انس جودة
قدر السوريين أن يعيشوا النزوح والتهجير لا كحدثٍ عابر، بل كحالة دائمة، وكجزء من ذاكرتهم الجمعية، بل من تعريفهم لأنفسهم. أصبحنا شعب النفي، الموزع على أطراف الأرض، بلا وطن نشعر فيه بالانتماء أو الأمان أو الاستقرار. مأساة السوريين واحدة: من في الداخل يريد الخروج، ومن في الخارج يتوق إلى العودة، والجميع يبحث عن وطن مفقود.
تحولنا إلى ضحايا ووقود في حروب الآخرين، لا فرق تحت أي علم، ولا خلف أي بندقية نقف. حتى من رفض كل الأطراف وكل البنادق، لم ينج من المحرقة. الجميع فيها، ولو توهم بعضهم أنهم الفئة الناجية. فهذه ليست حربا تختار ضحاياها على أساس الشعارات أو الألوان، بل رحى تطحن كل من يقع بين حجريها.
لا خلاص لهذه البلاد ما دامت الخنادق والجدران قائمة، ولا خلاص ما دمنا نستثمر في الحقد ونتشفى بآلام بعضنا، فيما تجلس أطراف الصراع على الطاولة تفاوض على دمنا وحياتنا ومصيرنا. نحن في حرب دائمة لا نملك فيها شيئا، ولا تعود علينا بشيء. ومهما تنازلنا فيها لبعضنا، فنحن رابحون، لأن بقاءها خسارة محققة. وكلما طالت، تآكلت ممكنات العيش نفسه، لا المشترك فقط؛ فالخرائب لا تسكنها إلا القوارض والغربان.
هذه الأمجاد الزائفة والانتصارات الوهمية ليست سوى سما ومخدرات نعيش عليها. وكلما أدمنّاها احتجنا إلى دم جديد، وإلى جماعة جديدة نفرغ فيها بؤسنا وحماقاتنا، حتى تدور دائرة الموت على الجميع. هكذا تدوم الحروب الطويلة: لا بالقوة وحدها، بل بالوهم الذي يمنحها شرعية الاستمرار.
متى نقتنع أن العدو ليس السوري الذي أمامنا، بل من سلحه وجهزه ومنحه السلطة، وأغمض عينيه عما يرتكبه من جرائم، ليضعه في الفخ ويمسكه من رقبته فينفذ ما يريد؟ فإن انتهت صلاحيته، رفع عنه الغطاء فيقصف أو يفجر مقره أو يمحى وجوده، أو يطلب منه الاختفاء عن المشهد، في أحسن الأحوال.
ومتى نعي أن ما نسميه “انتصارات” ليس سوى توافقات بين هذه الأطراف: تخرج من تشاء من منطقته، وتعيد من تشاء، تهجر سكانا وتسكن بدلا منهم آخرين، وفق حسابات لا علاقة لها بنا ولا بحياتنا؟
نحن، في أحسن الأحوال، ممثلون على مسرح متهالك. المسرحية مكررة، سخيفة، ومملة من كثرة الإعادة. والمصفقون ليسوا جمهوراً بريئاً، بل جزء من الديكور: ندابات، وراقصات مبتذلات، يخفون القبح بأطنان من المساحيق الرديئة، ويظنون الضجيج بطولة، والتصفيق موقفا.
آن الأوان لوقف هذا الجنون، وهذا الغباء، وهذا التكاذب، واللعب على الحبال، وادعاء الوطنية والطهارة. آن الأوان أن ننظر في أعين بعضنا ونقول: كفى. نريد أن نعيش كبشر، وأن نبني وطناً لأبنائنا يعيشون فيه بأمان؛ لا ككائنات تقتات من دماء ولحوم الجثث.
سوريا لك السلام
(اخبار سوريا الوطن ٢-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
