رولا عيسى:
جدل متكرّر تشهده الأسواق السورية حول قرارات السماح أو منع استيراد عدد من المنتجات، لا سيّما الزراعية، بين من يرى أنّها توازن السوق المحليّة وتحمي المنتج الوطني، وبين من يعتبرها مهدّدة للقدرة الشرائية للمواطن بسبب ارتفاع الأسعار.
أحدث هذه القرارات صدر عن اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير مساء الأحد، ونص على وقف استيراد عدد من المنتجات الزراعية الأساسية خلال شهر شباط الجاري، استناداً إلى الروزنامة الزراعية ومتابعة واقع الأسواق المحلية، ما أثار ردود فعل متباينة.
وينصّ القرار على إيقاف استيراد: البطاطا والبطاطا المفرّزة، الملفوف، القرنبيط، الجزر، البرتقال، الليمون، الفريز الطازج، بيض المائدة، الفروج الحيّ، إضافة إلى الفروج الطازج والمجمد وأجزائه.
ويرى البعض أن القرار يمنح المنتج المحليّ فرصة أفضل للتصريف ويحدّ من الخسائر الزراعية، في حين يعتبره خبراء آخرون حلّاً مؤقّتاً لا يعالج جذور الأزمة، داعين إلى اعتماد استراتيجيات أكثر شمولاً لضمان منافسة عادلة مع المنتجات المستوردة.
ويُلزم القرار إدارة الجمارك العامة في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك بعدم قبول أو تسجيل أيّ بيان جمركي يتضمّن هذه الأصناف، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقّ المخالفين، بما في ذلك إعادة الشحنات المخالفة على نفقة أصحابها.
توازن السوق
قوبل القرار بردود فعل متباينة، إذ أعرب عدد من المواطنين عن عدم الارتياح، خاصّة مع معاناتهم اليومية من ارتفاع أسعار الخضار والفروج وعدم تناسبها مع قدرتهم الشرائية، متوقّعين زيادة في الأسعار، ما يزيد من الضغوط عليهم.
في المقابل، أوضح رئيس لجنة سوق الهال محمد العقاد، أنّ الروزنامة الزراعية تُنظَّم بشكل شهري ودقيق، إذ تحدّد في بداية كلّ شهر الأصناف الزراعية التي يُسمح بتصديرها أو التي تحتاجها الأسواق المحلية.
ويؤكّد العقاد لصحيفة “الثورة السورية” أنّ الأسئلة الأساسية المتكرّرة تشمل: ما الذي تحتاجه الأسواق؟ وأيذ الأسواق المقصودة؟ وهل هناك فائض حقيقي يكفي حاجة البلد قبل السماح بالتصدير أو الاستيراد؟
ويجيب العقاد، بحسب متابعته، أنّ القرار الأخير جاء نتيجة دراسة واقع الإنتاج، حيث تبيّن وجود كميات كافية تغطّي حاجة السوق المحلية، وهو ما سمح باتخاذ قرار منع الاستيراد، لمنح المنتج المحليّ فرصة أفضل للتصريف.
وأشار إلى أنّ القرار يسهم في تجنّب جزء كبير من الخسائر التي كان يمكن أن يتحمّلها المزارعون، إذ إنّه يحلّ نحو 80 بالمئة من المشاكل المحتملة، بينما بقيت بعض التحدّيات التي يمكن التعامل معها.
وأضاف أنّ الواقع اليوم يسير بشكل مطمئن، مع توفّر المنتجات واستقرار نسبي في السوق، معتبراً أنّ هذه الخطوات، حتى إن كانت تحتاج إلى المزيد، إلا أنّها تصبّ في مصلحة البلد وتدعم استمرارية الإنتاج الزراعي.
ويرى رئيس لجنة سوق الهال بدمشق أنّ الحفاظ على هذا المسار، القائم على التوازن بين حاجة السوق ودعم المزارع، كفيل بإبقاء الاستقرار بين العرض والطلب مستقبلاً، معرباً عن أمله بأن تستمر القرارات المدروسة بما يخدم المصلحة العامة.
تناقض مع السوق الحرّ
يعرب الخبير الاقتصادي في مجال الدواجن، أنس القصار، عن موقفه الرافض لسياسة منع الاستيراد وتناقضها مع سياسة السوق الحّر، مؤكّداً أنّ منع الاستيراد غير جائز نهائياً في ظلّ اقتصاد حرّ، وأنّ البديل الصحيح هو استخدام أدوات اقتصادية مرنة، وعلى رأسها التعريفة الجمركية، برفعها أو خفضها بما يحقّق حماية المنتج المحليّ دون الإضرار بالسوق أو بالمستهلك.
وقال القصار لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ المطالب التي صدرت عن مربي الدواجن حتى اليوم لم تتوجّه بالشكل الصحيح نحو وزارة الزراعة أو الجهات المعنية بقطّاع الدواجن، ولم تطالب بحماية مختلفة وأكثر استدامة للمنتج المحليّ.
وأكّد أنّ الحماية الحقيقية تبدأ بالسماح باستيراد جميع مدخلات الإنتاج الخاصة بالثروة الحيوانية دون أيّ رسوم جمركية، أي فرض “صفر جمارك” على الأعلاف، والأدوية، واللقاحات، وكل ما يتّصل بالإنتاج الحيواني، إضافة إلى الأمهات والسلالات الجيّدة من الأبقار والماعز والخراف وغيرها.
ويعتقد القصار أنّ الشكل الحقيقي للدعم يتمثّل في عدم دفع المربي أي جمارك على مدخلات إنتاجه، وحين تصبح كلفة الإنتاج المحليّة مماثلة لكلفة الإنتاج في أيّ دولة أخرى، ولا يضاف عليها سوى تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، عندها فقط يمكن الحكم بعدالة على قدرة المزارع على المنافسة.
ويضيف: إذا عجز المزارع أو المربي عن المنافسة في هذه الحالة، فإنّ الخلل يكون في أسلوب الإدارة أو الإنتاج، لا في السلعة التي يستهلكها المواطن مباشرة.
ويؤكّد: “إذا لم أستطع المنافسة في سوق حرّ عادل، فالخطأ عندي أنا، وليس عند المنتج أو المستهلك”.
حلول مؤقّتة
يقول الخبير الزراعي أكرم عفيف، إنّ القرارات المتّخذة حالياً تُعدّ خطوة إيجابية ومهمّة، لكنّها تبقى حلولاً مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة في السوق المحليّة بشكل دائم.
ويضيف عفيف لصحيفة “الثورة السورية”، أنّ الحلّ الحقيقيّ والمستدام يبدأ من دعم المنتج المحليّ وتمكينه من المنافسة العادلة، سواء مع المنتجات المستوردة أو حتى مع المجاورة.
وينفي عفيف وجود ما يمنع سوريا من أن تكون بلداً قادراً على طرح منتجات تنافسية في السوق الداخلية، وأيضاً في الأسواق الخارجية، إذا ما توفّر الدعم الصحيح والبنية المناسبة للإنتاج.
فالقرارات الحالية، مثل إيقاف الاستيراد عند انخفاض أسعار الفروج إلى ما دون التكلفة، بحسب عفيف، تسهم مؤقتاً في حماية المربين ورفع الأسعار قليلاً بما يسمح لهم بتحقيق هامش ربح، وينطبق الأمر ذاته على باقي المحاصيل الزراعية من خضراوات وفواكه.
إلا أنّه يعتبر أنّ هذه الإجراءات على أهميتها لا تشكّل حلّاً جذرياً للأزمة، فالحلّ الدائم، كما يراه، يكمن في إدخال قطاع الإنتاج السوري إلى “غرفة الإنعاش التنمويّ”، عبر دعم حقيقي ومدروس للمنتج المحليّ، ورفع جودة الإنتاج ليكون قادراً على منافسة المنتجات المستوردة من حيث السعر والنوعية معاً.
ويرحّب عفيف بقرار وقف استيراد عدد من المنتجات معتبراً أنّه ينمّ عن متابعة لأوضاع السوق وتدخّل في الوقت المناسب لمنع انهياره، مشيراً إلى أنّ هذا التدخّل ضروري، لكنّه وحده لا يكفي، ودون رؤية طويلة الأمد واستراتيجية دعم شاملة للإنتاج المحليّ، ستبقى الحلول مؤقتة، وستتكرّر الأزمات من جديد.
الأسعار قبل القرار
من خلال رصد الأسواق، سجّل سعر صحن البيض 350-400 ليرة جديدة (35,000-40,000 ليرة قديمة)، وكيلوغرام الفروج ضمن الأسواق نحو 220-240 ليرة جديدة (22,000-24,000 ليرة قديمة)، بينما الفروج المنظف تراوح بين 300-350 ليرة جديدة (30,000-35,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام، والمقطّع أعلى حسب النوع.
وسجل سعر كيلوغرام البطاطا حوالي 70 ليرة جديدة (7,000 ليرة قديمة)، والبرتقال في بعض الأسواق يتجاوز 85 ليرة جديدة (8,500 ليرة قديمة) للكيلوغرام، والجزر في حدود 40-60 ليرة جديدة (4,000-6,000 ليرة قديمة) للكيلوغرام، أمّا القرنبيط والملفوف فتختلف الأسعار حسب الموسم، لكنها غالباً في نطاق 50-60 ليرة جديدة (5,000-6,000 ليرة قديمة).
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
