آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » هل تبدو احتجاجات إيران اليوم مختلفة عن سابقاتها؟!

هل تبدو احتجاجات إيران اليوم مختلفة عن سابقاتها؟!

نجاح محمد علي

في الأسابيع الأخيرة، شهدت إيران موجة من الاحتجاجات الواسعة النطاق، بدأت في أواخر ديسمبر الماضي وكانت سلمية في الأيام الثلاثة الأولى لكنها سرعان ما تحولت بعد ذلك الى أعمال عنف موجهة ، مع تركيز رئيسي على المدن الحدودية مثل إيلام و محاولة التمدد إلى مدن كبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان.

هذه الاحتجاجات، التي اندلعت كرد فعل أولي على الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني والتضخم المتسارع، تُعد واحدة من أكبر التحديات الداخلية التي تواجه الجمهورية الإسلامية في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن ما يميز هذه الموجة عن الاحتجاجات السابقة ليس حجمها فحسب، بل السياق الذي تتم فيه، حيث يبرز صمود النظام أمام الضغوط الخارجية والداخلية.

الدوافع الرئيسية لهذه الاحتجاجات اقتصادية بحتة، حيث ارتفع التضخم إلى أكثر من 50% في نهاية العام الماضي ، مما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في صفوف الطبقة الوسطى والعمال. كما أن العقوبات الدولية، التي فرضتها الولايات المتحدة وغيرها، ساهمت في تفاقم الأزمة، مما جعل الاحتجاجات تعبر عن استياء حقيقي من الظروف المعيشية. ومع ذلك، فإن هذه الاحتجاجات لا تمثل تهديداً وجودياً للنظام، بل هي فرصة لإجراء إصلاحات داخلية تعزز الاستقرار الاجتماعي دون التخلي عن المبادئ الأساسية للثورة الإسلامية.

اختلافات جوهرية

 

تختلف هذه الاحتجاجات عن تلك التي حدثت في 2009، 2019، أو 2022 في عدة جوانب أساسية. في الماضي، كانت الاحتجاجات غالباً ما تكون مرتبطة بأحداث سياسية محددة، مثل الانتخابات المتنازع عليها أو حوادث اجتماعية مثل وفاة مهسا أميني. أما اليوم، فالدافع الرئيسي هو الاقتصادي، مما يجعلها مرشحة لتكون أكثر شمولاً وانتشاراً جغرافياً. هذا الانتشار يعكس عمق الأزمة الاقتصادية، لكنه أيضاً يبرز قدرة النظام على احتواء مثل هذه التحديات من خلال آلياته الأمنية والاجتماعية.

ومع ذلك، فإن ما يميز هذه المرة هو تركيز وسائل الإعلام الخارجية خصوصاً التابعة للمعارضة والتي تُدار مباشرة من الموساد ، على “الكرامة الإنسانية” كشعار عام، كما يُشار إليه في بعض التحليلات. هذا المفهوم، الذي يُستخدم لوصف الإعجاب ببعض الشخصيات المحبوبة جماهيريًا ، لا يعني بالضرورة رفضاً كاملاً للنظام. بل يمكن تفسيره كدعوة لإصلاحات داخلية تحافظ على الكرامة دون تقويض الشرعية الثورية. في الواقع، يظهر الواقع الميداني الذي يُراد تشويه صورته، أن المجتمع الإيراني، رغم الاستياء، يظل ملتزماً بمبادئ الثورة، كما في حالة تجار البازار الذين يعبرون عن همومهم دون الابتعاد عن الولاء للدولة.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر الفيديوهات المنتشرة على وسائل التواصل، مثل تلك التي تُظهر مقاومة فردية من مواطنين المحتجين المسلحين كما في حالة السيدة صاحبة شهادة الدكتوره في الفيزياء النووية التي تعرضت للضرب من المحتجين بسبب حجابها وتأييدها للنظام، والطبيبة التي قتلت مع طفلتها حين قاومت قيام محتجين بإضرام النار في عيادتها و المشفى الذي تعمل فيه، أن هناك من حول الاحتجاجات الى أعمال عنف لتقويض الأمن الداخلي . على سبيل المثال، مقطع لرجل يجلس في الشارع أمام هجمات المحتجين المسلحين بالمولوتوف والسكاكين يذكر بصور تأريخية أخرى، لكنه في السياق الإيراني يعكس صموداً فردياً ينفي بالضرورة الادعاء بوجود ثورة جماعية. هذه الرموز، رغم تأثيرها، لا تغير من حقيقة أن النظام يحتفظ بسيطرته على الهياكل الرئيسية، مما يجعل هذه الاحتجاجات أقل خطراً من سابقاتها.

الدوافع والضغوط

 

الأزمة الاقتصادية هي الشرارة الرئيسية لهذه الاحتجاجات. انخفاض قيمة الريال بنسبة كبيرة، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، أدى إلى إضرابات في الأسواق والجامعات. هذه الضغوط ليست جديدة، لكنها تفاقمت بسبب العقوبات الدولية، التي تهدف إلى عزل إيران اقتصادياً. ومع ذلك، فإن النظام يرى في هذه الأزمة فرصة لتعزيز الاعتماد الذاتي، كما في برامجه النووية والصاروخية التي توفر أساساً للاستقرار طويل الأمد.

من المهم التأكيد على أن هذه الاحتجاجات مدفوعة بأجندة خارجية مباشرة، رغم أنها تعبير عن استياء داخلي. الشعارات مثل “الموت للديكتاتور” تُسمع، لكنها غالباً ما تكون جزءاً من حرب الإدراك الكبرى التي تُدار من الخارج علناً و على المكشوف و ليست تعبيرًا عن الغضب الاقتصادي، و لا رفضاً كاملاً للنظام.

في الواقع، يظهر الأداء الرسمي اعترافاً بوجود خلل قابل للحل، وتُظهر الوقائع أيضًا أن الاحتجاجات المطلبية تتجنب في كثير من الأحيان التصعيد السياسي الجذري، مما يسمح للقيادة بإجراء حوار داخلي لاحتواء المطالب.

توازن بين الاحتجاج والولاء

على الأرض تشير التفاصيل الدقيقة إلى أن فقدان السلطة الأخلاقية ليس مصيراً محتوماً، خاصة مع قدرة النظام على الاستجابة للمطالب المحقة. في الواقع، يُرى أن هذه الاحتجاجات قد تؤدي إلى تعزيز الوحدة الوطنية أمام التهديدات الخارجية، مما يجعلها مختلفة عن السابقة بأنها تعزز الصمود بدلاً من الانهيار.

المقارنة مع فنزويلا: قوة الهيكل الإيراني

 

غالباً ما تُقارن احتجاجات إيران بأزمة فنزويلا، خاصة بعد خطف الرئيس الشرعي والقانوني نيكولاس مادورو . ومع ذلك، فإن هذه المقارنة تكشف عن فروقات جوهرية تجعل إيران أكثر استقراراً.

في فنزويلا، كان النظام أكثر اعتماداً على التحالفات الشخصية والشبكات الاقتصادية، مما سمح بتغيير سريع في القيادة دون تفكيك الهيكل بالكامل. أما في إيران، فالنظام مبني على بنية أيديولوجية عميقة، مع الحرس الثوري كعمود فقري اقتصادي وسياسي وعسكري.

هذه البنية، التي تشمل قوات المتطوعين العقائديين (البسيج) ، هي جوهر النظام. رحيل قائد فردي لن يؤدي إلى انهيار، لأن الهرم السلطوي مصمم للاستمرارية، مع التركيز على تطوير البرامج النووية السلمية والصاروخية كركائز للبقاء. على عكس فنزويلا، حيث يمكن تغيير الائتلافات، فإن في إيران الهيكل والمضمون واحد، مما يجعل أي محاولة لـ“التجميل” أو “السلخ” غير فعالة.

بالإضافة إلى ذلك، يلعب الامتداد الدولي دوراً، مثل علاقات إيران مع الصين كمشترٍ رئيسي للنفط، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي رغم الضغوط. هذه المقارنة تؤكد أن إيران ليست عرضة للسقوط السريع، بل هي قادرة على الصمود أمام الأزمات، معتمدة على شبكاتها الإقليمية والداخلية.

دور الحرس الثوري

 

يُعد الحرس الثوري الإيراني العنصر الأساسي في صمود النظام أمام الاحتجاجات. ليس قوة عسكرية عقائدية ترى في الموت ربحًا لا خسارة لكي يٌراهن على انشقاقها ، بل هو شبكة اقتصادية وسياسية تسيطر على قطاعات حيوية مثل الطاقة والإنشاءات. هذا الدور يجعله قادراً على احتواء الاضطرابات دون اللجوء إلى قمع شامل، كما حدث في الاحتجاجات السابقة. كما أن القيادة العليا، بقيادة آية الله علي خامنئي، تُظهر مرونة في التعامل مع المطالب، مع التركيز على الحفاظ على الوحدة الوطنية.

في هذا السياق، تُظهر الاحتجاجات أن النظام قادر على الاستجابة، ربما من خلال إصلاحات اقتصادية أو تخفيف بعض الضغوط الداخلية. الدعم الشعبي للمبادئ الثورية، رغم الاستياء، يظل قوياً، خاصة في مواجهة التهديدات الخارجية مثل تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و رئيس وزراء الكيان الصهيوني حول التدخل.

صمود إيران أمام التحديات

 

في النهاية، تختلف احتجاجات إيران هذه المرة بأنها تبرز قوة النظام أكثر من ضعفه. رغم الدوافع الاقتصادية الحقيقية، فإن البنية الأيديولوجية والأمنية تجعلها قابلة للاحتواء، مع إمكانية تحولها إلى إصلاحات تعزز الاستقرار. المقارنة مع فنزويلا تؤكد أن إيران ليست عرضة للسقوط، بل هي دولة قوية قادرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

مع استمرار الاحتجاجات كإمتداد لحرب الإثني عشر يوما ، يظل السؤال: كيف سيتحول الاستياء إلى تعزيز الوحدة الوطنية؟ الإجابة تكمن في قدرة النظام على الاستجابة، مما يضمن استمرارية الجمهورية الإسلامية كقوة إقليمية مستقرة.

 

 

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العولمة الإرهابية الأميركية

  سعد الله مزرعاني   لا يتميّز عام 2025 بأي خاصية مهمة عن العامين اللذين سبقاه، وتحديداً منذ السابع من أكتوبر عام 2023. هو يشكّل، ...