آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » هاكابي ولاهوت «الوعد والأرض»

هاكابي ولاهوت «الوعد والأرض»

 

أحمد الدبش

 

في مقابلة ضمن بودكاست الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، قبل أيام، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي إنّ لإسرائيل – «من حيث المبدأ» – حقاً في الأرض الممتدّة «من النيل إلى الفرات»، قبل أن يضيف أن تحقيق ذلك «غير واقعي على الأرجح».

العبارة لم تكن عابرة. فهي تعيد إلى الواجهة نصاً توراتياً في سفر التكوين (الإصحاح 15) يتحدّث عن وعدٍ إلهي لإبراهيم بأرض «من النيل إلى الفرات». وعندما سأله كارلسون عمّا إذا كان تبنّي هذا النص حرفياً يعني حق إسرائيل في المطالبة بأراضٍ تشمل الأردن وسوريا ولبنان وأجزاء من السعودية والعراق، ردّ هاكابي قائلًا: «لا بأس لو أخذوها كلها»، قبل أن يتراجع موضحاً أن إسرائيل لا تسعى إلى ذلك فعلياً، بل تريد «الاحتفاظ بالأرض التي تحتلها الآن وتعيش فيها».

 

قد تبدو هذه التصريحات مبالغة سياسية، لكنها تكشف ما هو أعمق: رؤية دينية-سياسية متماسكة ترى في الجغرافيا امتداداً للعقيدة، وفي الصراع اختباراً «أخلاقوياً» لا مجرد ملف تفاوضي. لفهم مواقف هاكابي، لا يكفي التعامل معها بوصفها انحيازاً سياسياً تقليدياً. الرجل، الحاكم السابق لولاية أركنساس، والقس المعمداني، والمرشح الجمهوري السابق للرئاسة، ينتمي إلى تيار إنجيلي يرى في دعم إسرائيل التزاماً دينياً قبل أن يكون خياراً استراتيجياً.

 

هاكابي لا ينظر إلى إسرائيل كدولة عادية، بل ككيان مرتبط بخطة إلهية يجب دعمها بصفة تكليف ديني كما يفهمه هو ومؤيّدون داخل التيار الإنجيلي. فقد كتب ترستان ستورم، تحليلاً، بتاريخ 15 تشرين الثاني 2024، في مقاله المنشور في موقع «فوروورد» (منصة إعلامية أميركية يهودية مستقلة)، وأعيد نشره في 9 نيسان 2025 مع تثبيت هاكابي في المنصب، مفاده أن «دعم إسرائيل ليس خياراً سياسياً أو استراتيجياً، بل هو واجب ديني ينبع من قراءة حرفية للكتاب المقدّس» – بوصفه خلاصة تفسيرية لرؤية هاكابي، لا اقتباساً حرفياً منه.

 

ففي رؤيته، يربط هاكابي بين إسرائيل التوراتية المُتخيّلة وإسرائيل الحديثة، معتبراً أن دعمها ليس خياراً سياسياً فحسب، بل «تكليف إلهي». فهو يردّد كثيراً نص سفر التكوين (12 : 3): «وأبارك مباركيك ولاعنك ألعنه»، ويرى في هذا النص الأساس اللاهوتي لالتزام الولايات المتحدة بدعم إسرائيل. وفي خُطبه الإعلامية والسياسية، يستخدم هاكابي مصطلحات مثل «الصك» أو «السند القانوني» ليعبّر عن أن الله أعطى الشعب اليهودي «صك ملكية أبدية» لهذه الأرض (صياغة لاهوتية تتكرر في خطاب إنجيلي محافظ) مع تأكيده العلني على أن نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بالجولان خطوات «منطقية» ضمن هذا الإطار القيمي.

 

المسيحية الصهيونية والالتزام الروحي تجاه إسرائيل

ينتمي هاكابي إلى التيار المعروف بـ»المسيحية الصهيونية»، وهي، خصوصاً داخل قطاعات من الأصولية الإنجيلية البروتستانتية في الولايات المتحدة، التي تمنح نصوص العهد القديم وزناً محورياً في قراءة «الوعد والأرض»، كما أن هذه القطاعات حوّلت «العهد القديم» من كتاب ديني، إلى كتاب سياسي أيضاً، يقوم على قاعدة العهد الإلهي بالأرض المقدّمة لـ»الشعب اليهودي المختار».

 

لذلك، تسلّلت إلى لاهوت إنجيلي معاصر قراءات يهودية- مسيحية للوعد والأرض، كوَّنت مكوِّنات أساسية للتطابق الجزئي في فهم الأصولية، الدينية والسياسية، بين ما يطرحه اليمين الديني اليهودي، وبين ما تطرحه بعض الجماعات الإنجيلية المحافظة، بحيث بدا أن لا فرق واضحاً بينهما في القضايا المتصلة بالأرض والسيادة. وقد تركَّزت هذه الأدبيات بشأن الأمور التالية:

 

الأول: إن اليهود هم «شعب الله المختار»، وإنهم يكونون إزاء ذلك الأمة المفضَّلة على كل الأمم.

 

الثاني: إن ثمة ميثاقاً إلهياً يربط اليهود بالأرض المقدَّسة في فلسطين، وإن هذا الميثاق، الذي أعطاه الله لإبراهيم، هو ميثاق سرمدي، حتى قيام الساعة. الثالث: ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح، بقيام دولة صهيون، أي بإعادة تجمُّع اليهود في فلسطين، حتى يظهر المسيح فيهم. فالصهيونية المسيحية، هي صيغة من لاهوت الاسترجاعية والتدبيرية تُسقِط وعود العهد القديم على اليهود المعاصرين وتربط «عودة» اليهود/إسرائيل إلى الأرض بنطاقٍ أخرويّ يسبق عودة المسيح. الصيغة السائدة في السياق الأميركي منذ القرن التاسع عشر وما بعده هي «التدبيرية قبل الألفية» (premillennial dispensationalism): تاريخ الخلاص مقسوم إلى «عهود/تدابير»، يعقب «عصر الكنيسة» حدثُ الاختطاف (Rapture) ووقائع «الضيقة العظيمة» والحروب النهائية (ومنها هرمجدون) قبل المُلك الألفي. وقد رسّخت هذه الرؤية نفسها في الثقافة الشعبية والسياسَة.

 

هذه المواقف تُقوّي قراءة ترى في رؤيته السياسية امتداداً مباشراً للاهوت «الوعد والأرض» وإطاراً يعدّ التفاوض على السيادة تنازلاً غير مشروع

 

هاكابي التوراتي!

طالما احتفظ مايك هاكابي بحب عميق لإسرائيل، وهي علاقة لا تُضاهيها سوى علاقته بوطنه أميركا. ويذكر أنه «قاد عشرات الآلاف من الأشخاص في رحلات إلى الأراضي المقدّسة، وزار إسرائيل أكثر من مئة مرة، حتى أنه اصطحب معه ابنته، حاكمة أركنساس الحالية سارة هاكابي ساندرز».

 

تعود أولى زياراته لإسرائيل إلى رحلة جامعية مع زميله في السكن بعد تخرّجه من جامعة ويتشيتا المعمدانية. يقول هاكابي: «عليكم أن تفهموا أن ظروفي المالية لم تكن تسمح لي بالسفر إلى أي مكان – ناهيك عن الشرق الأوسط».

لكن والد زميله عرض تغطية تكاليف رحلته إذا رافق ابنه في جولة بالمنطقة. زار الاثنان سوريا ولبنان والأردن واليونان، إلا أن إسرائيل تركت في نفسه أعمق الأثر. يستذكر هاكابي تلك التجربة قائلاً: «لن أنسى ذلك أبداً. لأول مرة في حياتي أزور مكاناً وأشعر أنني عدت إلى بيتي. كانت إسرائيل المكان الوحيد في العالم الذي شعرت فيه بأنني أنتمي إليه حقاً».

 

في إحدى رحلاته إلى إسرائيل، صرّح هاكابي بمقولته المثيرة للجدل: «أعتقد أنّ ما عليّ فعله هو أن أتهوّد»، مضيفاً بسخريةٍ إنّ طاقية الكيباه «تغطي صلعتي بالكامل». ثم تابع بحماسةٍ لافتة: «أنا أعبدُ يهودياً!… لديّ الكثير من الأصدقاء اليهود، ويقولون لي أحياناً: أنتم الإنجيليين تحبّون إسرائيل أكثر منّا. فأردّ عليهم: ألا تدركون؟ لولا الديانة اليهودية، لما وُجدت المسيحية أصلاً!». بهذه التصريحات، لا يضع هاكابي المسيحية كدينٍ لاحقٍ لليهودية، بل كامتدادٍ لها وجزءٍ لا يتجزأ منها في خطاب هوياتي يهدف إلى تبرير التحالف السياسي-الديني.

 

من الكنيس إلى الكنيسة

هاكابي لا ينظر إلى السياسة الخارجية الأميركية بوصفها ميداناً للمصالح فحسب، بل يرى فيها انعكاساً للوعد الإلهي. وفي تصريحات إعلامية متعدّدة، اعتبر هاكابي أن التزامه تجاه إسرائيل، وقناعته أنه يقوم بما يعتبره تكليفاً إلهياً في الأراضي المقدّسة، «ليسا مزحة». وأضاف: «نحن نتشارك منظومة قيم متجذّرة في رؤيتنا للعالم تعتبر أن الفرد مهم. وهذا، في رأيي، هو جوهر الحضارة الغربية. وعلى هذا الأساس بُنيت كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يضعنا في علاقة خاصة جداً». ثمّة أمرٌ على القدر نفسه من الأهمية: هاكابي صهيوني مسيحي على الطريقة القديمة، وهدفه إقامة السيادة الإسرائيلية الكاملة على فلسطين التاريخية.

 

ساهم في دعم حركة الاستيطان، ولديه حساسية خرائطية مُفرطة تجاه مصطلح «الضفّة الغربية»، إذ قال هاكابي في مقابلات عام 2017 وأعادت وسائل إعلام عديدة بثّها: «هناك كلمات معينة أرفض استخدامها، لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية. إنها يهودا والسامرة».‏ علاوة على ذلك، فمنذ إعلان الرئيس ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 2017، كان هاكابي من أشد المؤيّدين لهذه الخطوة، معتبراً أنها «اعتراف تاريخي وضروري» بالقدس عاصمة للشعب اليهودي. وقد صرّح بأن «القدس هي القلب النابض للشعب اليهودي منذ آلاف السنين، والاعتراف بها عاصمة أمر منطقي».

 

لقد تمسّك هاكابي برؤيته للعالم في مناسبات لاحقة: «لا يوجد شيء اسمه فلسطين، ليست هناك حاجة إلى حل الدولتين. يحق لإسرائيل أن تحصل على الأرض التي تحكمها، كلها».

بل أسوأ من ذلك، فقد أنكر هكابي باستمرار وجود شعبٍ أو أمّة اسمها «الفلسطينيون»، إذ قال مرة: «لا وجود حقيقياً لشيءٍ اسمه فلسطين. لقد كان ذلك أداة سياسية لمحاولة انتزاع الأرض من إسرائيل». والمستقبل الذي يتخيّله للفلسطينيين يقيناً خارج غزة والضفّة الغربية: فقد قال أيضاً إنّ «هناك وفرةً من الأرض» للفلسطينيين في دولٍ مثل الأردن ومصر وسوريا.

 

وهذه المواقف تُقوّي قراءة ترى في رؤيته السياسية امتداداً مباشراً للاهوت «الوعد والأرض» وإطاراً يعدّ التفاوض على السيادة تنازلاً غير مشروع.

بذلك، عكس اختيار ترامب لهاكابي المسيحي سفيراً لأميركا لدى إسرائيل، انتقالَ مركز ثقل الدعم الأميركي لإسرائيل من الكنيس إلى الكنيسة – أي إلى قاعدة إنجيلية محافظة تُؤطر دعم إسرائيل ضمن تكليف ديني وأخلاقي.

 

تعكس رؤية هاكابي لإسرائيل تداخلاً واضحاً بين الإيمان والسياسة؛ فالصراع، في نظره، ليس مجرّد خلاف على حدود، بل قضية أخلاقية مرتبطة بفكرة «الوعد والأرض». ورغم أن الإدارة الأميركية لا تتبنّى رسمياً شعار «من النيل إلى الفرات»، فإن تعيينه سفيراً يكشف عن تأثير تيار ديني – سياسي يرى دعم إسرائيل التزاماً يتجاوز الحسابات التقليدية. حضوره في هذا الموقع يعكس تحوّلاً في مقاربة واشنطن للمنطقة، حيث تتقاطع العقيدة مع الاستراتيجية في صياغة المواقف.

* مؤرّخ فلسطيني

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حرب أو لا حرب

د. طلال أبوغزاله لا تزال هذه المنطقة بأسرها، دولا وشعوبا، تبحث عن جواب للسؤال الكبير: هل تقع الحرب التي لا تزال طبولها تُقرع بقوّة، وتُحشد ...