آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » يباب الحبّ في ديوان “عقيقيّة أنا…” لكلوديت عقيقي

يباب الحبّ في ديوان “عقيقيّة أنا…” لكلوديت عقيقي

 

يوسف طراد

 

العمر قطار سريع يستقلّه كلّ شاعر. يصفّر، وينطلق، ويمضي في طريقه. فتمزّقنا الحياة بأعبائها، وشجونها، ومشاغلها ومتاهتها التي تسير بنا إلى اللامكان، من دون أن تعطينا فرصة نلتقط فيها الأنفاس.

 

وضّبت كلوديت عقيقي، مشاعرها وأحلام صباها ويقظة شبابها، في ديوان “عقيقيّةٌ أنا”. وتناست حقائب مليئة من سكرة الحبّ على رصيف محطّة، خارج سكّة قطار حياتها، وعادت وافتقدت جزءاً من نفسها على ناصية البوح. فكيف لها أن تجد طيف الماضي، ودهشة الحاضر، وقد هربا أمام عينيها كحزمة من الضوء، وسكنا حيرة من قرأ ديوانها؟

 

أميرة في ملامح العشق، خصيلات شعرها العذري، متفلّتة من تقاسيم جدائلها، فهل هي لحظة جموح خصّلتها بجواهر فؤادها، لعلّها تشدو من الحاضر يباب الحبّ في الغياب، وهي مدركة أنّها تثير في روحها مكامن الوَلَه، وتدغدغ حلم الوصال بشقاوة الدلال؟ هي الشاعرة المنذورة دوماً للحبّ: “عقيقيّةٌ… لا تُرَصّعُ ضفائري/ إلا جواهر من عمق الفؤاد/ عقيقيّةٌ… لا تجثو خواطري/ سوى للخالق… ربّ العباد./ فاستَرسِلْ كما شئْت في غياباتِك/ فأنا أنثى اعتادَتْك رغم البعاد.” (صفحة 13)

 

 

 

شاعرة، ارتوت ذكرياتها ببلسم الشهد وعبرات النداء، في فضاء تاهت في سحره عيون الندماء. غدت عاشقة، وقد تفتّح نهر مشاعرها على رائحة العطر في جرار تخمّر بداخلها سكون ولغة عيون. كم هي السعادة زهيّة، في فيء الصمت، فتحملنا إلى عوالم تعرفنا ولا نعرفها!؟: “تعال نتقاسم الذكريات/ نقطف نجوم الأمنيات/ نعبّىءِ الصمّت بجراره/ نقفلها بضجيج الضحكات.” (صفحة 32)

 

عقيقيّةٌ، حين تسطّر يراعتها اسم الحبيب، تفرح الأوراق تحت يديها، ويسيل نهر الحبر بجوار مخيّلتها. وتشبّ النار في دواتها، وتهطل النيازك على طاولتها. وحين تبعثر دفاترها، تتحوّل أوراقها درراً تبهر النظر، ككوكب وقع وانكسر. وتصيبها الحروف بداء الاشتياق الذي لا شفاء منه، وتتآلف دمعتها مع بسمتها: “حين أشتاقك/ أعاتب أوراقي أبعثرها/ تسقط واحدة/ أنحني أحملها برفق/ أقف لها دقيقة صمت/ …حين أشتاقك/ أتناثر احتراقاً/ تتسابق دمعتي/ لترثي بسمتي.” (صفحة 41)

 

 

العشق شقاءٌ، والدمع خارطة حياة، فكيف يكون حبّ الشاعرة درب نجاة تمشيها، ولا يردعها عن عهد اللقاء الجميل سوى العناق. فلا تنشد مقلتاها سوى مداعبة المستحيل، على حفافي الأفق الساكن المتأنّق بالوعد البعيد: “صَمَتُّ/ والدمع ينهشني/ دمَعْتُ/ والصمت يبعثرني/ تبعثرت دمعاً/ ودمعت صمتاً/ ورحل من كان/ بصمته يلهمني.” (صفحة 51)

 

هل سنسمع عن آخر قارئ، قرأ ديوان حبٍّ، واختفى إلى الأبد؟ وتمخر الشاعرة عاصفة من حروفٍ، ويهطل الحبر، وتنتعش الأوراق. فكيف يطير إدراك القارئ في فضائها العاصف، ليلتقي بأفكارها، وهي التي تسجن الحروف في قفصٍ، قضبانه أقلام تسطّر الوعي، وتطلقها قصائد؟: “إرحل يا أنت/ فلم تعد الحروف كما كانت/ فها الحرف بات/ يُباع بالوزن والموازين/ يُقاس بالقافية والقوافي/ لا تُتعب نفسك يا أنت/ فالقارئ مات/ وعاشت عصور الجهل من جديد.” (صفحة 90)

 

غنّت كلوديت عقيقي في ديوانها “عقيقيّة أنا…”، الحبّ والصمت والغياب والعودة والإلهام والذكريات… فعاد القارئ إلى الحياة، من فسحةٍ وحلمٍ فائضٍ من دون ضفاف. وثارت المشاعر من أريج عناقٍ، والشهوة تجري كقدر محتوم، إلى مشتهاها في قلب عاصفة حطّمت القلوب. ويراعة العقيقيّة، صارٍ لمركب يطوف فوق بحيرة من الدمع، والمشاعر المتهادية بين الجسد والروح.

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هيمنة فيلم “معركة تلو أخرى”… أبرز الفائزين بجوائز غولدن غلوب 2026

  هيمنت الملحمة التي تتناول انزلاقات التطرّف في الولايات المتحدة، “معركة تلو أخرى” (One Battle After Another)، على جوائز غولدن غلوب مساء الأحد، محقّقةً أربع ...