آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » وصف ترامب بالمجرم المدان ومغتصب الأطفال: مارك روفالو صوت الضمير بين كواليس هوليوود وأطلال غزة

وصف ترامب بالمجرم المدان ومغتصب الأطفال: مارك روفالو صوت الضمير بين كواليس هوليوود وأطلال غزة

 

 

زاهي وهبي

 

 

أصوات النجوم العالميين المتضامنة مع فلسطين، والرافضة لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعلو وتتواصل بجرأة لافتة، وهي لا تقتصر على إدانة السلوك السياسي لترامب، بل تطاول أيضاً سلوكه الأخلاقي، خصوصاً مع ارتباط اسمه بشكل جلي، بفضائح المليادير وتاجر الجنس والقاصرات «المنتحر» جيفري ابستين، وفي مقدمة النجوم المناهضين لترامب وسياساته، يبرز اسم النجم العالمي مارك روفالو.

 

عندما ارتدى روفالو دبوساً أحمر على السجادة الحمراء مطالباً بوقف إطلاق النار في غزة، لم يكن يقدم مجرد إيماءة رمزية عابرة. إنها لحظة اكتمال لمسار فني وإنساني مترابط، حيث تلتقي جذور مسرحية متواضعة مع نجومية كونية لتصنع موقفاً يجسد واحدة من أعقد معادلات عصرنا: كيف يتحول رصيد الشهرة الفنية إلى عملة أخلاقية في سوق السياسة الدولية الملطخة بالدم؟

 

روفالو ليس مجرد صوتٍ عابر في ضجيج هوليوود وضوضائها، بل هو ظاهرة تستحق التقصي: فنان بنى سمعته على تصوير الشخصيات الهشة والمهمشة والمعقدة، ليختار أخيراً أن يمنح صوته لمن يجسدون الهشاشة الحية في مواجهة جريمة العصر تحت القصف الإسرائيلي المدمر. ولعل تجربة روفالو تقدم مثالاً حياً كيف تتراكم التجارب الفنية في وعي الممثل، ثم تُستثمر في لحظات المواجهة الأخلاقية، وكيف يمكن لتجربة تمثيل المعاناة أن تتحول إلى وسيلة لفهم هذه المعاناة على أرض الواقع.

 

بناء الفنان وبناء الضمير

قبل أن يصبح وجهاً عالمياً، تشكل روفالو في مختبرات الإبداع الأكثر تواضعاً. دراسته في معهد ستيلا أدلر، ومساهمته في تأسيس مسرح أورفيوس، وعمله في وظائف هامشية لتمويل حلمه، كلها مراحل صاغت فناناً من لحم ودم الواقع، لا من بريق الأضواء. في تلك المسارح الصغيرة، حيث يلتقي الممثل جمهوره مباشرة، يتعلم درساً أساسياً: الفن اتصال إنساني قبل أن يكون سلعة. هذا الاتصال المباشر بالآخر، هذه القدرة على تجسيد معاناته، ستكون البذرة الأولى لتعاطفه المستقبلي مع المهمشين في غزة وفلسطين.

 

 

 

 

لم يأتِ اعتراف هوليوود بروفالو من بوابتها العريضة، بل من نافذة السينما المستقلة. دوره في «يمكنك الاعتماد عليّ» قدم للعالم ممثلاً قادراً على جعل المشاهد يرى العالم من خلال عيون الشخصية المهزوزة. النقاد شبهوه بمارلون براندو، ليس في قوة الأداء فقط، بل في القدرة على كشف الهشاشة الإنسانية تحت القشور.

 

هذه الموهبة نفسها، موهبة رؤية الإنسان خلف العنوان، هي ما سيوجه نظره لاحقاً نحو الفلسطينيين، الذين تحاول آلة دعائية ضخمة تجريدهم من إنسانيتهم، وتحويلهم إلى «أضرار جانبية» مجردة.

 

من المفارقات أن يكون دور روفالو الأكثر شهرة هو «الهولك»، الوحش الأخضر الذي يخفي بداخله عالماً من الغضب المكبوت والعطش للعدالة. لكن هذه المفارقة سطحية. ففي تصويره للبروفيسور بروس بانر، قدم روفالو شخصية تعيش تناقضاً وجودياً: العقل العلمي الهادئ المسجون في جسد يقوده الغضب.

 

أليست هذه استعارة مناسبة لفنان يعيش في جسد نجم هوليوود، بينما يقوده غضب أخلاقي نحو مواقف قد تدمر مسيرته بسبب هيمنة اللوبيات المؤيدة لسياسات الهيمنة وللاحتلال وجرائمه؟ لقد حوّل روفالو رمزية الشخصية الخارقة من داخل السينما إلى خارجها: فكما يحول بانر غضبه إلى قوة للخير، يحول روفالو نجوميته إلى منصة للقضية.

 

ترشيحات الأوسكار: رصيد يتحول إلى ضمانة

يمثل رصيد روفالو من التكريم (أربعة ترشيحات أوسكار، وإيمي، ونجمة في ممشى المشاهير) مخزوناً رمزياً يمكن الاتكاء عليه، وفي الوقت نفسه المخاطرة به. في عالم التسليع الكامل الذي تعيشه هوليوود، تكون لهذا الرصيد قيمة مادية ملموسة: مشاريع، عقود، تأثير. عندما يخاطر روفالو بكل هذا، فهو لا يخاطر بشعبية عابرة، بل باستثمار مهني عمره عقود. هذا يجعل موقفه مختلفاً عن موقف ناشط شاب أو فنان هامشي؛ إنه يقامر بكل ما كسبه، مما يضفي على كلماته ثقلاً من نوع خاص.

 

طوال مسيرته، حافظ روفالو على توازن دقيق بين أفلام مارفل الضخمة والأعمال المستقلة الجادة. هذه الثنائية ليست تكتيكاً مهنياً فقط، بل هي تدريب عملي على العيش في عالمين متضادين. لقد تعلم كيف يتحدث بلغتين: لغة الصناعة التجارية التي تمول وجوده، ولغة الفن النقدي التي تغذي روحه. هذه المهارة ذاتها هي ما يفعله الآن: يتحدث بلغة هوليوود (باستخدام منصته ونجوميته) ليحمل رسالة تتعارض مع التيار السائد فيها.

 

من تمثيل المعاناة إلى تبنيها

المسافة بين الدور والحقيقة تتلاشى في أدوار مثل المحقق ديف توسكي في «زودياك» أو الصحافي مايكل ريزينديز في «سبوتلايت». تخصص روفالو في تجسيد الشخصيات التي تواجه أنظمة فاسدة عملاقة، وتصر على كشف الحقيقة رغم الثمن. سنوات من العيش في جلد هؤلاء الأشخاص لا بد أن تترك أثراً. هناك لحظة ينهار فيها الحاجز بين الفنان والشخصية، بين التمثيل والاعتقاد. يبدو أن روفالو عاش هذه اللحظة عندما انتقل من تمثيل مقاومة الظلم على الشاشة إلى مقاومته في الواقع. فلسطين بالنسبة إليه ليست قضية سياسية بعيدة، بل هي دور وجودي يلعبه خارج الكاميرا، دور الباحث عن الحقيقة في وجه رواية مهيمنة.

 

لم تكن فلسطين محطة روفالو الأولى في عالم المواقف الإنسانية. نضاله البيئي الطويل، وتحديداً في فيلم «مياه مظلمة»، كان بمثابة معمل تدريبي على مواجهة الشركات الكبرى والأنظمة القوية. هناك تعلم دروساً عملية: كيف تتحدث بلغة القانون والأخلاق معاً، كيف تواجه اتهامات بالتطرف، كيف تحول القضية الخاصة إلى قضية عامة. كانت المعركة البيئية البروفة الكبرى للمعركة السياسية الأكثر خطورة حول فلسطين.

 

عندما يصبح الفن بياناً وجودياً

مارك روفالو لا يدافع عن فلسطين لأنه ممثل مشهور؛ بل هو يستخدم أدوات الشهرة التي اكتسبها بسبب كونه فناناً جاداً درس تعقيد النفس البشرية. مساره من المسرح المستقل إلى الأوسكار، ومن أدوار الهشاشة إلى نجومية الخيال العلمي، شكل ترسانة فكرية وعاطفية جعلته يرى في الأطفال الفلسطينيين تحت الأنقاض بشراً يستحقون الحياة والحرية لا «أضراراً جانبية» في حرب، بل شخصيات من مأساة إنسانية تسبب بها الاحتلال ومن يقف خلفه.

 

النجم الذي يرتدي «دبوس وقف إطلاق النار» على السجادة الحمراء هو نفسه الذي بدأ في مسارح صغيرة حيث كان الفن وسيلة للاتصال المباشر بالإنسان. الفرق اليوم هو أن جمهوره لم يعد مئات المتفرجين في قاعة صغيرة، بل ملايين المشاهدين حول العالم، وأن المسرح لم يعد خشبة محدودة، بل الساحة الدولية بكل تعقيداتها الدموية.

 

تؤكد قصة روفالو بأن الفن الحقيقي لا يمكن أن يكون هروباً من الواقع، بل هو تدريب متقدم على فهم هذا الواقع. وأن الفنان الذي يتعمق في تمثيل المعاناة الإنسانية على المسرح، قد يصل به الأمر إلى لحظة لا يستطيع فيها إلا أن يرفض تلك المعاناة عندما يراها في الواقع. بهذا المعنى، لم يتخلَّ روفالو عن مهنته عندما أصبح ناشطاً؛ بل على العكس، وصل إلى ذروة مصداقيتها: عندما لم يعد بحاجة إلى نص مكتوب أو مخرج أو كاميرا ليخبرنا بأن الدماء الحقيقية أهم من دماء الماكياج، وأن الصراخ تحت القصف أقوى من أي حوار مكتوب.

 

وهذا الموقف الأخلاقي المتجذر، الذي يرفض الظلم أينما كان، لا ينفصل عن رؤيته النقدية الأوسع للسلطة والفساد. فهذا المنطق نفسه هو ما دفعه خلال احتفال «غولدن غلوب» ليس فقط إلى التضامن مع غزة، بل أيضاً إلى تصريح لاذع ضد المنطق السياسي السائد، منتقداً إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) بسبب مقتل رينيه غود على يد عنصر من وكالة الهجرة، ومديناً تدخل ترامب في فنزويلا واصفاً إياه بالقول: «ترامب رجل مجرم مدان ومعتدٍ على الصغار، إنه أسوأ إنسان، وإذا كنا نعتمد على أخلاق هذا الرجل في أقوى دولة في العالم فنحن جميعاً في ورطة كبيرة».

 

هذا التصريح ليس انفعالاً عابراً، بل هو ترجمة مباشرة لتلك الشخصيات التي جسدها على الشاشة – المحقق والصحافي الذي يواجه الأنظمة الفاسدة – إلى أرض الواقع. إنه يؤكد أن معركة روفالو واحدة: معركة ضد آلة التدمير أينما وجدت، سواء في حروب الاستعمار أو في فساد القيادات السياسية. إنه يربط بين رفضه لاحتلال فلسطين والاعتداء على سيادة فنزويلا، ورفضه لقيادة تُجَسِّد بنظره انهياراً أخلاقياً، مذكراً بأن الضمير الإنساني لا يمكن تجزئته، وأن الصوت الذي يرفع من أجل العدالة في مكان، لا بد أن يرفض الظلم في كل مكان.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلة التراث الشعبي في عددها الجديد توثق الذاكرة السورية وتعزز الهوية الوطنية

تقدّم مجلة التراث الشعبي في عددها الجديد المزدوج (36–37) مرجعاً بحثياً متكاملاً للدارسين والمهتمين بالتراث غير المادي، عبر باقة من الدراسات والمقالات التي تتناول الحكاية ...