هبا أحمد
في ظل استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وامتداداتها الإقليمية، وتوسعها ليكون الاقتصاد إحدى ساحاتها الأساسية، وعندها قد تحسم المعارك أو تتصاعد وتيرتها، ومع تصاعد أزمة الطاقة التي تجتاح العالم حاليا، وارتفاع أسعار الغاز والنفط بمعدلات قياسية، وانهيار كبير في الأسواق المالية العالمية، يبرز السؤال حول موقع سوريا في هذه الحرب من حيث التأثر.
فالاقتصاد السوري ما زال هشا، وموارده الطاقية لا تزال في حدودها الدنيا، ومن هنا يطرح السؤال التالي: إلى أي مدى تشكل حقول الجزيرة السورية المستعادة مؤخرا صمام أمان داخليا لسوريا، بحيث تستطيع سد احتياجاتها الراهنة مما هو متوفر، أقله في المرحلة الأولى من الصراع، لتأجيل المخاطر المحدقة بأمن الطاقة العالمي، والتي ستتأثر بها البلاد بطبيعة الحال؟
تكشف الضربات الجوية الأميركية التي استهدفت جزيرة خارك الإيرانية الاستراتيجية عن ملامح خطط محتملة لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تتجاوز إضعاف القدرات العسكرية لطهران، لتصل إلى السيطرة على أهم شريان لصادراتها النفطية.
وتتزايد التكهنات بشأن استهداف عصب صناعة النفط الإيرانية، إذ يمر عبر جزيرة خارك نحو 94% من صادرات النفط الإيرانية المتجهة أساسا إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها السوق الصينية، مما يجعلها المصدر الرئيسي للعملة الصعبة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني.
تطورات متسارعة
يشهد إنتاج سوريا من النفط تطورات متسارعة بعد استعادة الحقول النفطية، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى اقترابه من مستويات 100 ألف برميل يوميا خلال أشهر قليلة، في خطوة من شأنها دعم منظومة الطاقة والاقتصاد الوطني.
وحسب تصريحات سابقة لمدير الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول صفوان شيخ أحمد، فإن الفرق الفنية باشرت استخراج النفط من الحقول المحررة ونقله إلى مصفاتي حمص وبانياس ضمن خطة متكاملة لإعادة التشغيل، موضحا أن عودة الحقول إلى وضعها الفني السابق تعد أولوية قصوى، وأن إنتاج سوريا من النفط مرشح للارتفاع التدريجي مع استكمال أعمال التأهيل، بما ينعكس على توافر المشتقات النفطية وتقليل فجوة الإمدادات في السوق المحلية.
وتوقع شيخ أحمد أن يصل إنتاج سوريا من النفط خلال أربعة أشهر إلى نحو 100 ألف برميل يوميا، بما يسهم في دعم منظومة الطاقة وتحسين واقع التكرير، موضحا أن نقل الخام إلى مصفاتي حمص وبانياس يجري وفق ترتيبات لوجستية تضمن استقرار الإمدادات وتدرج العودة إلى الإنتاج الكامل.
ولفت إلى أن احتياجات غرب الفرات من النفط تبلغ حاليا نحو 2.5 مليون برميل شهريا، متوقعا ارتفاع الاستهلاك مع تحسن الإمدادات، ومؤكدا أن إنتاج سوريا من النفط سيبنى على دراسات دقيقة للاستهلاك المحلي.
إجراءات عملية
أعادت الشركة السورية لنقل النفط في حمص تشغيل محطة الضخ الرئيسية باستطاعة 600 متر مكعب في الساعة، بعد توقف دام 12 عاما، في خطوة تهدف إلى تعزيز قدرات نقل النفط، وتحسين استدامة تزويد السوق المحلية بالمشتقات النفطية.
وأكد المهندس عماد كلثوم، مدير تطوير إدارة المنطقة الوسطى لنقل النفط، أن تشغيل المحطة يمثل إنجازا مهما في ظل الظروف الراهنة، موضحا أن المحطة كانت تعمل سابقا بكميات منخفضة تتراوح بين 100 و150 مترا مكعبا في الساعة، ما كان يحد من قدرة نقل النفط إلى المصافي والمصب البحري.
وأضاف كلثوم: إن تجهيز وتشغيل المحطة جاءا بعد تحرير حقول النفط، وزيادة كميات النفط الواردة، بهدف تلبية احتياجات السوق المحلية من النفط والمشتقات النفطية، ما يسهم في تسريع عمليات النقل وتقليل الزمن والجهد المطلوبين.
وكشف كلثوم عن خطة مستقبلية لإعادة تشغيل بقية محطات الضخ التي توقفت عن العمل خلال السنوات الماضية، بما يسهم في استعادة القدرة على نقل النفط عبر خطوط الأنابيب بشكل منتظم، وتعزيز الاقتصاد الوطني.
ويعد تشغيل محطة ضخ حمص بهذه الطاقة خطوة مهمة في تطوير قطاع الطاقة والنقل النفطي، ويعكس قدرة الكوادر الوطنية على إعادة تأهيل المنشآت الحيوية واستعادة دورها في دعم الاقتصاد الوطني.
وفي إطار الجهود الحكومية الرامية إلى إعادة نقل النفط الخام من الحقول السورية إلى مراكز التخزين والمصافي، بما يسهم في تعزيز الاستقرار في قطاع الطاقة وتلبية احتياجات السوق المحلية، وصلت مؤخرا إلى خزانات الشركة السورية للبترول في مدينة حمص دفعة جديدة من صهاريج النفط الخام القادمة من حقول رميلان في محافظة الحسكة.
وأوضح مدير إدارة المنطقة الوسطى لنقل النفط الخام، المهندس علي قرنفل، أن الدفعة التي وصلت تضم 92 صهريجا، وهي الثانية من حقل رميلان، بعد الدفعة الأولى التي بلغت 72 صهريجا.
تحول استراتيجي
شكلت بداية العام الحالي، مع استعادة الدولة للجزيرة السورية من خلال اتفاقيات مع “قسد”، تحولا استراتيجيا أعاد للدولة سلة الغذاء وخزان النفط والغاز الذي يشكل نحو 40% من مساحتها، ورسم خارطة طريق أساسية في تعافي الاقتصاد السوري.
وتنقسم مناطق النفط في سوريا إلى غرب الفرات وشرقه وحقول الحسكة، بينما يبلغ مجموع آبار شرق الفرات نحو 900 بئر، ما يجعل إنتاج سوريا من النفط مرتبطا بإعادة تأهيل واسعة النطاق.
ويقع أكثر من 70% من إجمالي احتياطات النفط والغاز السورية على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وكانت حقول محافظة دير الزور تنتج في الماضي نحو 130 ألف برميل يوميا، مما شكل ثلث الإنتاج النفطي السوري حينذاك. وقدر إنتاج الحقول التي كانت واقعة في المحافظة تحت سيطرة تنظيم “قسد” بنحو 15 ألف برميل يوميا، أما الحقول التي كانت تحت سيطرة النظام السابق في المحافظة ذاتها، فقدر إنتاجها بنحو سبعة آلاف برميل يوميا.
ومن أهم هذه الحقول حقل العمر النفطي، ويعد من أكبر الحقول النفطية في سوريا، وتقدر احتياطاته بنحو 760 مليون برميل من النفط، وفق دراسات اقتصادية. وبلغت طاقته الإنتاجية القصوى عام 2011 نحو 29 مليون برميل سنويا، قبل أن تتراجع إلى نحو 2.74 مليون برميل عام 2016. يليه حقل “كونيكو” لإنتاج الغاز، وتبلغ طاقته الإنتاجية أكثر من 4.7 مليارات متر مكعب سنويا، ويستخدم الغاز المنتج فيه للأغراض المنزلية وتوليد الكهرباء وصناعة الأسمدة. أما حقل الجفرة فهو حقل ذو إنتاج قليل، وكان قبل عام 2011 ينتج نحو ألفي برميل يوميا من النفط، بينما يبلغ إنتاجه اليوم نحو ألف برميل. في حين بلغت الطاقة الإنتاجية القصوى لحقل التنك نحو 40 ألف برميل يوميا، أي ما يزيد على 14.6 مليون برميل سنويا، وفقا لبيانات تعود إلى عام 2011، وشكل الحقل آنذاك نحو 40% من إجمالي الإنتاج النفطي السوري، مع احتياطيات تقدر بنحو 250 مليون برميل من النفط الخام عالي الجودة.
ويقدر الإنتاج الحالي من الحقول المسيطر عليها بنحو 10 آلاف و600 برميل من النفط يوميا في غرب الفرات، ونحو 16 ألف برميل يوميا في شرق الفرات، فيما يبلغ الإنتاج المحلي من الغاز 7.6 مليون متر مكعب يوميا، مع توقعات بإضافة 1.5 مليون متر مكعب من شرق الفرات، فضلا عن كميات مستوردة من أذربيجان والأردن وفق عقود قائمة.
وقدر إنتاج حقول النفط في سوريا لعام 2021 بنحو 31.4 مليون برميل، بمتوسط إنتاج يومي بلغ 85.9 ألف برميل، يصل منها 16 ألف برميل إلى المصافي. كما تمتلك سوريا احتياطيات مثبتة من الغاز الطبيعي تقدر بنحو 15 تريليون قدم مكعبة، معظمها في الحقول البرية.
تقليل فاتورة الاستيراد
يرى الخبير الاقتصادي فاخر القربي أنه في ظل الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وحالة التضييق الجيو – اقتصادي التي أثرت سلبا في منهج الاقتصاد العالمي، وارتفاع الأسعار بشكل جامح، بما فيها أسعار النفط والغاز وانعكاسها سلبا على الاقتصاد السوري، يبقى الفضاء الأوسع للدولة السورية هو استعادة حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة.
ويقول القربي في تصريح لـ”الثورة السورية”: يمكن مقاربة استعادة حقول الجزيرة مع الحرب الدائرة راهنا من حيث القدرة على تأمين المشتقات النفطية محليا وتقليل فاتورة الاستيراد ودعم الليرة السورية، ورغم التحديات الفنية الكبيرة الناتجة عن سنوات الحرب والدمار والحاجة إلى إعادة تأهيل الحقول، إلا أن ما ينتج حاليا يكفل تحصين سوريا ولو لفترة وجيزة ريثما تنجلي تداعيات الصراع، أما في حال إطالة أمد الصراع فإن ما يسري على أسواق الطاقة العالمية يسري علينا، لكن بصورة أقسى وأشد، لا سيما أن سوريا بلد مستورد للطاقة.
ويوضح القربي أن الجزيرة السورية تشكل دعامة حقيقية للعملة الوطنية والخزينة العامة، حيث إن عودة النفط توفر موردا رئيسيا للقطع الأجنبي، مما يساعد في تمويل الاستيراد وتعزيز قيمة الليرة السورية، كما تسهم في عملية إعادة الإعمار وعودة الخدمات والبنية التحتية والمرافق العامة التي تم تدميرها خلال سنوات الحرب.
بدوره، يرى الباحث الاقتصادي، إيهاب اسمندر، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أنه رغم أن استعادة منطقة الجزيرة بما فيها الثروات النفطية تسمح بتأمين جزء من الاحتياجات المحلية النفطية، وبالتالي تخفيف العبء عن كاهل الاقتصاد وتوفير موارد الطاقة، إلا أنه من الصعب التخلص من تبعات أي أزمات قد تحصل على صعيد سوق النفط بالاعتماد فقط على استعادة تلك الحقول.
ويوضح اسمندر أن هناك الكثير من العقبات التي تحول دون تحقيق ذلك بشكل كامل، ومنها أن الحقول والبنية التحتية تعرضت لدمار كبير وتحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل لإعادة تأهيلها، كما إن النفط الخام المستخرج يحتاج إلى مصاف للتكرير، ومعظم المصافي السورية بحاجة إلى صيانة واسعة لتعمل بالكفاءة المطلوبة، ما يعني أن البلاد قد تضطر إلى استيراد المشتقات النفطية حتى مع وجود النفط الخام، فضلا عن أن سوريا تحتاج إلى سنوات حتى تعود إلى مستوى إنتاج مهم، وبالتالي فإن عودة حقول النفط لا تعني استغناء البلد عن النفط العالمي أو التحصن من الصدمات، إذ إن كبرى الدول ذات الاقتصادات الفاعلة تأثرت، فكيف إذا وسوريا خارجة من حرب باقتصاد هش ومدمر، كما أنها دولة مستوردة للطاقة، ما يجعلها غير قادرة على تحمل ارتفاع فاتورتها.
صدمة أسواق الطاقة
أعادت صدمة النفط إلى الواجهة مخاوف التضخم والركود في الاقتصاد العالمي بعد قفزة الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ حرب أوكرانيا، فالتوترات في الشرق الأوسط وتهديد الملاحة في مضيق هرمز دفعا الأسواق إلى تسعير مخاطر الإمدادات، وسط تحذيرات من تداعيات هذه الأزمة على النمو والسياسة النقدية عالميا.
وحذرت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، من مخاطر ارتفاع أسعار النفط، مشيرة إلى أن ذلك قد يرفع معدلات التضخم العالمي ويعرقل النمو الاقتصادي.
ونقلت “رويترز” عن جورجيفا قولها خلال ندوة استضافتها وزارة المالية اليابانية: إن كل ارتفاع في أسعار النفط بنسبة 10%، إذا استمر معظم العام، ستقابله زيادة قدرها 40 نقطة أساس في التضخم العالمي، لافتة إلى أن العالم يشهد اختبارا جديدا لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في وجه الصراع الجديد في الشرق الأوسط.
كما حذر الرئيس التنفيذي لشركة “أرامكو” السعودية، أمين حسن الناصر، من عواقب كارثية للحرب في المنطقة على أسواق النفط، مؤكدا أهمية إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، قائلا: ستكون هناك عواقب وخيمة على أسواق النفط العالمية كلما طال أمد الحرب، وستزداد حدة هذه العواقب على الاقتصاد العالمي، فاستئناف الملاحة في مضيق هرمز مسألة حيوية تماما.
وأشار إلى أن الحرب تسببت في سلسلة ردود فعل شديدة في الشحن والتأمين، كما أن هناك تأثيرا متسلسلا كبيرا على الطيران والزراعة والسيارات وغيرها من القطاعات، مؤكدا أن هذه الأزمة هي الأكبر على الإطلاق التي واجهها قطاع النفط والغاز في المنطقة.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلا عن مسؤولين مطلعين، أن وكالة الطاقة الدولية اقترحت أكبر عملية سحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها لخفض أسعار الخام التي ارتفعت بسبب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.
وقالت الصحيفة: إن السحب سيتجاوز 182 مليون برميل من النفط، طرحتها الدول الأعضاء في الوكالة في السوق على مرحلتين في عام 2022 عندما شنت روسيا عملياتها العسكرية الشاملة ضد أوكرانيا.
ويبلغ مخزون النفط المخصص للأوضاع الطارئة لدى الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة راهنا أكثر من 1.2 مليار برميل، إضافة إلى 600 مليون برميل أخرى يخزنها القطاع الصناعي بموجب تفويضات حكومية.
وأنشئت الوكالة الدولية للطاقة، التي تتخذ من باريس مقرا، لتنسيق الاستجابة لاضطرابات الإمدادات الكبرى بعد أزمة النفط عام 1973.
وتفرض الوكالة على الدول الأعضاء فيها التزاما بالاحتفاظ بمخزونات نفط مخصصة للطوارئ تعادل ما لا يقل عن 90 يوما من صافي واردات النفط.
وشرعت السعودية والعراق والإمارات والكويت في خفض إنتاجها بمعدلات غير مسبوقة، نتيجة الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وتشير البيانات إلى أن الرياض خفضت إنتاجها بنحو يتراوح بين مليونين ومليونين ونصف المليون برميل يوميا، بينما خفضت أبوظبي الإنتاج بمقدار تراوح بين 500 ألف و800 ألف برميل يوميا، وفي الكويت بلغ حجم الخفض نحو نصف مليون برميل يوميا، في حين سجلت بغداد أكبر وتيرة خفض على الإطلاق، قدرت بنحو 2.9 مليون برميل يوميا، ما يجعلها الأكثر تضررا من حيث حجم التراجع في الإنتاج.
وعلى خلفية الصراع، أعلنت العديد من شركات الطاقة الخليجية حالة “القوة القاهرة”، وينذر هذا الإعلان بأزمة طاقة واقتصاد عالمية محتملة، حيث جمدت التزامات تعاقدية بمليارات الدولارات، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة وتصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات العالمية.
وأفادت “بلومبرغ” بأن أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في قطر لم تصدر أي شحنة منذ خمسة أيام، وهي أطول فترة متواصلة منذ عام 2008، مما يهدد برفع أسعار الوقود أكثر. وارتفعت أسعار النفط بأكثر من 5% على خلفية الحرب في الشرق الأوسط.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
