في خريفِ 2025، وبعدَ عامٍ كامل على فوز دونالد ترامب في الانتخاباتِ الرئاسية الأميركية، نشرت منافستهُ السابقة كمالا هاريس مذكراتٍ سياسية بعنوان “107 أيام”، تروي فيها تجربتها الشخصية في السباقِ الانتخابي والظروف التي أحاطت به، وعلاقتها بجو بايدن، الذي شغلت منصب نائبته طوال فترة عهدته.
تسردُ هاريس في هذه المذكرات رؤيتها وتأملاتها، وما ترى أنّه تسبّب في خسارتها وتراجع الحزب الديموقراطي، إضافةً إلى مشاعر عميقة بالخيبة والخذلان، لم تختبر مثلها إلاّ عند وفاة والدتها.
الوقت هو سبب خسارتي
اختارت المحامية لمذكّراتها عنواناً مرتبطاً بالزمن، يشيرُ إلى المُدّة القصيرة التي مُنِحت لها للمشاركة في السباق الانتخابي. فقد مثّلت الحزب الديموقراطي بعد انسحاب بايدن قبل ثلاثة أشهر ونصف شهر فقط، لتُنافس أشرسَ المرشّحين، دونالد ترامب الذي كان يسعى إلى عهدةٍ ثانية منذ عشر سنوات. وتعتقد هاريس أنّ عامل الوقت مثّل السبب الرئيس لخسارتها، إذ ترى أنّها لم تمتلك ما يكفي من الوقت لتقديم نفسها كما تتمنّى، ولا لإقناع الشعب الأميركي ببرنامجها الانتخابي.
تُعيدنا هاريس إلى الأجواء المتوتّرة التي سبقت الانتخابات، وما رافقها من مناظرات قوّية وتصريحات مستفزة. كما تكشف عن كواليس حملتها الانتخابية، من مكالمات هاتفية خاصّة دارت بينها وبين داعميها، من بينها مكالمة بايدن مباشرةً قبل مناظرتها الشهيرة مع ترامب. تروي هاريس إلى أيّ حدٍ شعرت بالغضبِ والتوتّر بعد انتهاء المكالمة، حين اتّصل بها بايدن ليتمنّى لها حظاً موفّقاً وفي الوقت نفسه أثار موضوعاً وصفته بأنّه يخدم صورته ومصلحته أكثر ممّا يخدم مصلحتها.
في ما يخصّ لقاءها ببنيامين نتنياهو، تتحدّث هاريس عن انطباعها ومحادثة غير مريحة جرت بينهما. تشرح أنّها عبّرت عن ولائها لإسرائيل وتأييدها لحقّ الردّ على “حماس”، لكنّها انتقدت في الوقت ذاته سياسته الوحشية في تصفية الأبرياء الفلسطينيين، وكونه لا يمنح الأولوية لإنقاذ الرهائن. تقول هاريس إنّ نتنياهو لم يكن مسروراً بموقفها، وإنّه كان يريدُ رؤية ترامب في المقعد المقابل، “لم يكن يريدُ جو ولا حتى أنا”.
بين الولاء والخذلان من جو بايدن
لا تتردّدُ هاريس في كتابة اعترافات جريئة وصادقة، تواجه نفسها بهفواتها وما كان يمكن فعله على نحوٍ مختلف، وبندمها على بعض التصريحات أو اللقاءات التلفزيونية. وفي السياق نفسه، تتأمّل علاقتها ببايدن، ومدى التباسها بين ولاءٍ وخذلانٍ لم تعبّر عنه في حينه؛ فلطالما آمنت هاريس بمشروعه وإنجازاته الرئاسية، وثمّنت التزامه بالقانون والدستور الأميركي، غير أنّها في أعماقها أدركت أنّه لم يعد قادراً على تحمّل أعباء حملة انتخابية ثانية، لكنّها لم تشاركه هذا الرأي. وتتساءل وهي تكتب مذكراتها، عن صمتها، إن كان ولاءً أم ضعفاً، لتضيف حاسمةً بأنّه كان ضعفاً، وربما كان من مصلحة الجميع أن تصارحه وتحاول ثنيه قبل انسحابه المتأخر.
التوجه السياسي يحدّد التلقي
قد يبدو محيّراً إلى أيّ حدٍّ يمكن أن يتشابه المناخ السياسي الأميركي مع العربي، من حيث تأثير التوجهاتِ السياسية في الانطباع الفردي وموضوعيته، على الرغم من أنّنا نتحدّث عن مجتمع يعدّ تقدّمياً مقارنةً بمجتمعاتِ العالمِ الثالث. من يحاولُ الاطلاّع على أصداء تلقّي مذكرات هاريس لدى القراء الأميركيين، يلاحظ كيف أنّ كثيرين قيّموا الكتاب بنجمةٍ واحدة حتى قبل صدوره. أمّا البعض الآخر ممّن قرأ الكتاب، فيرى أنّها حتى لو مُنحت المزيد من الوقت ما كانت لتحقّق شيئاً. في المقابل تظهر تقييمات بخمسِ نجوم، وتأييد مطلق من مناصريها، فيما تقلّ التقييمات الموضوعية التي تتناول نقاط القوّة ومواضع الضعف. هذا ما يؤكّد أنّ التلقّي استند في معظم الأحيان على توجّه المواطن السياسي وانتمائه الحزبي أكثر من كونه اطّلاعاً محايداً يتأمّل تجربة إنسانية قد تلهمُ أشخاصاً آخرين في طموحاتهم السياسية والوطنية مستقبلاً.
رسالة أخيرة إلى الشعب الأميركي
جاءت مذكّرات كامالا هاريس في فصولٍ عنونتها بأيامٍ مرقّمة، مع غياب بعض الأيام التي ربما رأت أنّها غير مهمّة لتوثيقها. ولتختم مذكراتها، كتبت رسالةً أخيرة للشعب الأميركي، بدت أقرب إلى كليشيه يقال في الحملات الانتخابية، إذ أنهت الكتاب بعبارة “الأطفال هم مستقبلنا”، في وصية للأجيال الشابة بأن يحافظوا على أميركا الحُرّة وديموقراطيتها وعدالتها. غير أنّ صدمتها الكبيرة عند نتيجة الانتخابات لم تكن الخسارة بحدّ ذاتها بقدر ما كانت فشلاً لمشروع كانت تطمحُ لتقديمهِ لبلادها. أمّا السبب الحقيقي الذي دفعها لكتابةِ هذه المذكرات السياسية، فيعود إلى أهميةِ السباق الرئاسي الذي خاضته، فالتاريخ سيكونُ شاهداً عليه، لذلك أرادت أن يحضر صوتها بوصفه شهادةً على هذه المرحلة المهمّة من تاريخِ أميركا.
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
