علي عبود
لايزال الغموض “المتعمد” يُغطي الأهداف الإستراتيجية للصين، ويتساءل الكثيرون: هل تستعد الصين للإستحواذ على مناطق النفوذ الأمريكية في العالم؟
بما أن الصين لم تعلن عن خططها الإستراتيجية باستثناء مشروع الحرير الجديد “الحزام والطريق”، فإن المحللين والأكاديميين تنقصهم المعلومات حول الأساليب التي ستنفذ فيها الصين مشروعها الذي لايمكن أن يتحقق إلا على حساب مناطق النفوذ الأمريكي والأوروبي في العالم.
ويُجمع المحللون بأن من المستحيل أن يبصر مشروع “الحزام والطريق” النور بصيغته النهائية دون توفير الأمن والإستقرار في المناطق التي يمر بها، وهذا لايمكن أن يتحقق إلا بإقامة قواعد عسكرية في الدول التي قد تشهد نزاعات مسلحة أو هجمات إرهابية من فصائل محلية ودولية، وهذا الأمر قد تفعله الصين في الأمد المنظور!
تدرك الصين جيدا بأن عدوتها أمريكا تزرع وتنشر الإضطرابات وبؤر التوتر في المناطق الحساسة على طول طريق “الحزام والطريق” سواء في آسيا أو الشرق الأوسط، وإلهاء شركائها في المشروع بنزاعات إقليمية وبفرض عقوبات عليهم بذرائع متعددة تتجدد يوما بعد يوم.
السؤال الذي يُحيّر الكثيرين: ما الرد الصيني على الهجمات المستمرة وبوتائر حادة جدا على الخطط الصينية وخاصة مشروع “الحزام والطريق”؟
على عكس أمريكا، فإن الصين ترد بهجمة إقتصادية بمنأى عن الضجيج الإعلامي، ففي الوقت الذي يُوحي فيه الإعلام الأمريكي والأوروبي بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاصر الصين مثلما أوحى سلفه جو بايدن أنه حاصر روسيا، فإن الوقائع تؤكد إن بكين تقوم بـ “هجمة” هادئة بلا ضجيج على موانىء العالم، أيّ على شرايين التجارة العالمية.
نعم، الممر التجاري البري ـ البحري الدولي الجديد الذي يربط المناطق الغربية في الصين يتوسع بفعل الهجمة الصينية “المرتدة” ليشمل حاليا أكثر من 555 ميناءًا في 127 دولة ومنطقة في العالم.
هذه “الهجمة” الصينية للإستحواذ على خطوط التجارة العالمية هي التي تُغضب ترامب مثلما أغضبت الإدارات الأمريكية المتعاقية، وجميعها لم تجد من وسيلة فعالة لوقف “الهجمة” الصينية بأدوات تجارية واقتصادية، فلجأت إلى تهديد بكين بالحرب مستخدمة تايوان، مثلما استخدمت أوكرانيا في حرب طويلة للحد من تنامي القوة السياسية والإقتصادية لروسيا!
وعندما يُقال أن ا“الهجمة” الصينية التجارية على مناطق النفوذ الأمريكية والأوروبية كادت أن تستحوذ على شرايين التجارة العالمية، فهذا يعني ضخ استثمارات بمليارات الدولارات، وهذا لم تفعله أيّ إدارة أمريكية التي تُفضّل دائما التهديدات والضغوطات والعقوبات والحروب للسيطرة على التجارة العالمية.
إن الممر البري البحري الصيني الجديد يتخذ من بلدة “تشو نغتشينغ” جنوب غرب الصين مركزا تشغيليا له ويربط الموانىء العالمية عبر شبكة من خطوط السكك الحديدية والطرق البحرية والطرق السريعة مرورا بمقاطعات جنوبي الصين مثل “قوانغشي ويوننان” وتغطي خدمات الشحن حاليا 157 نقطة في 73 مدينة داخل الصين!
ونستنتج من كل ذلك إن تنمية التجارة تبدأ من داخل الصين وتمتد إلى أكثر من 555 ميناءًا في 127 دولة ومنطقة في العالم، وكلها تحتاج إلى ضخ المليارات على مدار العام.
ونحن لسنا أمام مشروع على الورق، كما هو حال الممر الهندي التي لم تنفق عليه أمريكا دولارا واحدا حتى الآن، بل أمام مشروع دخل في الإستثمار، بدليل ان بيانات “مكتب الموانىء واللوجستيات” في تشونغتشينغ كشفت أنه تم نقل أكثر من 251800 حاوية “مكافئة لعشرين قدما” من البضائع عبر “تشونغتشينغ” باستخدام الممر التجاري البري ـ البحري الصيني الجديد في عام 2024 بقيمة 6.4 مليارات دولار بزيادة سنوية قدرها 41 % في حجم الشحن، و67 % في القيمة .
كما إن السكك الحديدية ليست قيد الإنجاز، بل إن القسم الأكبر منها دخل فعليا مرحلة الإستثمار، فعدد قطارات الشحن متعدد الوسائط التي تمر عبر الممر إرتفع من 900 قطار عام 2019 إلى أكثر من 10 آلاف قطار في عام 2024، وسيزداد العدد في عام 2025 التي ستصدر بياناتها قريبا.
الخلاصة: لقد حذّر نابليون بونابرن من إيقاظ التنين الصيني، لكن الأمريكان سخروا بفعل عنجهيتهم من هذا التحذير، فهم لم يُوقظوا التنين الصيني فقط، بل استفزوه وأغضبوه ، ولم يكن الرد عسكريا بل “هجمة” تجارية أحيت طريق الحرير القديم بأدوات عصرية أوصلتها إلى معظم موانىء العالم، وهاهي منتجاتها المميزة من غربي الصين بفضل فعالية وسرعة الممر البري ـ البحري الجديد تتحول إلى محركات نمو جديدة للتجارة العالمية.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
