دعت منظمة العفو الدولية الحكومة السورية إلى ضمان إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة في مجازر المدنيين العلويين في الساحل السوري باعتبارها “جرائم حرب”، مشيرة إلى أن “ميليشيات تابعة للحكومة تتعمد قتل مدنيين من الأقلية العلوية”.
وطالبت المنظمة الحكومة السورية في بيان صحفي، بـ “محاسبة مرتكبي موجة عمليات القتل الجماعي التي استهدفت المدنيين العلويين في المناطق الساحلية وأخذ خطوات فورية لضمان عدم استهداف أي شخص أو جماعة على أساس طائفي”.
ووصفت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامارد، هجمات الأسبوع الأول من شهر مارس/آذار “بالانتقامية والمروعة” وأضافت أن الأدلة تشير إلى “إطلاق نار على أفراد من مسافة قريبة بدم بارد”.
البيان صدر بعد قرابة شهر على أعمال العنف الدامية تلك وبعد أيام من مقتل علويين في أول أيام عيد الفطر على يد مسلحين في مدينة بانياس، إذ غمرت منصات التواصل الاجتماعي صور الطفل الذي كان يلف حبلا من النايلون حول بنطاله بدلا من الحزام، ما أثار استنكاراً واسعا و جدد المخاوف من تكرار موجات جديدة من القتل الجماعي.

صدر الصورة،Getty Images
“الاحتقان” الذي سبق المجزرة
مجموعة من الظروف سبقت ما يعرف بهجوم “الفلول” الذي شنته قوات تابعة للنظام السابق على عناصر القوات الأمنية التابعة لحكومة المرحلة الانتقالية أدت إلى مقتل 250 عنصراً، بحسب المصادر الرسمية في الحكومة الجديدة، ما دفع السلطات لإرسال تعزيزات عسكرية إلى المناطق ذات الغالبية العلوية انتهت الى مجزرة هي الأعنف منذ سقوط حكم الأسد
وتحدث المرصد السوري لحقوق الإنسان عن ارتكاب تلك المجموعات وأخرى رديفة لها مجازر وعمليات “إعدام ميدانية”، أسفرت عن مقتل نحو 1614 مدني غالبيتهم الساحقة من الأقلية العلوية، قضت فيها عائلات بأكملها.
بالرغم من وجود علاقة مباشرة بين الهجوم المسلح والمجزرة إلا أن العديد من المراقبين للشأن السوري يعتقدون أن سلسلة من الظروف مهدت لما حدث.
بالنسبة للصحفي ضياء قدور، فإن الأحداث بدأت في ظل ظروف “غير مستقرة تعيشها سوريا، ووسط مخاوف تبث من الخارج بأن سوريا متجهة إلى التقسيم وما إلى ذلك، إضافة إلى المظالم التي تراكمت لدى الشعب السوري تجاه طائفة معينة،” مضيفاً أن كل هذا أدى إلى نوع من “العشوائية” في التحرك العسكري، ولحدوث “انتهاكات.”
أما المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة في واشنطن محمد العبدالله فيعتقد أنه كان هناك “تراكم واضح وانقسامات في البلد،” كتزايد الشعور ب”الظلم والعدوانية” مضيفاً أن بعض ممارسات السلطة الجديدة أدت لمفاقمة الوضع. “فصل عشرات آلاف الموظفين (من أعمالهم) سبب نوعاً من النقمة، فالقسم الأكبر كان من أبناء الساحل وكأنه نوع من الانتقام” إضافة لوجود عناصر مسلحة كانت مرتبطة بقوة الأمن والجيش السابق وفقدوا امتيازاتهم ما “أثار لديهم نقمة على الوضع الجديد، ناهيك عن الفوضى والفلتان الأمني” في البلاد.

صدر الصورة،Getty Images
بعد سقوط حكم الأسد، أعلنت السلطات السورية حل الجيش والأجهزة الأمنية، التي تضم العديد من أبناء الطائفة العلوية، تلاه إخلاء مساكن عائلات العسكريين السابقين في دمشق، وسط أزمة معيشية وتأخر صرف رواتب العديد من الموظفين.
يصف باحث سوري مهتم بشؤون الجماعات الجهادية (فضل عدم الكشف عن اسمه) ما يحدث بـ “اضطهاد اقتصادي متعدد الجوانب لطائفة معينة فقيرة تعتمد على القطاع العام والرواتب. يقول “جاعت الطائفة خلال فترة قصيرة مما جعلهم ناقمين”.
أيديولوجيا “التكفير”
أثارت أحداث الساحل موجة من الانتقادات الدولية للحكومة الانتقالية في الوقت الذي تسعى فيه الأخيرة لكسب الدعم الدولي ورفع العقوبات الاقتصادية عنها. تعهّد بعدها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بمحاسبة كل من “تورط في دماء المدنيين” مؤكداً في الوقت نفسه أنه لن يسمح بجر البلاد إلى “حرب أهلية”. كما شكلت السلطات بعدها لجنة تقص للحقائق ولجنة للسلم الأهلي. وفي الوقت الذي يرى به البعض أن هذه الخطوة ساهمت في تهدئة الأمور ببعض المناطق وجمع السلاح المنفلت، إلا أنها لا تبدو حلاً جذرياً للمشكلة.
بالنسبة لمحمد عبدالله، “السلطة لم تكن جدية لمنع تكرار ما حصل، إضافة لوجود قلق أنه تم إخفاء معالم الجريمة ببعض المناطق، حيث دفن الضحايا بشكل سريع، ولم يسمح للإعلام بالتصوير”.
لكن بحسب مصدر أمني في قطاعات الساحل فضل عدم الكشف عن اسمه، فإنه تم بالفعل اعتقال “عدد لا بأس به من الذين ارتكبوا إعدامات ميدانية وظهروا بفيديوهات وتم سجنهم بينما يعمل القضاء على ملفهم بشكل عادل” بحسب زعمه، مضيفا أنهم “سوف يلقون جزاء تصرفهم.”
وفي حين لم يكشف المصدر عن عدد المتورطين ولمن يتبعون تنظيميا إلا أنه أقر أنهم في “نهاية المطاف تحت مظلة وزارة الدفاع السورية ويتبعون لفصائل متنوعة.”
عدم إجراء محاكمات علنية للمتورطين في أحداث الساحل قد يفاقم أزمة انعدام الثقة مع السلطات الحالية ويعزز الانقسام بحسب عدد ممن تحدثت إليهم بي بي سي. وفي حين يعزو بعض المراقبين تعاطي السلطات السورية مع أحداث الساحل إلى تعقيدات الوضع السوري وصعوبة السيطرة على الفصائل المنضوية تحت وزارة الدفاع، يرى آخرون أن ذلك يعكس فكراً عقائدياً يهيمن على الفصائل الإسلامية المقاتلة بقيادة هيئة تحرير الشام.

صدر الصورة،Getty Images
يعلق عبد الله قائلاً إن بعض هؤلاء نشأوا على أفكار متطرفة وعدائية تجاه الطرف الآخر، خصوصًا العلويين في الساحل. لذلك، “لا يمكن إقناعهم فجأة بتجاهل ما تعلموه طوال الـ 14 سنة الماضية والبدء في حياة مشتركة جديدة.”
من جهتها، ترى لؤى خليل، استاذة الادارة العامة في جامعة ريدينغ والمختصة في دراسات السلام أن “ظاهرة تصوير الاعتداءات من قِبل المعتدين تحمل دلالة مهمة، إذ إنها تعكس شعور الجناة بعدم اقترافهم لأي خطأ، بل تتضمن تعبيرًا عن الفخر بما يرتكبونه،” مضيفة أن “عدم تبرؤ السلطة من هذه المجموعات أو محاسبتها بشكل مقنع”، يجعلها “طرفًا مباشرًا” في النزاع.
يقول الباحث المختص بشؤون التنظيمات الإسلامية وفضل عدم الكشف عن اسمه، إن رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، لم يعد يهتم بالأيديولوجيا بل يركز على ترسيخ سلطته. ويضيف أن هيئة تحرير الشام، ذات الجذور السلفية الجهادية، لم تشهد التحولات التي مر بها الشرع.
الصحفي ضياء قدور يرى أنه “لو كانت هناك نية أو إصرار على إبادة جماعية لطائفة معينة، لحدث ذلك منذ اليوم الأول لانتصار الثورة، لكنه يشير إلى أن النصر تحقق دون إراقة دماء”. ويؤكد أن ما يتم تداوله في وسائل الإعلام بهذا الشأن “لا يعكس الواقع.”
“لا وجود لعناصر علوية في صفوف قوى الأمن والجيش”
يحذّر الناشط الحقوقي هيثم مناع من “تكميم أي صوت يخرج من الساحل”. ويرى أن ما حصل لم يكن فقط استهدافاً للعلويين، بل كان درساً للجميع.
يتفق معه الصحفي عبد الله علي ويقول بدا الأمر وكأن الجانبين الأمني والعسكري من السلطات يعتقدان أنه لابد من التصعيد بقوة ضد هذه المناطق لتكون “ضربة واحدة لإسكات هذه المناطق الى الأبد، إضافة لتوجيه رسالة لمناطق أخرى لاسيما السويداء وشرق سوريا أن أي تمرد سيؤدي لنفس النتائج،” مشيرا إلى أن الفارق هنا أن مناطق العلويين هي الحلقة الأضعف في المشهد السوري.
ويرى مراقبون تحدثت إليهم بي بي سي أن كبح العنف وتعزيز السلم الأهلي يتطلبان إشراك القوى المحلية في الأمن، وتجريم التحريض الطائفي، وتحقيق العدالة الانتقالية.

صدر الصورة،Getty Images
تؤكد الأستاذة لؤى خليل أن تحقيق العدالة هو الحل لأي نزاع، لكنها ترى أن خطوات عاجلة، مثل إعلان الساحل “منطقة منكوبة” وإعادة الشرطة المدنية، قد تساعد في احتواء الانتهاكات. ويتفق الصحفي عبد الله علي، مشددًا على ضرورة إشراك المجتمعات المحلية في أمنها، كما يحدث في السويداء وأحياء حلب.
حتى اليوم، لا يوجد أي عناصر علوية في صفوف قوى الأمن والجيش السوري، وفقاً لمصدر أمني لبي بي سي. وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، “ليس لدي علم بوجود أي عنصر علوي في صفوفهم، ولا يمكن أن يحدث ذلك”، مضيفاً أنه لم يلتحق بالجيش أو الأمن في الساحل أو غيره أي من “العناصر الذين تمت تسوية أوضاعهم.”
وتابع المصدر أن اختيار القادة الأمنيين والعناصر يعتمد بشكل رئيسي على المهجرين من شمال غرب سوريا قبل سقوط الأسد، كونهم أبناء المنطقة ويعرفون بيئتها جيداً، بالإضافة إلى ولائهم الكبير للحكومة السورية. كما يتم الاعتماد على عناصر جديدة من مناطق المعارضة السابقة لتغطية المنطقة، حتى لو لم يمتلكوا خبرات قتالية.

صدر الصورة،Getty Images
مستقبل سوريا
منذ بداية العنف، تصاعدت مطالبات من أبناء الطائفة العلوية، بعضها يطالب بحماية دولية دون تحديد شكلها، بينما اقترح آخرون الفيدرالية أو التقسيم. ورغم أن الدستور الجديد يجرم الدعوات للتقسيم والتدخل الأجنبي، يرى البعض أن السيناريو الأسوأ قد يؤدي إلى هذا الاتجاه إذا استمر العنف.
يعتقد محمد العبدالله أن موضوع الحماية الدولية مبالغ فيه، لكنه يحذر من أن انفجار الأوضاع قد يؤدي إلى “إدارات ذاتية” تهدد بتقسيم سوريا أو تعزيز النزعة الانفصالية. أما الصحفي ضياء قدور، فيرى أن السوريين يتطلعون للمضي قدماً رغم التحديات الكبرى، بما في ذلك الوضع الاقتصادي والعدالة الانتقالية.
فيما يرى الباحث السوري الذي فضل عدم ذكر اسمه أن “ردة الفعل العلوية تجاه الأحداث ستحدد مدى تأثير الضربة، هل ستكون انكساراً لهم أم ستثير نوازع ثورية؟” مشيراً إلى أن من كانوا غير واثقين بالحكم أو ضد تسليم السلاح قد يصبحون أكثر صخباً، معتقدين أنهم مُستهدفون في جميع الأحوال.
أما الصحفي علي عبدالله فيرى المستقبل بوجهة تشاؤمية، قائلاً: “نحن في طريقنا إلى الأسوأ، ومع استمرار التدخلات الخارجية، سيكون هذا الضعف أرضية خصبة لأي تدخل آخر”. ويضيف: “الأوضاع الأمنية والمعيشية والاجتماعية تتدهور، والوضع يبدو وكأنه ينتظر عاصفة لتحريكه.”
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _BBC