في إحدى أخطر عمليات التدقيق الصحفي التي تتناول القيادة السياسية الإسرائيلية منذ سنوات، كشفت صحيفة هآرتس، استنادا إلى محاضر رسمية غير منقحة، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قدّم للجمهور رواية مشوّهة ومضللة حول الإخفاقات التي سبقت هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي تقرير مطوّل لكبير مراسليها السياسيين، ميخائيل هاوزر توف، أكدت هآرتس أن الوثيقة التي نشرها نتنياهو لا تعكس الصورة الكاملة لعملية صنع القرار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بل تعمد إلى اقتطاع الوقائع من سياقها وإعادة ترتيبها بما ينقل المسؤولية إلى الأجهزة الأمنية، ويبرّئ القيادة السياسية.
وكان نتنياهو قد أصدر، يوم الخميس، وثيقة مفصلة من 55 صفحة، تضمنت روايته الخاصة للإخفاقات التي أدت إلى هجوم حركة حماس في ذلك اليوم.
وقال في البيان الصحفي المرافق للوثيقة إن “هذه الوثيقة تتضمن محاضر جلسات أمنية ووثائق أخرى تغطي فترة تمتد 12 عاما، بدءا من عملية الجرف الصامد [حرب غزة 2014] حتى صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023″.
وأضاف: “يجب أن أقول لكم، إن الكثيرين ممن اطلعوا على هذه الوثيقة صُدِموا، لأنهم اكتشفوا أمورا لا حصر لها كانت نقيضا تاما لما سمعوه في وسائل الإعلام خلال العامين الماضيين”.
تلاعب بالوقائع
وأفادت هآرتس أنها حصلت على محاضر وملخصات العديد من النقاشات التي أشار إليها نتنياهو في دفوعه. ويُظهر الاطلاع على الوثائق الكاملة صورة واضحة لا لبس فيها، إذ أكدت الصحيفة أن نتنياهو “تلاعب بالوقائع، وكذب، وقدّم أنصاف حقائق فيما عرضه على الجمهور”.
ومضت إلى القول إن بعض ادعاءاته “خاطئة بالكامل”، وبعضها عُرض بأسلوب ينطوي على “تلاعب”، في حين جاءت الاقتباسات التي اختار تضمينها انتقائية، إذ حُذفت منها أجزاء من النقاش لا تنسجم مع الرواية التي يسعى إلى تسويقها.
هآرتس: الاقتباسات التي اختار نتنياهو تضمينها انتقائية، إذ حُذفت منها أجزاء من النقاش لا تنسجم مع الرواية التي يسعى إلى تسويقها
وأعاد مراسل الصحيفة في تقريره إلى الأذهان أن هذه ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها رئيس الوزراء على هذا النحو. فعندما منعت المحكمة العليا محاولته إقالة رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار، قدّم نتنياهو إفادة خطية تضمّنت شكاوى عديدة ضد رئيس الجهاز، استند فيها إلى بروتوكولات سرية لمحادثات جرت بينهما.
وفي تلك القضية أيضا، أثبتت هآرتس، استنادا إلى البروتوكولات غير المنقحة والمحادثات الموثقة، أن نتنياهو استخدم الاقتباسات بشكل مشوَّه، مقدّمًا للقضاة صورة منحازة ومضللة.
ومن بين ما اعتبرته أكاذيب، ذكرت الصحيفة أن نتنياهو حاول نفي استخدامه لمصطلحي “الاحتواء” و”الهدوء” في التعامل مع حركة حماس، غير أن محاضر رسمية صادرة عن مكتبه نفسه كذَّبت هذا الادعاء علانية.
ولفتت الصحيفة إلى أنه قال، في فبراير/شباط 2023، لوالدي الجندي الإسرائيلي القتيل هدار غولدين إن “حماس رُدِعت”، وإن الحفاظ على الهدوء يشكّل “ورقة ضغط” عليها، وهو ما يتناقض كليا مع ادعائه بأنه لم يتبنَّ قط سياسة الاحتواء.
هآرتس: ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في التقدير أو قراءة متباينة للأحداث، بل هو نمط ممنهج من إعادة صياغة الوقائع بعد وقوع الكارثة، في محاولة لتخفيف المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أعلى هرم السلطة
ادعاءات بشأن الاغتيالات
وفيما يتعلق بسياسته اتجاه الاغتيالات، فضحت هآرتس في تقريرها زيف ادعاء نتنياهو أنه كان الداعم الدائم لتصفية قادة حماس.
وكشفت أن نتنياهو عارض مرارا تنفيذ عمليات كبرى، من بينها خطة لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس يحيى السنوار وقائد هيئة أركان كتائب القسام محمد الضيف في 11 مناسبة مختلفة.
وفنّد تقرير الصحيفة أيضا محاولات نتنياهو إلقاء اللوم على قادة المؤسسة الأمنية، لا سيما تحريفه أقوال رئيس جهاز الشاباك رونين بار.
وأفادت هآرتس أنه بينما حاول نتنياهو إظهار رونين بار معارضا للاغتيالات وداعيا إلى تجنب التصعيد، أوضحت البروتوكولات الكاملة أن رئيس الشاباك في ذلك الوقت كان يحذر من خطر السنوار الوشيك، ويطالب بتوجيه الموارد لمواجهته بدلا من الانشغال بعمليات صغيرة.
أما فيما يتعلق بالتحذيرات السابقة للهجوم، فتشير هآرتس إلى أن نتنياهو تجاهل تقديرات وتحذيرات واضحة من قادة أمنيين رأوا أن الهدوء الظاهري لا يعني انتفاء الخطر.
بل إن رئيس الوزراء، وفق الوثائق، كان صاحب الاقتناع الأساسي بأن “توازن الردع قوي”، وهو اقتناع انهار كليا لاحقا.
والأخطر من ذلك -بحسب التقرير الصحفي- يتمثل في الطريقة التي تعامل بها نتنياهو مع الساعات الأولى للهجوم، إذ تكشف محاضر مكالمة هاتفية بينه وبين سكرتيره العسكري، آفي غيل، أن نتنياهو قدّم لاحقا نسخة محرّرة ومضللة لتلك المكالمة.
وزعم نتنياهو في تلك النسخة أنه ناقش منذ اللحظة الأولى احتمال تنفيذ عمليات خطف، بينما تُظهر الوثائق أن من أثار هذا الاحتمال كان السكرتير العسكري، لا رئيس الوزراء.
ويخلص التقرير إلى أن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف في التقدير أو قراءة متباينة للأحداث، بل هو نمط ممنهج من إعادة صياغة الوقائع بعد وقوع الكارثة، في محاولة لتخفيف المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أعلى هرم السلطة.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-الجزيرة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
