يشعر كثير من الناس في مراحل مختلفة من حياتهم بأنهم يعيشون في حالة ضغط مستمر، وكأنهم يحاولون فقط الاستمرار يوماً بعد يوم من دون القدرة على التوقف أو الاسترخاء. هذه الحالة يصفها بعض المختصين بما يُعرف باسم «وضعية البقاء» (Survival Mode).
ورغم أن هذا المصطلح ليس تشخيصاً طبياً رسمياً، فإنه يُستخدم لوصف الحالة التي يدخل فيها الجسم والعقل نتيجة استجابة ضغط طويلة الأمد بحسب تقرير نشره موقع The London Psychiatry Centre. فالجسم يمتلك نظاماً دفاعياً تطور عبر التاريخ لحمايتنا من الأخطار، مثل استجابة القتال أو الهروب أو التجمد. لكن عندما تبقى هذه الاستجابة نشطة لمدة طويلة، قد تبدأ آثارها بالظهور على الصحة الجسدية والنفسية.
ماذا يحدث في الجسم أثناء «وضعية البقاء»؟
في الظروف الطبيعية يعمل الجهاز العصبي عبر نظامين متوازنين:
-الجهاز العصبي الودي المسؤول عن استجابة «القتال أو الهروب».
-الجهاز العصبي نظير الودي المسؤول عن حالة «الراحة والهضم».
يمكن تشبيه الجهاز العصبي الودي بدواسة الوقود في السيارة، إذ يرفع مستوى التأهب في الجسم عند مواجهة خطر محتمل، فيتسارع نبض القلب ويرتفع ضغط الدم وتزداد يقظة الحواس.
في المقابل يعمل الجهاز العصبي نظير الودي كالمكابح، إذ يساعد الجسم على العودة إلى حالة الهدوء بعد انتهاء التوتر.
لكن عندما يتعرض الإنسان لضغط مستمر لفترات طويلة، قد يختل التوازن بين هذين النظامين. وعندما يبقى الجسم في حالة التأهب لفترة طويلة، قد يدخل الشخص فيما يُعرف بـ «وضعية البقاء».
وتوضح استشارية الطب النفسي في مركز لندن للطب النفسي أغنيشكا كليموفيتش، أن استجابة التوتر تطورت أساساً لحماية الإنسان من الأخطار المباشرة. لكن في الحياة الحديثة قد تُفعَّل هذه الآلية بسبب عوامل يومية مثل ضغوط العمل أو الرسائل الإلكترونية أو الازدحام المروري.
وتضيف أن البقاء لفترة طويلة في حالة «القتال أو الهروب» قد يؤثر في الجسم والعقل معاً، إذ يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب واختلال في تنظيم الجهاز العصبي.
كيف تظهر «وضعية البقاء» نفسياً وجسدياً؟
لا تظهر هذه الحالة بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص. فبالنسبة إلى البعض قد تبدو على شكل قلق دائم وتأهب مفرط، بينما قد يشعر آخرون بالخمول أو انخفاض الطاقة والمزاج.
وقد تشمل الأعراض الشائعة:
-الشعور المستمر بالتوتر
-صعوبة اتخاذ القرارات
-ضعف الذاكرة القصيرة المدى
-صعوبة الاسترخاء
-تقلبات المزاج
-اضطرابات النوم
-الشعور بالخدر أو الانفصال عن الواقع
-انخفاض الحافز
-عادات غذائية غير منتظمة مثل الإفراط في الأكل أو نسيان تناول الطعام
كما قد تظهر علامات أخرى مثل التنفس السريع، وتسارع ضربات القلب، والشعور بالإرهاق الشديد أو الضغط المستمر.
ويشير الخبراء إلى أن بعض الأشخاص قد يشعرون بأنهم في حالة يقظة مفرطة طوال الوقت، بينما قد يشعر آخرون بقدر من البلادة أو الفتور العاطفي، وقد يتنقل بعضهم بين الحالتين.
التوتر المزمن والصدمة النفسية
في بعض الحالات قد تنشأ «وضعية البقاء» بعد التعرض لأحداث صادمة مثل الحوادث أو الاعتداءات أو فقدان شخص عزيز. إذ قد يدخل الدماغ في هذه الحالة كآلية دفاعية تساعد الشخص على تجاوز الحدث الصعب.
لكن في أحيان كثيرة لا يكون السبب حدثاً صادماً واحداً، بل تراكم ضغوط صغيرة لفترة طويلة، مثل الإفراط في العمل أو الشعور بالعزلة أو محاولة التوفيق بين مسؤوليات كثيرة من دون وقت كافٍ للعناية بالنفس.
وغالباً ما لا يدرك الأشخاص أنهم يقتربون من الاحتراق النفسي إلا عندما يشعرون فجأة بأنهم لم يعودوا يشبهون أنفسهم.
العلاقة بين الجسم والعقل
تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الفصل التقليدي بين الصحة الجسدية والنفسية لم يعد دقيقاً. فالعلم يواصل دراسة العلاقة المعقدة بين الجسم والعقل، مثل العلاقة بين الدماغ والجهاز الهضمي، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن اختلال توازن البكتيريا المعوية قد يرتبط بالاكتئاب.
لهذا السبب يرى الخبراء أن الخروج من «وضعية البقاء» يتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الجانبين الجسدي والنفسي معاً.
كيف يمكن الخروج من «وضعية البقاء»؟
لا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، لكن هناك مجموعة من الخطوات التي قد تساعد على استعادة التوازن تدريجياً.
الاعتراف بالحالة
الخطوة الأولى هي الاعتراف بأنك تعيش حالة ضغط مستمر. فالتعامل مع المشكلة يبدأ بفهمها.
ممارسة التعاطف مع الذات
قد يكون الأشخاص الذين يعيشون في حالة ضغط طويل قد اعتادوا على تجاهل احتياجاتهم. لذلك من المهم التعامل مع النفس بلطف وتجنب النقد القاسي.
العناية بالجسم والعقل
يمكن أن تساعد أنشطة مثل التأمل أو اليوغا أو المشي في الطبيعة على تهدئة الجهاز العصبي. كما قد يسهم تحسين النظام الغذائي والنوم في استعادة التوازن.
تنظيم الحياة اليومية
عندما يعيش الإنسان في حالة ضغط طويل قد يشعر بالفوضى والارتباك. لذلك قد يساعد إدخال بعض الروتين والتنظيم في اليوم على تخفيف العبء الذهني.
التركيز على الإنجازات الصغيرة
تحديد أهداف بسيطة وقابلة للتحقيق يمكن أن يعزز الشعور بالإنجاز ويحفّز الدماغ على إفراز الدوبامين المرتبط بالمكافأة.
تقليل مصادر التوتر
قد يساعد تقليل التعرض لبعض المحفزات مثل الأخبار السلبية أو الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي في خفض مستويات الضغط.
التواصل مع الآخرين
الدعم الاجتماعي يلعب دوراً مهماً في الصحة النفسية. التحدث مع الأصدقاء أو أفراد العائلة قد يخفف الشعور بالضغط ويمنح الشخص مساحة للتعبير عن مشاعره.
طلب المساعدة المتخصصة
في بعض الحالات قد يكون من المفيد التحدث مع متخصص في الصحة النفسية مثل المعالج النفسي أو الطبيب النفسي، خاصة إذا استمرت الأعراض لفترة طويلة أو بدأت تؤثر في الحياة اليومية.
في النهاية، قد تكون «وضعية البقاء» آلية دفاعية طبيعية صممها الجسم لمواجهة الأخطار. لكن البقاء فيها لفترة طويلة قد يرهق الجسم والعقل. لذلك فإن التعرف إلى علاماتها مبكراً واتخاذ خطوات للعناية بالنفس قد يساعدان على استعادة التوازن والانتقال من مجرد البقاء إلى العيش بشكل صحي ومتوازن.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
