آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » نصرٌ مُعلَن…كذبةٌ تُدار بمهارة!

نصرٌ مُعلَن…كذبةٌ تُدار بمهارة!

 

 

د. سلمان ريا

 

لنكن أكثر صراحة: ما يُقال اليوم عن «اقتراب الحسم» ليس تحليلًا، بل تسويق سياسي رديء. حين يقف دونالد ترامب ليعلن أن الحرب شارفت على نهايتها، فهو لا يصف واقعًا، بل يكتب نصًا دعائيًا لجمهورٍ يحتاج إلى وهم الانتصار أكثر مما يحتاج إلى الحقيقة.

 

المشكلة ليست في التناقض بين التصريح ونقيضه، بل في أن هذا التناقض مقصود. خطاب «النصر» يُستخدم لتسكين الداخل، وخطاب «الإبادة» يُستخدم لابتزاز الخارج. وبينهما تُدار الحرب كعرضٍ إعلامي مفتوح، لا كاستراتيجية لها نهاية.

 

لكن ما لا يُقال أهم بكثير مما يُقال: لا أحد يملك تعريفًا حقيقيًا للنصر. هل هو تدمير البرنامج النووي الإيراني؟ احتواؤه؟ تغيير سلوك طهران؟ أم مجرد إعادة إنتاج ميزان ردعٍ هشّ يمكن تسويقه كإنجاز؟ الحقيقة أن الهدف يتغير باستمرار، لأنه ببساطة غير موجود بصيغته النهائية. النصر هنا ليس غاية، بل أداة قابلة لإعادة التعريف حسب الحاجة.

 

في هذا السياق، تتحول المفاوضات إلى مسرحية مكمّلة. تُفتح قنوات، ثم تُغلق بالشروط. تُطرح مبادرات، ثم تُفرغ من مضمونها. يُقال إن الطرف الآخر «يريد التفاوض»، لكن سقف المطالب يُرفع إلى درجة تجعل أي اتفاق مستحيلًا. الهدف ليس الحل، بل إبقاء اللعبة قائمة: لا حرب تنتهي، ولا سلام يبدأ.

 

أما الحلفاء، فقصتهم أكثر إحراجًا. حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي طالما قُدِّم كجبهةٍ موحّدة، يبدو اليوم كتحالفٍ على الورق فقط. أوروبا تعرف أن كلفة هذه الحرب ليست نظرية، بل اقتصادية وأمنية مباشرة، ولذلك تختار التردد؛ ليس رفضًا، بل انسحابًا ناعمًا من مغامرة لا تضمن نتائجها.

 

هذا التباعد يكشف حقيقة غير مريحة: الغرب لم يعد كتلة واحدة، بل شبكة مصالح متباينة. وعندما ترتفع الكلفة، يتبخر الخطاب الأخلاقي، وتبقى الحسابات الباردة.

 

لكن اللاعب الأكثر صدقًا في هذه المعادلة ليس السياسيين، بل السوق. في مضيق هرمز، لا قيمة للخطابات. هناك فقط سؤال واحد: هل ستمر ناقلات النفط أم لا؟ أي اضطراب، حتى لو كان جزئيًا، يكفي لإرباك الاقتصاد العالمي. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في الإغلاق الكامل، بل في الفوضى المُدارة—سفن تمر وأخرى تُمنع، إمدادات تصل وأخرى تتعطل، وسوق يعيش على أعصاب الاحتمالات.

 

هذا النوع من الغموض هو السلاح الأكثر فاعلية، لأنه لا يعلن نفسه حربًا شاملة، لكنه يُنتج آثارها بالكامل.

 

في النهاية، ما يجري ليس حربًا تقليدية تسعى إلى الحسم، بل نظام قائم بذاته: حرب تُدار لتستمر. النصر فيها ليس لحظة نهائية، بل عنوان يُعاد تدويره. والتصعيد ليس خيارًا طارئًا، بل وقودًا دائمًا.

 

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سينتصر؟

 

السؤال هو: من يملك الجرأة ليقول إن «النصر» نفسه لم يعد موجودًا أصلًا؟

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما الذي يمكن عمله للرد على قانون إعدام الأسرى؟

د. إبراهيم أبراش تكمن خطورة مصادقة الكنيست الإسرائيلي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في أنه ليس قانوناً عادياً يُشرع عقوبة الإعدام للمجرمين كما هو الحال ...