهما حاولنا حمايته. أما من يعيش بنمط صحي، فمناعته أقوى بكثير مما نتصور.
لم يخلق الله فيروسات لتقضي على البشر، بل خلق جهازاً مناعياً قادراً على الحماية، لكننا أهملنا هذه الحماية الطبيعية.
*هل تحوّل المحتوى الصحي في وسائل التواصل إلى صناعة للقلق؟
-من يعرف ما يحتاجه جسده، وما هو الطريق الصحيح الذي يسير فيه، لا يمكن إخافته بخبر أو ترند.
عندما خرجت جائحة كورونا، قلت بوضوح: من توفي بسبب كورونا، كان يمكن أن يتوفى بسبب أي فيروس آخر، لأن مناعته كانت ضعيفة أساساً.
أغلب الحالات الخطرة كانت تعاني من السمنة، والسكري، وارتفاع الضغط، ونقص فيتامين “د”، وأمراض القلب.
*في ظل الجدل القائم، أين تقف من ملف اللقاحات؟
-الجدل حول اللقاحات ليس جديداً، وبعضه محسوم علمياً. هناك لقاحات تم سحبها بعد فترة من استخدامها، وهذا واقع لا يمكن إنكاره. السؤال الأهم: ماذا عن الأشخاص الذين تلقّوها قبل سحبها؟
أنا، منذ بداية الجائحة، ركّزت على دعم المناعة الطبيعية: فيتامين “د”، الزنك، فيتامين “سي”، التغذية السليمة، والنوم الجيد.
هذه ليست أفكاراً مبتدعة، بل أساسيات يعمل بها الجهاز المناعي منذ خُلق الإنسان. حينما تكون هذه الأساسيات غائبة، لا يمكن لأي لقاح أو دواء أن يعوّضها بالكامل.
*السرطان: لماذا لايزال بلا علاج نهائي؟
-السرطان ليس مرضاً واحداً ولا سبباً واحداً. هو خلل عميق في وظيفة الخلايا، وله عوامل متعددة. لا توجد مادة سحرية تعالج السرطان، ولا فيتامين معجزة.
العلاج يجب ألا يقتصر على الجراحة أو العلاج الكيميائي فحسب، بل يجب أن يشمل نمط الحياة: النوم، التغذية، تخفيف التوتر، معالجة المشاعر المكبوتة، التعرّض الصحي للشمس، والابتعاد عن السموم اليومية.
نسبة عودة السرطان بعد العلاج الطبي وحده مرتفعة، لأننا نعالج الأعراض ونترك الأسباب. الحل الحقيقي هو الجمع بين الطب الحديث والطب الوظيفي، الذي يبحث في جذور المرض لا في نتائجه فقط.
*الجدل يزداد حول الهرم الغذائي. ماذا تقول للجمهور العربي اليوم؟
-عندما تتغيّر الإرشادات الغذائية بهذا الشكل الجذري، فهذا يعني أن هناك ضحايا.
محاربة الدهون أدّت إلى السمنة، والسكري، واضطرابات الهرمونات، لأن الهرمونات تُصنع أساساً من الدهون.
ما يسبّب الجلطات ليس الدهون، بل الالتهابات الناتجة في معظمها من السكر والنشويات. نحن اليوم نعيش في أكثر العصور سمنة في تاريخ البشرية، رغم كل “النصائح” الغذائية التي قُدّمت مدى عقود.
*كيف تنظر إلى موجة حقن التنحيف؟
-مشكلتي ليست مع الفكرة في ذاتها، بل مع سوء الاستخدام. هذه الحقن تؤدي غالباً إلى خسارة الكتلة العضلية أكثر من الدهون، ما يضعف المناعة ويؤثر سلباً على شكل الجسم وصحته.
إذا استُخدمت، فيجب أن تكون وسيلة مساعدة لبناء عادات صحية جديدة: تناول كميات كافية من البروتين، ممارسة تمارين المقاومة، وتنظيم نمط الحياة.
من لا يغيّر عاداته، سيستعيد وزنه مضاعفاً بعد التوقف.
*أحد أكثر فيديوهاتك انتشاراً كان عن الحليب البقري. هل ما زلت عند موقفك؟
-نعم. مشكلتي ليست مع كل أنواع الحليب، بل مع الحليب البقري تحديداً.
المشكلة تكمن في اللاكتوز والكازين A1، المرتبطين بالالتهابات، وزيادة المخاط، واضطرابات المناعة، وقد يفاقمان بعض الأمراض.
من يعاني من انتفاخ، إمساك، قولون عصبي، مشاكل جلدية أو “ضبابية ذهنية”، أنصحه بتجربة التوقف عن الحليب البقري. البدائل موجودة، مثل حليب الماعز أو الغنم أو الجاموس.
*البلوغ المبكر لدى الأطفال: ظاهرة صحية أم نتيجة نمط حياة؟
-هذه ظاهرة مقلقة للغاية. السمنة عند الأطفال، الأغذية المصنّعة، العطور، ومخربات الهرمونات الموجودة في كثير من المنتجات اليومية، كلها عوامل تسرّع البلوغ.
الوقاية تبدأ بالحركة، التغذية السليمة، تقليل السكر، والحد من الشاشات. الطفل يتعلّم من نمط حياة أهله، لا من نصائحهم فقط.
*ما الخطر الصحي الأكبر الذي تحذّر منه اليوم؟
-أحذّر من التوتر المزمن، ومن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية، خصوصاً لدى الأطفال. إذا لم نضبط هذا الأمر، فسنواجه جيلاً يعاني من أمراض نفسية وعقلية لم نشهدها من قبل.
أتمنى أن يدرك الناس الحقيقة الصحية الأساسية: نحن المسؤولون أولاً عن صحتنا، قبل أي طبيب أو دواء.
أخبار سوريا الوطن١-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
