شاهر أحمد نصر
نظّم فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب، مع نادي اقرأ يوم امس لقاء حول كتاب “الرواية الحديثة” للدكتور حسام عتال، كان محوره تقديم الأستاذة الشاعرة أحلام غانم دراسة شاملة تعرف بالكتاب على نحو مسهب وشامل، وقد قدّر الحاضرون جهدها الملموس في التعريف بهذا الكتاب المفيد، تلاها مداخلات مختصرة (بسبب ضيق الوقت) للأديبة سعاد غانم، والدكتور محمد حاج صالح، والدكتور محمد علي، والأستاذة رجاء عمار، والأديبة غفران سليمان كوسا التي أدارت اللقاء، وقد أضاءت الأستاذة لينا حمود، وكتاب ووكالات أنباء على هذا الحدث في أكثر من مقال وخبر…
مع التقدير العميق لجهود فرع طرطوس لاتحاد الكتاب العرب، ومن أسهم في نجاح هذا اللقاء، لفتني أنّ الجانب النقدي والتفاعلي في مثل هذه اللقاءات والندوات ما يزال متواضعاً، وينبغي لنادي اقرأ تداركه في أنشطته اللاحقة…
إنّ النظرة النقدية ضرورية لكلّ كاتب وقارئ، إذ إنّ الإطراء وحده لا يفيد، بل ينبغي دراسة أي نص نقدياً؛ وفي ذلك فائدة للقارئ وللكاتب معاً، هذا ما ينبغي أن يكون أحد معايير أنشطتنا في نادي اقرأ التي تهدف إلى تقديم الفائدة والمتعة للحضور عبر عملية تفاعلية في الحوار والنقاش تتجاوز أساليب الإلقاء والتلقين…
كم هو مؤسف أنّ مسالة النقد ما تزال مهمشة في دراساتنا عموماً، بسبب عقود من الظلام والتجهيل في العهد البائد، وانتشار اللون الواحد، وتجريم النقد، والاكتفاء بإيراد ما هو إيجابي من دون ذكر أي ثغرة في العمل الخاضع للدراسة… لقد أثر ذلك في مناهج التفكير، والبحوث، وثبّط العقول وجمّدها، فالعقول التي لا تستخدم منهج النقد الموضوعي تضمر وتضمحل في قوالبها الضيقة… والأكثر إثارة للأسف في زماننا هذا تقديم الشتائم على النقد الموضوعي، ومع ازدياد وتيرة الشتائم تزداد شعبوية الخطاب وتتفاقم دونيته، ونخسر الإنسان، مع محاصرة قيم الجمال والمحبّة وتهشيمها.
استكمالاً لما قدمه الأدباء والإعلاميون في هذا اللقاء الحميمي الجميل، أرى مفيداً إظهار العناصر التي وددت لو تضمنها كتاب “الرواية الحديثة” المفيد لتزيده غنى وفائدة.
لقد أراد الدكتور حسام عتال أنْ يقدم دليلاً لكتّاب الرواية في مؤلفه، الذي قدّم فيه تعريفاً للرواية، وحدد هيكل القصة “(بداية، ووسط، ونهاية) كأساس بنيوي تنظيمي لكي يضمن أنّ أحداث الرواية الحبكة تحصل في وقتها الملائم، وأنّ عناصر الرواية قد استوفت من دون انتقاص مخلّ، أو تطويل مفرط”… وبين محركات الرواية، ألا وهي مزيج من الشخصيات والحبكة… وكيفية تحرير الرواية ومراجعتها، و”معالجة معضلة المنتصف المنفوخ وترهل النص”، واختتم المؤلف كتابه بالحديث عن الصفحتين الأولى والأخيرة في الرواية، مع التنويه إلى أنّ الصفحة الأولى ينبغي أن تتضمن: عنصر التشويق الذي يجب أن يبدأ من أول سطر… وأنّ “الجملة الأخيرة في الرواية يجب أنْ تترك صدى في أذنه وقتاً طويلاً، كأنها النوتة التي تختتم بها السمفونية…”.
لقد أثار لدي هذا الكتاب المفيد عدداً من الأفكار والتساؤلات، التي أرى أنّ ذكرها يغني هذا الكتاب المفيد؛ أذكر منها:
– من المفيد عند الحديث عن الكتابة التنويه إلى مهمات الكاتب الرئيسة، وأهمها: “اكتساب المعرفة، وإنتاجها وتقديمها والإسهام في تشكيل مجتمع المعرفة…” شرط ألا يطغى الجانب الأيديولوجي على الجانب الفني وتقنياته في السرد الروائي…
فالكتابة مسؤولية، والكاتب يتأثر بمشكلات المجتمع الذي يعيش فيه، وتهمه قضايا الإنسان ورقيه الأخلاقي والروحي…
– ينتظر القارئ من الكاتب، حسب رأي غوركي، شيئاً مثيراً مميزاً خلابًا، شيئاً لا يشبه الحياة، بل يسمو عليها، شيئاً أفضل منها وأجمل”، فإحدى مهام الأدب أن يجعل الحياة أجمل، ليعيش النّاس حياة أكثر صفاء وإشراقاً من حياتهم اليومية الرتيبة، انظروا في أعين النّاس، واحكموا عليهم من عيونهم: “كم هي عكرة، حزينة، مملة وجامدة”.
– هل كان من الأفضل لو أوجز الدكتور حسام عتّال مؤلف كتاب “الرواية الحديثة” في سرد عدد من التفاصيل عند الحديث عن بنية الرواية وهيكلها وتحريرها، وأنار بعض جوانب الإبداع الفني وأسسه، ومناهج النقد الأدبي والفني، التي تصقل مهارة الكاتب؟
– لمّا كانت: “قيم الرواية هي قيم الفن”. و”الكتابة هي إحدى وسائل امتلاك العالم فنياً”، فإنّه من المفيد عند الحديث عن الرواية التطرق إلى قيم الفنّ، والتنويه إلى أهمية توافر الذائقة الجمالية لدى الكاتب، والملكات الذهنية والفنية التي تمكنه من اكتشاف جوهر وقوة الجمال والحبّ التي ترتقي بإنسانية الإنسان، وتجعله يتجاوز الفروق الطبقية والعرقية والدينية وقيمها، والقيم كلها، ليقيم علاقة وجودية رابطها الجوهري هو الحبّ، الذي هو أسما من المناصب والثروة والألقاب والأوسمة كلّها وأهمية مراعاة هذه العناصر في الكتابة… علماً أنّ أسس عناصر الفنّ والجمال الرئيسة متداولة في الفن والأدب عبر الأجيال، والجنس الأدبي (الرواية، على سبيل المثال) “يُبعث، كما يقول باختين، ويتجدد في كلّ مرحلة جديدة من مراحل تطور الأدب، وفي كلّ عمل أدبي فردي في حياة هذا الجنس. ولذلك فالعناصر الأدبية الأرشيفية القديمة تحافظ على ذاتها في الجنس الأدبي، ولا تموت، بل تبقى حية وقابلة للتجدد.
يعيش الجنس الأدبي في الحاضر، ولكنّه يتذكر دائماً ماضيه، وتطوره، وبدايته. الجنس الأدبي – هو ممثل الذاكرة الإبداعية خلال عملية التطور الأدبي؛ لذلك يكون الجنس الأدبي بالتحديد قادراً على تحقيق وحدة واستمرارية تطوره من دون تقطع. هذا هو سبب ضرورة الارتقاء إلى مستوى منابع الجنس الأدبي لفهمه فهماً صائباً”.(8)
– ينبغي للأديب أن يتعرف إلى منابع النقد والنظريات النقدية في كل جنس أدبي قبل خوض غماره؛ مع التأكيد على أهمية الرأي الذي يقول إنّ “قيمة أي عمل، ولا سيّما الأدبي، أو الفني تكمن في مقدرته على تبديل المتلقي، فإذا شعرت بعد قراءة عمل فني أنّك أصبحت غيرك قبل قراءته، وأنّ ثروة جديدة أنارت ذهنك، وجعلت عالمك يتسع ويزداد إرهافاً، وإشراقاً، وتحضراً؛ فاعلم أنّ هذا عمل فني حقيقي ناجح، وإذا رغبت أن تتبدل فاقرأ عملاً ناجحاً”(2)،
– عند البحث في مسألة الكتابة الروائية والأدبية ينبغي التذكير بأهمية التعرف إلى مختلف النظريات في علم الجمال منذ القدم حتى نظريات علماء الجمال المعاصرين، وإظهار أهمية تلك النظريات، وأولها نظرية أفلاطون، الذي ربط الجمال بالحُبِّ الإلهيِّ، ذلك لأنّ موضوع الحبّ هو الجمال بالذات، ويرى أنّ الفنون تأخذ جمالها من محاكاتها للطبيعة، وإن كانت هذه المحاكاة ناقصةً باعتبارها محاولةُ وصولٍ إلى العالم المثاليِّ… فالجمال هو محاكاة للجمال الإلهي المقدس ولعالم المثل الأول، وحتى يستحضر الفيلسوف أو الأديب أو الشاعر هذا الجمال النوراني ويحاكيه لابد من تدرجه في مراتب الكمال الأخلاقي، وذلك بالابتعاد عن الرذائل باعتبارها تكبل النفس وتقيدها عن ملامسة الجمال الحقيقي ورؤية الصفاء الملكي فوحدهم الفلاسفة الشعراء والمختارون من قبل ربات الشعر القادرون على تمثل هذا الفيض الجمالي والتعبير عنه، وما دون ذلك يبقى عملهم ناقصا ومشوهاً؛ وينبغي أن تتوافر هذه الصفات في الكاتب الروائي كي يقدم عملاً فذاً…
– من المفيد عند الحديث عن الكتابة الأدبية عدم أغفال مجموعة من المسائل كالموهبة، والذائقة الجمالية، وروح الكاتب، وإلمامه بالجوانب الفلسفية والجمالية، وأنْ يمتلك رؤيته الفلسفية وذائقة جمالية، وروحه الخاصة التي ينبغي أن يعبق بها النص وروحه… فالكتابة التي لا روح، ولا جمال فيها، لا تصلح لأنْ تصنف في المجال الفنّ الأدبي…
كانت تلك بعض الأفكار التي وددت لو أنارها الدكتور حسام عتال في كتابه “الرواية الحديثة” إصدار دار موزاييك للدراسات والنشر – اسطنبول – تركيا، الشارقة = الإمارات العربية المتحدة – 2025 قدّم له الدكتور أحمد جاسم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب،
الهوامش:
(12) رواية الأصول وأصول الرواية، مارت روبير، ترجمة وجيه أسعد – اتحد الكتاب العرب، دمشق 1987.
(8) ميخائيل باختين – أسس الإبداع الفني عند دوستويفسكي – ترجمة مالك صقور – شاهر أحمد نصر – اتحاد الكتاب العرب دمشق 2016. ص160

(اخبار سوريا الوطن ٢-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
