يحيى دبوق
في خطوة لافتة، بعث الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، رسالةً غير مباشرة إلى إسرائيل، أعرب فيها عن عدم فهمه سبب «وجود» الأخيرة و«نشاطها» العسكري في الأراضي السورية، مشيراً إلى أن النظام الجديد ليس كذلك السابق المعادي تقليدياً لها، وأنه ليس جزءاً من منظمة مِثل «حزب الله» الذي يهدف إلى تدمير «الدولة العبرية». وجاءت رسالة الطمأنة تلك، خلال استقبال الشرع وفداً من الطائفة الدرزية السورية، وهي الجهة نفسها التي عملت إسرائيل على استغلالها لتبعث بتحذيرها إلى الشرع وقواته من مغبّة الانتشار جنوبي العاصمة دمشق، كترجمة لالتزام الكيان، كما يقول رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، بـ«حماية» الطائفة الدرزية من التهديدات. لكن هل تجد تطمينات الشرع آذاناً صاغية في تل أبيب؟
لم تبدِ إسرائيل، منذ سقوط الأسد وتولّي الشرع الحكم في دمشق، معارضة مطلقة للنظام الجديد، بل هي رحّبت بالتحوّلات الحاصلة هناك، وأعربت عن سرورها بما يمكن أن تحقّقه من مصالح استراتيجية ظلّت تسعى إليها على مدى عقود، إذ يُعدّ الشرع، من وجهة النظر الإسرائيلية، أفضل الخيارات المتاحة في ظلّ الظروف الراهنة في سوريا؛ وفي حال استمرّ في السيطرة الفعلية على النظام، فقد يحقّق لإسرائيل استدامة لأهمّ مصالحها الأمنية، خاصةً أنها تراهن عليه لإنهاء التهديدات ومنع عودة تكوّنها.
ومع ذلك، يبدو أن لدى تل أبيب الكثير من الأسئلة والفرضيّات حول مستقبل سوريا، كونها لا تَعتبر النظام الجديد، بقيادة الشرع، قادراً على بسط سيطرته الكاملة على البلاد بشكل مستدام، إذ ثمة تحدّيات وعراقيل ومصالح متضاربة، داخلية وخارجية، تجعل من الصعب عليه إحكام قبضته، ليس على كامل سوريا فقط، بل حتى على المركز السياسي نفسه. وبينما يتعامل البعض مع سيطرة الرجل على دمشق باعتبارها مستدامة، ترى إسرائيل أن إعادة توحيد البلاد كما كانت عليه في القرن الماضي، مهمّة شبه مستحيلة، أقلّه بالأدوات المتاحة لدى الشرع حالياً.
تطمينات الشرع وإشاراته لن تثني إسرائيل عن مواصلة مساعيها في الجنوب السوري
وانطلاقاً من ذلك، لا تبدي إسرائيل أيّ استعجال، بل يبدو أنها قرّرت أن تعمل على تعزيز خياراتها المباشرة في سوريا خلال الفترة الانتقالية، إلى حين تحقُّق الاستقرار تحت حكم مركزي قويّ ومتمكّن وغير متقلّب، أو إعادة التوجه إلى حرب داخلية جديدة بين مكوّنات النظام الجديد. ومن بين الخيارات المتاحة بالنسبة إليها، إنشاء كانتون موالٍ لها في الجنوب السوري – بغضّ النظر عن مستوى علاقته بالنظام المركزي في دمشق -، ولا سيما أن خياراً كهذا يعود بالفائدة على إسرائيل، من دون القلق من التغيّرات المحتملة في السلطة المركزية.
وبالفعل، فإن ما بدأت إسرائيل تنفيذه على الأرض، والذي لا يبدو أنه يلقى أيّ معارضة مؤثّرة، سواء داخلية أو خارجية، هو بسط السيطرة المباشرة وغير المباشرة على هذا «الكانتون المحاذي». وفي الوقت ذاته، تترك الآخرين يعملون على تكوين سوريا الجديدة في المناطق المتبقية، على اعتبار أن أيّ ترتيب لاحق في المركز لن يكون بالضرورة متعارضاً مع الوقائع الإسرائيلية المفروضة في الجنوب السوري، والذي يراد له أن يجد حلولاً مشابهة لما يتم العمل عليه مع الجانب الكردي شمالاً.
هكذا، ترى إسرائيل أن ما تقوم به في الجنوب السوري خيار مشبع بالأمن والاستقرار، مع إمكانية فرضه فعلياً على أرض الواقع، مقارنةً بـ«شراء خطط وتطمينات» غير موثوقة قد تسقط مع المتغيّرات المقبلة في سوريا، والتي يصعب استشرافها من الآن، حتى لو كانت هذه العروض تستند، وفق ما توحي به إشارات الشرع الأخيرة أمام الوفد الدرزي، إلى نيّة دمشق، بنسختها الجديدة، بلورة «اتفاقات أبراهام 2»، أي ضمّ سوريا إلى قطار المطبّعين مع الدولة العبرية، كما يرد في تحليلات الإعلام العبري.
وعليه، فإن تطمينات الشرع وإشاراته تلك، لن تثني إسرائيل عن مواصلة مشروعها، والذي يقوم على استغلال الفرصة المتاحة اليوم لتطبيق خطط التفتيت التي أملت بها دائماً، مع العمل على أن تكون سوريا الجديدة تحت حكم نظام غير معادٍ لها وقادر على منع التهديدات عنها، سواء طبّع معها أو لم يطبّع. ويُعدّ ذلك مخالفاً لما دأبت على فعله في الماضي، حيث كانت تضغط نسبياً نحو تفكيك سوريا وقضم جزء منها بشكل مباشر أو غير مباشر، فحسب.
أخبار سوريا الوطن١ الأخبار